«يوم الطفل العالمي».. صغار أجبروا على هجر طفولتهم

«الشرق الأوسط» ترصد معاناة الملايين في مناطق النزاع

طفل يمني يلعب بدراجة مكسورة في أحد مخيمات النازحين في عمران شمال اليمن (إ.ب.أ)
طفل يمني يلعب بدراجة مكسورة في أحد مخيمات النازحين في عمران شمال اليمن (إ.ب.أ)
TT

«يوم الطفل العالمي».. صغار أجبروا على هجر طفولتهم

طفل يمني يلعب بدراجة مكسورة في أحد مخيمات النازحين في عمران شمال اليمن (إ.ب.أ)
طفل يمني يلعب بدراجة مكسورة في أحد مخيمات النازحين في عمران شمال اليمن (إ.ب.أ)

سلبت النزاعات المتعددة في منطقة الشرق الأوسط من الأطفال براءتهم. وتعكس عشرات التقارير والصور اليومية حجم المعاناة التي لم يتحملها الكبار، وأجبر على تكبدها الصغار بين جوع وحرب ونزوح وتجنيد واعتقالات.
قصص لا تكفي صفحات لرصدها تبعثرت بين أوراق المراسلين فلملمتها «الشرق الأوسط» لتسليط الضوء على حجم التحدي الذي يواجه صناع المستقبل في العالم العربي.
وبمناسبة اليوم العالمي للطفل الذي حل أمس، لا يزال أكثر من 60 في المائة من أطفال سوريا محرومين من حق التعليم. وتُنتهك حقوق بسيطة يستحقها الأطفال في شرق حلب وغيرها من المناطق المحاصَرة في سوريا، حيث يُقطع الغذاء والمياه والرعاية الطبية عن الأطفال. ويعيش نحو مليون طفل عراقي ظروفًا قاسية داخل مخيمات متفرقة بالبلاد. كما يقبع مئات الأطفال الفلسطينيين وراء القضبان الإسرائيلية، بينما تجند الميليشيات الانقلابية في اليمن الأطفال وتنتهك أبسط حقوقهم بحياة أفضل.
اليوم العالمي للطفل هو أكثر من مجرد يوم نحتفي فيه بالأطفال في كل مكان. إنه فرصة سنوية لنُلزم أنفسنا بحماية حقوق كل طفل، جاء هذا في بيان منظمة «اليونيسيف» الأممية الصادر أمس والتي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه. تلك الحقوق العالمية الراسخة التي لا يُمكن التنازل عنها، والتي تَعهّد العالم بحمايتها في مثل هذا اليوم من عام 1989، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل.
وأضاف البيان: «حق الطفل في الكرامة والأمن، في أن يُعامَل معاملة عادلة ويعيش حياةً خالية من الظلم. في أن يأخذ فرصته العادلة في الحياة». في يوم الطفل هذا، ينبغي علينا مواجهة الحقيقة المُقلقة أنه، في مختلف أنحاء العالم، يجري انتهاك حقوق الملايين من الأطفال كل يوم. واعتمد العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) كل عام منذ 1954 يومًا عالميًا للطفل.

