الغموض يخيم على حكومة ترامب.. واهتمامه بـ «إمبراطوريته» يثير الجدل

فريقه يستعد لخوض «معركة» مع الكونغرس حول تعييناته

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ونائبه مايك بنس وأعضاء من فريقهما الانتقالي يغادرون كنيسة في نيوجيرسي أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ونائبه مايك بنس وأعضاء من فريقهما الانتقالي يغادرون كنيسة في نيوجيرسي أمس (أ.ف.ب)
TT

الغموض يخيم على حكومة ترامب.. واهتمامه بـ «إمبراطوريته» يثير الجدل

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ونائبه مايك بنس وأعضاء من فريقهما الانتقالي يغادرون كنيسة في نيوجيرسي أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ونائبه مايك بنس وأعضاء من فريقهما الانتقالي يغادرون كنيسة في نيوجيرسي أمس (أ.ف.ب)

بينما كتمت واشنطن أنفاسها لأيام في انتظار إعلان فريق الرئيس المنتخب هوية وزيري الدفاع والخارجية، عمد دونالد ترامب إلى إبقاء الغموض مخيمًا حول تشكيلته الحكومية المقبلة على وقع لقاءات عقدها طوال نهاية الأسبوع في أحد ملاعب الغولف التي يملكها مع مرشحين محتملين لتولي مناصب حكومية.
ووصف دونالد ترامب أمس على حسابه على «تويتر» الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس، المرشح لمنصب وزير الدفاع، بعد لقائهما السبت بنيوجيرسي بـ«المبهر». وكتب ترامب أن ماتيس، الجنرال المتقاعد في قوات مشاة البحرية الأميركية والذي كان يرأس القيادة المركزية الأميركية، «كان مبهرًا للغاية بالأمس. جنرال بحق». وتعليقًا على اجتماعاته السبت بعدد من المرشحين، قال ترامب للصحافيين خارج جناح نادي الغولف الفخم الذي يملكه في بيدمينستر في ولاية نيوجيرسي: «نلتقي مواهب رائعة.. أشخاص سيعيدون لأميركا عظمتها كما أقول دائمًا». وأضاف ردًا على أسئلة الصحافيين عن مرشحين جدد لإدارته، قال ترامب: «سيكون لديكم أشياء غدًا (أمس الأحد)».
وكان أهم زواره السبت ميت رومني الذي خرج من عزلته السياسية النسبية في مارس (آذار) الماضي ليدين لغة دونالد ترامب وأفكاره، بينما كانت الطبقة السياسية في الحزب الجمهوري تحاول وقف تقدمه بأي شكل.
وعن رومني، صرّح نائب الرئيس الأميركي المنتخب مايك بنس لبرنامج «فوكس نيوز صنداي» بأن المرشح الجمهوري السابق لانتخابات الرئاسة الأميركية ميت رومني مرشح «بقوة» لتولي منصب وزير الخارجية الأميركية إلى جانب مرشحين آخرين». ورومني الذي التقى مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب أول من أمس السبت كان من المنتقدين لترامب خلال حملته الانتخابية. وقال بنس إن رومني أبدى استعدادًا للترشح للمنصب.
وأضاف أن ترامب كان «ممتنًا بشدة للقاء الحاكم ميت رومني. عقدا اجتماعا جيدا. كان حوارا دافئا وجوهريا، وأعلم أنه مرشح بقوة لوزارة الخارجية.. إلى جانب بعض الأميركيين المتميزين الآخرين». لكن الديمقراطيين شككوا في أن يكون رومني منافسًا فعليًا على المنصب.
وحتى تأكيد بنس أمس، لم يوضّح ترامب ولا رومني ما إذا كان اسم هذا الأخير مطروحا لتولي وزارة الخارجية، أم أن الأمر لا يزيد عن زيارة مجاملة بهدف تضميد الجروح داخل معسكر الجمهوريين. وقال رومني بعد اللقاء الذي استمر ساعة و25 دقيقة: «أجرينا محادثة كبيرة حول مختلف الساحات العالمية التي تمتلك فيها الولايات المتحدة مصالح مهمة».
