المعارضة السورية حذرة مع تغيرات واشنطن.. وموسكو تستغل «الغياب الأميركي»

الروس يعتمدون طرطوس قاعدة لأسطولهم.. ويجرّبون قاذفاتهم في إدلب وحمص

المعارضة السورية حذرة مع تغيرات واشنطن.. وموسكو تستغل «الغياب الأميركي»
TT

المعارضة السورية حذرة مع تغيرات واشنطن.. وموسكو تستغل «الغياب الأميركي»

المعارضة السورية حذرة مع تغيرات واشنطن.. وموسكو تستغل «الغياب الأميركي»

تدل كل المؤشرات العسكرية والسياسية على أن الأزمة السورية دخلت مرحلة من «الجمود السلبي»، في ظل غياب أي دور للولايات المتحدة الأميركية في المرحلة الانتقالية قبل تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب مهامه، واستغلال روسيا هذا الوضع عبر تصعيدها العسكري في أكثر من منطقة، محاولة الإمساك بالورقة السورية، والضغط بها في أي لحظة يتقرر فيها استئناف المفاوضات. وفي سياق التصعيد الروسي، تبدو موسكو على عجل من أمرها بشأن تحويل قاعدة الدعم التقني في ميناء طرطوس إلى قاعدة بحرية للأسطول الروسي، وهي وإن كانت لا توضح أسباب عجلتها، فالواضح أنها تتعامل مع مسألة حقها في تحويل الميناء إلى قاعدة بحرية مجرد تحصيل حاصل، بانتظار أن ينجز المشرعون في روسيا خطوات المصادقة على ما يطلقون عليه حتى الآن «وثائق متعلقة بقاعدة طرطوس تقوم الوزارات الروسية المعنية بإعدادها»، دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كانت موسكو قد أبرمت مع النظام السوري اتفاقية بخصوص تلك القاعدة البحرية.

واقع المعارضة المؤلم
هذا الواقع المؤلم تدركه المعارضة السورية تمامًا، وهي التي كانت تعوّل على وصول مرشّحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، وهو يضعها - أي المعارضة - أمام مرحلة من الترقّب الحذر، بانتظار وضوح السياسة الأميركية الجديدة، وهنا تأمل أن تكون سياسة ترامب أقل سلبية من سياسة سلفه باراك أوباما. والحال، أنه بينما ينظر البعض في أوساط المعارضة السورية بعين إيجابية لما ستكون عليه سياسة ترامب رغم مواقفه المقلقة في هذا الإطار. وبالتالي، يأملون إعادته النظر بسياسة سلفه وتصحيح الأخطاء السابقة، يرى البعض الآخر أنه في ظل هذا التصعيد - وبالأخص من جانب الروس - لم يعد هناك أي مكان للحلّ السياسي في الأزمة السورية، مع تمسكّهم بشرط رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السلطة.
وبعدما وصل عدد القتلى والجرحى في حلب وحدها بعد 60 يومًا على انهيار الهدنة الأميركية الروسية إلى 5100 شخص، توقّع الرئيس السابق للمجلس العسكري الثوري في حلب، العميد زاهر الساكت، أن تواصل موسكو حملتها مستغلة الفراغ على أكثر من جهة. بينما يرى هشام مروة، نائب رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» السابق، أن الواقع في سوريا سيستمر في «المراوحة» خلال المرحلة الانتقالية في أميركا إلى حين تسلّم ترامب مهامه في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل.
مروة قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «موسكو تستغل ما وصفه بـ«العطالة السياسية» أو الفراغ في أميركا عبر التصعيد العسكري في عدد من المناطق، ولا سيما في حلب من دون أي قرار بالحسم، إذ تلجأ حينًا إلى الهدن وحينًا آخر إلى التصعيد والتقدم، وذلك كي تبقى حلب ورقة ضغط في يدها تستفيد منها في أي مفاوضات مقبلة، في حين لا يزال المجتمع الدولي ساكتًا ورافضًا التساهل أو الخضوع لمطالبها».
وعما إذا كانت المعارضة تتوقع أو لمست أي إشارات إيجابية في هذا الإطار، يقول مروة: «لغاية الآن الأمور ليست واضحة. إنما، ومما لا شك فيه، كنا نأمل إيجابية أكبر إذا وصلت كلينتون إلى الرئاسة». لكنه أضاف: «مع هذا، نتمنى أن يعيد ترامب النظر في السياسة الأميركية القديمة، ويكتشف أن التراخي مع الروس على الطريقة القديمة سيؤدي إلى استمرار الأزمة، بل إلى تفاقمها، بعدما اتبعت موسكو سياسة (الإغراء بالوعود) بعيدًا عن أي خطوات عملية أو تنفيذ للقرارات الدولية».
أما الساكت فانتقد لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «التخاذل الأممي والموقف الأميركي المتردّد طوال كل السنوات الماضية، وغياب أي محاسبة للنظام وروسيا لتجاوزهما كل القرارات الدولية، وكان آخرها إعلان موسكو انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية»، وأردف: «هذه كلّها عوامل منحت الروس فرصة التصعيد العسكري في سوريا، مستخدمين أفظع أساليب العنف التي وصلت إلى حدّ استهداف المستشفيات والمدارس من دون حسيب أو رقيب».