«البراءة المداماة» ومعاناة أطفال سوريا
وبدورها، أصدرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» بمناسبة يوم الطفل العالمي تقريرها السنوي الخاص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال من قبل الجهات الفاعلة في سوريا بعنوان «البراءة الدامية».
وبحسب التقرير، فقد تعرَّض الأطفال في سوريا منذ مارس (آذار) 2011 وحتى اليوم إلى مختلف أنواع الانتهاكات، حيث قُصفت مدارسهم بشكل منهجي من قبل النظام السوري وحلفائه، وهذا يُشير إلى تعمد استهداف أجيال مستقبل سوريا، انتقامًا من المناطق التي طالبت بتغيير النظام الحاكم وخرجت عن سيطرته. وأكد التقرير أنه منذ مارس 2011، قتل نحو 24 ألف طفل في سوريا.
ويتربع النظام السوري وحلفاؤه على رأس الهرم بنسبة تُقارب 94 في المائة من مجمل الانتهاكات، فيما تحتلُّ بقية الأطراف، كقوات الإدارة الذاتية (بشكل رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي فرع حزب العمال الكردستاني والتنظيمات المتشددة)، وفصائل المعارضة المسلحة، وقوات التحالف الدولي، نسبة الـ6 في المائة المتبقية وبنسب متفاوتة.
وأكد التقرير أن الأطفال في سوريا قد تعرضوا إلى تداعيات تراكمية نتجت عن عمليات القصف والتدمير اليومية، التي تسببت في تضرر قرابة نحو 4 آلاف مركز تعليمي بين مدرسة ورياض أطفال؛ ما أدى إلى خروج ما يزيد على 2.5 مليون طفل داخل سوريا من العملية التعليمية، وتضرُّر قطاع الصحة، فانخفضت معدلات تلقيح الأطفال، وانتشرت الأمراض المعدية كالسلِّ وحمى التيفوئيد، وتدمَّرت أجزاء واسعة من قطاع البنية التحتية وتدمَّرت أحياء كثيرة بشكل شبه كامل ما دفعَ الأسرة السورية إلى اللجوء. وظهرت معاناة من نوع آخر، حيث حُرم 60 في المائة من مجمل الأطفال اللاجئين والذين بلغ عددهم أكثر من 3.8 مليون طفل لاجئ من العملية التعليمية، كما تم استغلالهم في سوق العمل، إضافة إلى تسجيل عدد من حالات العنف الجنسي بحق الأطفال داخل وخارج سوريا، وازدادت بشكل مخيف حالات التزويج المبكر، كما وُلد ما لا يقل عن 160 ألف طفل في مخيمات اللجوء، لم يحصلْ الكثير منهم على أوراق ثبوتية. ووفق التقرير الذي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه جنَّدت التنظيمات المتشددة مئات الأطفال دون سن الـ15، كما مارست عمليات تعذيب بحق أطفال معتقلين داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها، وقتلت عمليات القصف العشوائي التي قامت بها الكثير من الأطفال، ويُشكل ذلك جرائم حرب.
وأكد التقرير قيام فصائل مختلفة تابعة للمعارضة المسلحة بعمليات تجنيد لعشرات من الأطفال، كما تسبب القصف العشوائي الذي قامت به بعض الفصائل بمقتل عدد من الأطفال، يُشكل كل ذلك جرائم حرب. وأوصى تقرير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» بضرورة إيصال المساعدات إلى الأطفال المحاصرين، وإجبار النظام السوري بشكل رئيس على رفع الحصار، بدلاً من اللجوء إلى مجرد إلقاء المساعدات من الجو. كما طالب بإيجاد آليات لوقف قصف المدارس وحمايتها، والعمل على خلق بيئة تعليمية آمنة، وهذا أقل مستويات حماية المدنيين.

أطفال العراق.. النازحون والعاملون
يسلط اليوم العالمي للطفل معاناة الأطفال العراقيين، إذ يعيش نحو مليون طفل عراقي ظروفا قاسية داخل مخيمات متفرقة بالبلاد، ضمن أكثر من ثلاثة ملايين نازح عراقي خلال العامين الماضيين. وتسببت المعارك الحالية في نزوح مزيد من العائلات وأطفالهم ما دفع منظمات دولية معنية بحقوق الطفولة من التحذير من عدم قدرتها على توفير الرعاية لهؤلاء الأطفال، لا سيما إذا حدث تدفق أكبر حال دخول القوات العراقية الموصل.
وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» بتقرير سابق أن «أكثر من نصف مليون طفل عراقي انخرطوا في سوق العمل من بين 3.5 مليون طفل لم يعودوا قادرين على الدراسة، يواجهون خطر الموت أو التعرض لإصابة خطيرة أو عنف جنسي أو الخطف أو التجنيد في فصائل مسلحة، في حين اضطر مليون ونصف المليون طفل إلى النزوح جراء الأعمال القتالية.
وأضافت أن عدد الأطفال العاملين بلغ 575 ألفا، وأن 20 في المائة من مدارس العراق أغلقت بسبب الصراع، ولم يعد بوسع نحو 3.5 مليون طفل في عمر الدراسة الذهاب للتعلم. وتؤكد المنظمة أن نحو 4.7 مليون طفل عراقي بحاجة لمساعدة إنسانية، بينما يواجه الكثير من العائلات الآن أوضاعًا متردية بعد العمليات العسكرية ضد «داعش».
وكانت أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والصراعات المسلحة أن ما يقارب 5 ملايين طفل عراقي محرومون من حقوقهم الأساسية، ومعرضون للانتهاكات الخطيرة لحقوق الطفل. ويذكر أنه تلقى مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقارير تفيد بأن مقاتلي «داعش» قتلوا مدنيين حاولوا الثورة ضدهم. ويبقى نحو 1.5 مليون مدني محاصرين في الموصل إلى اليوم، بينهم 600 ألف طفل على الأقل.