وقد استقبله ترامب بحرارة خارج مدخل الجناح الذي يقيم فيه، ورافقه إلى الداخل بعد مصافحة مطولة أمام الصحافيين. وقال رومني: «بحثنا هذه المجالات، وتبادلنا وجهات النظر حول هذه المواضيع، كانت محادثة شاملة ومعمقة في الحيز الزمني الذي أتيح لنا. أقدر فرصة الحديث مع الرئيس المنتخب، وأنتظر بفارغ الصبر (تشكيل) الإدارة الجديدة».
من جهته، قال ترامب إن «المحادثة جرت بشكل جيد جدًا»، بينما أكد فريقه في وقت لاحق أنهما «أجريا محادثة جوهرية وعميقة حول قضايا العالم والأمن القومي ومستقبل أميركا».
المرشح الآخر لمنصب وزير الخارجية هو رودي جولياني الذي يدعم ترامب بقوة. لكن تعيين ميت رومني (69 عامًا) يمكن أن يطمئن عددا كبيرا من حلفاء الولايات المتحدة مع أنه لا يملك تجربة دبلوماسية رسمية. وكان رومني وصف ترامب في مارس الماضي بـ«المشعوذ».
وإلى جانب الاختلاف في أسلوبيهما، لدى الرجلين الجمهوريين آراء متباينة في عدد من القضايا وخصوصا روسيا. فترامب يضاعف التصريحات التصالحية حيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بينما وصف رومني في 2012 روسيا بأنها «أكبر تهديد جيوسياسي».
وقبل أن يصل إلى بيدمينستر ليمضي عطلة نهاية الأسبوع على بعد تسعين دقيقة عن التظاهرات حول برج ترامب، أعلن الرئيس المنتخب الجمعة تعيين ثلاثة أعضاء في فريقه الحكومي هم: وزير العدل ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) ومستشاره للأمن القومي. ويفترض أن يعين 15 مسؤولاً آخرين، بينهم خصوصا وزيرا الخارجية والدفاع.
وبين الشخصيات التي التقاها ترامب السبت الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس المرشح المحتمل لوزارة الدفاع، وميشيل ريي المديرة السابقة المثيرة للجدل لمدارس واشنطن، ومدير مجموعة مطاعم للوجبات السريعة (سي كي آي) أندرو بوزدر.
وتستعد أوساط ترامب أيضًا لمعركة ستبدأ في يناير (كانون الثاني) في مجلس الشيوخ الأميركي الذي يفترض أن يصادق على غالبية التعيينات في الإدارة. فسيناتور ألاباما جيف سيشونز المحافظ المتشدد الذي عين وزيرا للعدل متهم بالإدلاء بتصريحات عنصرية قبل عقود، ويمكن أن يحاول الديمقراطيون عرقلة تعيينه أو إبطاءه. كما أن مايكل فلين الجنرال الذي عين مستشارا للأمن القومي، المنصب الذي لا يتطلب موافقة مجلس الشيوخ، كتب في فبراير (شباط) على «تويتر» «إن الخوف من المسلمين عقلاني».
ودافع رئيس الحزب الجمهوري، راينس بريباس، وكبير موظفي للبيت الأبيض، في حديث لشبكة «سي إن إن» عن هذه المواقف قائلاً إن «الرئيس المنتخب ترامب يعتقد أن هناك بعض الأشخاص من هذه الديانة المعنية نتخوف منهم. لكنه قال أيضا بوضوح إننا لن نقوم بأي تفرقة دينية ولن نضع ديانة بكاملها في الخانة نفسها».
واضطر مساعد ترامب أيضًا إلى الدفاع عن الرئيس المنتخب بعد الكشف عن أن الملياردير التقى هذا الأسبوع ثلاثة مقاولين هنود في مجال العقارات تتعامل معهم مجموعة ترامب، ما أثار تساؤلات حول تضارب المصالح بين الرئيس الجمهوري وشؤونه الخاصة رغم وعده بتسليم أولاده هذه المسؤوليات.