فرص الحل السياسي
ومن هنا يرى الساكت أن الحلّ السياسي لن يجد طريقه إلى التطبيق ما لم تتم محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، موضحًا: «لا يمكن القبول بالعودة إلى أي مفاوضات لا تنص على رحيل الأسد... لقد شبعنا من الوعود التي لطالما سمعناها في عهد أوباما وعلى لسان وزير خارجيته جون كيري. لم يعد أمامنا اليوم إلا انتظار أي سياسة أميركية جديدة ستأخذ طريقها في سوريا، وبتنا اليوم نعوّل على الجمهوريين بعدما خذلنا الديمقراطيون».
وأمام هذا الجمود، كان «الائتلاف» على لسان رئيسه أنس العبدة، قد طالب المجتمع الدولي بـ«اعتماد مقاربة جديدة لحماية المدنيين»، كما طالب الإدارة الأميركية الجديدة بعدد من الأمور منها: «سحب الاعتراف بشرعية تمثيل حكومة الأسد لدى الولايات المتحدة، والدعم لاتخاذ القرار نفسه من قبل حكومات بريطانيا وفرنسا وباقي الدول، إضافة إلى ضم الميليشيات الطائفية والعابرة للحدود من إيران والعراق وأفغانستان ولبنان إلى قائمة التنظيمات الإرهابية الصادرة من الحكومة الأميركية».
كذلك طالب العبدة بتفعيل تطبيق منطقة حظر جوي لطيران النظام أو منطقة خالية من القصف ضمن المناطق التي يتم تحريرها من تنظيم داعش، ومنع استهداف المدنيين من خلال منع استهداف المناطق المحرّرة. وحثّ الإدارة الأميركية الجديدة «على النظر لما يحصل في سوريا بعين متوازنة»، وأن «تعتبر وجود الميليشيات الطائفية أمرًا غير مقبول، وملاحقة مجرمي الحرب كافة عبر كل الوسائل المتاحة قانونيًا على المستوى الوطني والدولي». وكان العبدة قد زار خلال الأيام العشرة الماضية عددًا من الدول بدأت بسويسرا، حيث التقى المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، ثم الأردن وألمانيا وكندا، على أن يلتقي اليوم مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، وذلك ضمن خطة للمطالبة بوضع استراتيجية جديدة تعتمد على حماية المدنيين، ودعم مشاريع الحكومة السورية المؤقتة في التعليم والصحة والخدمات الأساسية.