أطفال فلسطين وراء القضبان الإسرائيلية
«أنا لا أستطيع أن أصف لك قساوة السجن، أو قذارة «البوسطة» (أداة نقل الأسرى إلى المحكمة) إنها شيء حقير.. مذل.. لم أر شيئًا مثله في حياتي»، هذا ما قالته الطفلة نوران البلبول (14 عامًا) لـ«الشرق الأوسط» وهي تتذكر الشهور الأربعة التي قضتها في السجن الإسرائيلي منتصف هذا العام. مضيفة بانفعال شديد: «مش قادرة أعبر.. مش عارفة شو أقول. اشي مش.. مش قادرة اشرح. ذل كبير. ذل كبير».
وتختصر معاناة الطفلة البلبول التي ما زالت حاضرة بكل ما لها وعليها في حياتها اليومية، معاناة الكثير من الأطفال الفلسطينيين الذين جربوا كل شيء يمكن أن يجربه شعب تحت الاحتلال. وتزامنًا مع يوم الطفل، أظهر تقرير إحصائي فلسطيني أمس أن إسرائيل تحتجز في سجونها 400 طفل فلسطيني إلى اليوم. ويدفع هؤلاء الأطفال ثمنًا كبيرًا بالمقارنة مع أقرانهم في دول أخرى، إذا ما أخذنا في الاعتبار أنهم دون سن 18 يشكلون نحو نصف المجتمع الفلسطيني، كما أنهم على مدى تاريخ الصراع، كانوا جزءًا «أصيلاً» من المواجهة، وحملوا أسماء مثل: «أطفال الآر بي جي» و«أطفال الحجارة».
ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل منذ بدء الاحتلال، لكن الإحصاءات تشير إلى ألفين قتلتهم إسرائيل منذ عام 2000. وقال أستاذ القانون الدولي الدكتور حنا عيسى إن فلسطين تعد من أكثر الدول معاناة، فيما يخص انتهاكات حقوق الأطفال إلى الحد الذي أدى إلى «قطع السياق التنموي التطويري للمجتمع الفلسطيني».
واتهم عيسى إسرائيل بانتهاك القوانين والمواثيق الدولية ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل بشكل جسيم.
وتحتوي اتفاقية حقوق الطفل على «54» مادة تكفل كل ما للأطفال من حقوق وعرفت المادة الأولى منها الطفل بقولها: «كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سنّ الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه». ويقدر عدد الأطفال أقل من 18 سنة منتصف عام 2016 بنحو 2.2 مليون طفل في فلسطين أي ما نسبته نحو 45.8 في المائة من السكان.
وعمليًا جميعهم معرض للقتل أو الاعتقال أو الطرد أو الضرب أو الإعاقة، يقبع منهم الآن في السجون الإسرائيلية 400 طفل، موزعين على سجني «مجدو» و«عوفر».
ويقول تقرير لهيئة شؤون الأسرى إنهم جميعًا تعرضوا خلال فترة اعتقالهم لأساليب متنوعة من التعذيب والإهانة والمعاملة القاسية. وشرح عبد الله أبو عصب، 16 سنة، كيف أنه عندما شعر بعطش شديد فطلب القليل من الماء ليشرب، صاح به الشرطي الإسرائيلي «بدك (هل تريد) بنزين (وقود) ولا مية نار (ماء نار) لتشرب». ويصف عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى، ما يتعرض له الأطفال الأسرى بجريمة حرب. ويتضح من حوادث مختلفة ليس فقط في التعامل مع الأسرى الأطفال أن ثمة تعليمات واضحة باستخدام العنف مع الأطفال. وليس أدل على ذلك من حادثة محمد التميمي، 12 عامًا، الذي اشتهر العام الماضي بعدما أظهر فيديو كيف أقدم أحد الجنود الإسرائيليين وهو يمتطي لثامًا بملاحقته وخنقه، على الرغم من أنه كان يعاني من كسر في يده ويصرخ بصوت عالٍ ويبكي. آنذاك كان قال محمد لـ«الشرق الأوسط»: «حسيتو (شعرت) بدو يذلني. كنت خايف بس بعد ما شفت أمي جايه بطلت خايف». وقال والدته إنه «منذ الحادثة يصر على النوم بجانبي». إنه الخوف الطبيعي الذي يتشارك مع القتل والاعتقال والضرب والإهانات والتشريد والاحتجاز والطرد والإعاقات، والإصابات التي تحول دون حياة كالحياة بالنسبة لغالبية الأطفال الفلسطينيين.