وقال راينس بريباس: «سنحترم كل القوانين، والمدير القانوني للبيت الأبيض سيستعرض كل هذه الأمور».
وإذا كان ترامب نجح في تبديد المخاوف من مواقفه الارتجالية في الأيام التي تلت انتخابه، إلا أنه يواصل إثارة الجدل عبر تغريداته على «تويتر».
ومنذ انتخابه في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني)، استقبل ترامب عشرات الشخصيات المرشحة لمناصب، بينها خصوصا نواب في الكونغرس والمدير الحالي لـ«وكالة الأمن القومي» الأميرال مايك روجرز. وقد ذكرت صحف أميركية السبت أن وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات الأميركيين طلبا قبل شهر إقالة الأميرال مايكل روجرز رئيس وكالة الأمن القومي، الذي يفكر الرئيس المنتخب دونالد ترامب في تعيينه رئيسا لأجهزة الاستخبارات في إدارته.
وقالت صحيفة «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على هذا الملف، إن «هذا الملف تقدم به إلى البيت الأبيض في أكتوبر (تشرين الأول) وزير الدفاع أشتون كارتر، ومدير الاستخبارات جيمس كلابر».
من جهتها، قالت صحيفة «نيويورك تايمز» السبت من دون أن تكشف عن مصادرها إن «الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما يفكر في إقالة الأميرال مايكل روجرز من منصبيه على رأس وكالة الأمن القومي والوحدة المكلفة الحرب المعلوماتية في وزارة الدفاع». وأضافت أن ذلك جاء «بعد انتقادات وجهها إليه مسؤولون كبار بشأن السرعة التي تحرك فيها ضد تنظيم داعش، وبشأن تسريبات متكررة للكثير من المعلومات السرية للغاية».
وأوضحت «واشنطن بوست» أن إقالة روجرز أرجئت في نهاية المطاف بسبب التأخير في إصلاح سلسلة القيادة داخل وكالة الأمن القومي ووحدة الحرب المعلوماتية، مشيرة إلى أن هذا الإصلاح طلبه كلابر وكارتر.
من جهة أخرى، قالت الصحيفة نفسها إن لقاء روجرز الخميس مع ترامب في نيويورك «دون إبلاغ رؤسائه مسبقا»، شكل «خطوة غير مسبوقة لعسكري رفيع المستوى» و«سبب استياء على أعلى مستوى في الإدارة الأميركية».
على صعيد متصل، انتقد ترامب «مضايقة» نائبه خلال حضوره عرض لمسرحية موسيقية بعنوان «هاملتون» الجمعة في برودواي في نيويورك، حيث أطلق متفرجون هتافات معادية له عند وصوله إلى الصالة. في نهاية العرض، تلا الممثل الرئيسي إعلانا موجها إلى بنس، يدعو الإدارة الجديدة إلى العمل «باسم الجميع». وطلب ترامب اعتذارات من ممثلي المسرحية لموقفهم «السوقي». وردت كيليان كونواي، الناطقة باسم ترامب، أيضا في تغريدة على «تويتر»، وكتبت «مايك بنس يستحق الاحترام وأمسية هادئة مع ابن شقيقته وابنته». وعلى الفور انتشر هاشتاغ #بويكوتهاملتون (قاطعوا هاملتون) على «تويتر».
وأخيرًا، دعا الرئيس الأميركي السبت في ليما، العالم إلى «منح فرصة» لترامب الذي أثارت تصريحاته حول الإجراءات الحمائية وحلف شمال الأطلسي قلق حلفاء الولايات المتحدة. وقال أوباما على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) «سيكون من المهم ألا يتسرع العالم في الحكم، بل أن يمنح فرصة للرئيس المنتخب».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.