طرطوس قاعدة دائمة
في هذه الأثناء في موسكو، نقلت وكالة «إنتر فاكس» عن مصدر مطلع على الموضوع قوله إن «روسيا تشبع قاعدة الدعم التقني في طرطوس بالسفن وقوارب المعدات الضرورية (لأعمال تشييد قاعدة بحرية للأسطول) دون أن تنتظر إلى حين استكمال الصياغة القانونية لرفع مستوى القاعدة الروسية هناك من قاعدة دعم تقني إلى قاعدة حربية - بحرية»، مؤكدًا أن «الساحبة البحرية (م ب 31) التابعة لأسطول البحر الأسود ومعها رافعة عائمة عبرت قبل أيام الممرات في البحر الأسود باتجاه جنوب - غرب»، أي نحو الساحل السوري. وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة الدعم التقني الروسية في ميناء طرطوس ليست مؤهلة بعد لتصبح مقرًا دائمًا للأسطول البحري، وهي بحاجة لأعمال منها زيادة العمق بما يسمح للسفن بالتوقف، فضلاً عن تشييد البنى التحتية اللازمة لتخديم الأسطول.
في غضون ذلك لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت روسيا قد وقعت مع دمشق أم لا اتفاقية بخصوص استخدام قاعدة طرطوس وتحويلها إلى قاعدة «دائمة» للأسطول. وأول حديث رسمي حول هذا الأمر جاء من الجانب الروسي، وذلك في تصريحات يوم العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) على لسان نيكولاي بانكوف، نائب وزير الدفاع الروسي، وذلك في كلمة له أمام اجتماع حينها للجنة الشؤون الدولية في المجلس الفيدرالي، قال فيها: «ستكون لدينا قاعدة عسكرية - بحرية بصورة دائمة في طرطوس، وكل الوثائق المطلوبة تم إعدادها حاليًا، وهي تجتاز عمليات التوافق ما بين الوزارات». وتوقع أن تتوجه وزارة الدفاع الروسية في وقت قريب بطلب من أعضاء البرلمان للمصادقة على تلك الوثائق، ولكن لم يذكر أي كلمة حول أي اتفاق مع دمشق بهذا الخصوص.
ثم بعد أسبوع على حديث بانكوف، نقلت «إنتر فاكس» عن مصدر في البرلمان الروسي قوله إن «القاعدة البحرية في طرطوس تؤسس وتؤهل لتبقى طيلة 49 سنة». ولفتت الوكالة إلى أن المصدر وجد صعوبة في الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت روسيا قد وقعت مع النظام السوري اتفاقية بهذا الخصوص أم لا. وعوضًا عن التوضيح المباشر حاول المصدر الإيحاء بأن الاتفاقية تم توقيعها لكن الأمر سري حتى الآن، وذلك حين أشار إلى أن الاتفاقية حول قاعدة حميميم الجوية التي صادق عليها البرلمان الروسي في أكتوبر، كانت قد وقعت في أغسطس (آب) عام 2015، وأن الأمر بقي فترة طويلة قيد الكتمان. وبغض النظر عن عدم صدور تأكيد رسمي حول اتفاقية طرطوس يرى مراقبون أن روسيا ما كانت لتتحدث عن «مصادقة في البرلمان» على اتفاقية ليست موجودة بعد، وما كانت لتباشر أعمال تهيئة المنطقة في محيط قاعدة الدعم التقني لتصبح قادرة على استقبال سفن كبيرة تابعة للأسطول الروسي لو لم تكن واثقة من أن طرطوس أصبحت قاعدة عسكرية لها على المتوسط.
وفي شأن متصل باستغلال روسيا الأزمة السورية للترويج لأسلحتها واختبارها في ظروف حرب حقيقية، لا يخفي الجانب الروسي أن مشاركة قاذفات استراتيجية وسفن من الأسطول الروسي في عمليات القصف التي تنفذها القوات الروسية حاليًا ليست سوى اختبارات للأسلحة الروسية في ظروف حرب حقيقية. وكانت صحيفة «كوميرسانت» قد نقلت عن مصدر مطلع قوله إنه «لم يكن من الضروري بالتأكيد استخدام القاذفات الاستراتيجية لتوجيه ضربات في محافظتي إدلب وحمص، إلا أن العسكريين أرادوا من ذلك إجراء اختبارات عملية لصواريخ (إس - 101) عالية الدقة، وستقوم قيادة القوات الجوية بتحليل النتيجة التي حصلوا عليها خلال القصف يوم الخميس، كما سيفعل الأمر ذاته منتجو الصاروخ».



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.