دعوات لانقلابيي اليمن بوقف تجنيد الأطفال
دأبت الميليشيات الانقلابية في اليمن على تجنيد الأطفال والتغرير بهم للقتال في جبهات القتال. وجرى أسر أعداد كبيرة من الأطفال المجندين، في حين تمت إعادة تأهيلهم لعدة أشهر، وتقديم دروس نفسية واجتماعية وعلمية وفنية لهم، قبل إعادتهم إلى أهاليهم في عدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية. وبمناسبة اليوم العالمي للطفولة.. أطلقت السلطات في محافظة مأرب اليمنية سراح 5 من الأطفال المجندين في صفوف الميليشيات الحوثية.
إذ تطلق السلطات الأمنية في كل فترة، سراح العشرات منهم بعد العناية الكاملة، حيث سلموا إلى أهاليهم، بعد أن وجدوا عناية ورعاية وتعاملاً إنسانيًا من قبل الجهات التي احتجزتهم، سواء في عدن أو في مأرب وفقًا لمصادر عسكرية.
ودعا ناشطون إلى عدم إقحام الأطفال والنساء في القتال، لا سيما وأنهم يتركون في أحيان كثيرة في جبهات من دون حتى التسليح للدفاع عنهم. وقال وكيل محافظة مأرب، الدكتور عبد ربه مفتاح، إن إطلاق الأطفال المجندين الأسرى «جاء كمبادرة إنسانية بحتة دون أي صفقة مقابلة»، وأن السلطات بمأرب «ترعى وتبارك مثل هذه المبادرات».
وخلال مرحلة ما قبل الانقلاب وما بعده، جندت ميليشيات الحوثي – صالح، آلاف الأطفال في صفوفها، ففي محافظة تعز لوحدها بينت الإحصائيات تجنيد الميليشيات لنحو 5 آلاف طفل. في السياق ذاته، قال رئيس دائرة التوجيه المعنوي بالجيش اليمني، اللواء محسن خصروف، إن الميليشيات الانقلابية تزج بالأطفال في جبهات القتال دون مراعاة لحق الطفولة، مشيرًا إلى أن هذه الجريمة يعاقب عليها القانون اليمني وجميع القوانين الدولية والإنسانية، ولا يمكن أن تسقط بالتقادم. وذكر خصروف أن «توجيهات من قيادة الجيش اليمني لجميع الوحدات العسكرية بعدم قبول صغار السن في المؤسسات العسكرية والأمنية»، مثمنًا «دور السلطة المحلية بمأرب والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان برعاية وتنظيم مثل هذه الفعاليات التي تثبت للعالم التزام الحكومة الشرعية بمواثيق ومبادئ حقوق الإنسان».
وأضاف المركز أن أهالي الأطفال الأسرى التزموا، خلال الفعالية، بـ«الحفاظ على أبنائهم وعدم الزج بهم في معارك خاسرة»، وقد استعرضت الفعالية الحقوقية بمأرب شهادات الأسرى المجندين ومدى الرعاية والاهتمام بهم من قبل الجيش اليمني، شاكرين جهود قيادة السلطة المحلية والجيش الوطني على هذه المبادرة الإنسانية».
وكشف تحقيق سابق لـ«الشرق الأوسط»، تفاقم ظاهرة تجنيد الأطفال من قبل الميليشيات الانقلابية، وأن الميليشيات تستغل أوضاع الأسر الاقتصادية وجهلها، منتهكة بذلك طفولة الصغار الذين حولتهم إلى بيادق محاربة وقرابين مزهقة. وقال أحمد القرشي، رئيس منظمة «سياج» لحماية الطفولة، في التحقيق لـ«الشرق الأوسط»: «حسب تقديرات منظمة سياج فقد تزايدت معدلات تجنيد وإشراك الأطفال في الصراعات المسلحة منذ عام 2015 يتجاوز خمسة أضعاف ما كان عليه الحال في 2014 وما قبلها».



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».