على خطى العراق.. الطائفية قنبلة قيد التجهيز في اليمن

الحوثيون استحدثوا حسينيات وحوزات وحاولوا إعطاء صبغة دينية مذهبية للانقلاب

على خطى العراق.. الطائفية قنبلة قيد التجهيز في اليمن
TT

على خطى العراق.. الطائفية قنبلة قيد التجهيز في اليمن

على خطى العراق.. الطائفية قنبلة قيد التجهيز في اليمن

يواجه اليمن تحديًا جديدًا يتمثل في تغذية الطائفية التي قد تنتهي بـ«اليمن السعيد» إلى بؤس الحرب الأهلية، نتيجة محاولة التمرد الحوثي استحداث منهج جديد يقوم على مبدأ إقصاء الآخر، وهو أمر لم تعرفه اليمن من قبل.
وبحسب معلومات مؤكدة، باشر التمرد الحوثي استحداث حسينيات وحوزات دينية إقصائية، ومحاولة وضع صبغة دينية على الانقلاب والزعم أنه حصل بتكليف شرعي ينسجم مع تعاليم السماء وفق المذهب الذي يكرّس منطق ولاية الفقيه، لتغدو الدولة دينية - طائفية بامتياز، وهو ما يعني أن الطائفية باتت قنبلة قيد التجهيز للانفجار في اليمن، وذلك على النحو الذي يعاني منه العراق حاليًا.
ذكر مستشار محافظ الجوف اليمنية، أحمد البحيح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور الحوزات بدأ في اليمن بشكل علني ما بين عامي 2004 و2006. وذلك أيام حروب صعدة في مديرية «المطمة». وبيّن أن بعض الحوزات كانت في مباني طينية كغرف للتدريس، وكانت هناك حسينيات لإقامة طقوس دينية في مناسبات متعددة أبرزها مناسبة عاشوراء وإقامة مجالس العزاء الحسيني التي ترفع فيها الرايات السود الدالة على الحزن، والبكاء، وضرب الصدور (اللطم)، وتوزيع الرايات والغذاء والكساء على الموالين.
وأوضح البحيح أن الحوزات كانت تحظى بدعم مالي كبير وتنفق عليها مبالغ طائلة أدت إلى التنازع بين مؤسسيها الذين ينتمي غالبيتهم لآل درمان ومبخوت كرشان، وتابع: «كان عدد الحوزات أربع، منها واحدة عند آل درمان والثانية عند آل عبد الله مرعي والثالثة بحصن آل كرشان والرابعة كانت في القصبة». ولفت إلى أن عدد الطلاب في حوزات اليمن وصل إلى نحو مائتي طالب، ويتم فيها تدريس مجموعة من الكتب أبرزها أصول الكافي، كما تشهد الحوزات إقامة اللقاءات الفكرية على مستويات مختلفة ويدّرس فيها علماء دين يمنيون ممن سبق لهم الدراسة في سوريا والعراق وإيران، فضلاً عن أن الحوزات تشهد تنظيم زيارات للشخصيات الحوثية في صنعاء حيث يتزعمهم مبخوت كرشان وصالح درمان، في حين يعتبر ظافر درمان قياديا كبيرا لهم.

تأثير «عاصفة الحزم»
وأردف البحيح شارحًا أن القائمين على تلك الحوزات «كانوا يحصلون على دعم مالي من إيران وسوريا، ويقسم بعض من هذه المبالغ للحوثيين بطريقة سرية، إلا أن (عاصفة الحزم) أدت إلى اختفاء الأنشطة التي كانت تقوم بها الميليشيات، من خلال الحوزات والحسينيات التي يقيم فيها الشيعة طقوسهم المعتادة». واستطرد أن «من الحسينيات التي فقدت نشاطها بفعل ضربات التحالف العربي لتحرير اليمن الحسينية التي تقام في سوق الاثنين عند محمد محسن بن نسعه أو ابنه صالح والتي يرفع عليها رايات مكتوب عليها يا حسين وغيرها».

أول حسينية في 2008
كذلك أشار مستشار محافظ الجوف إلى أن أول حسينية تم إنشاؤها بعد حرب 2008 استدعى فيها الحوثيون بعضا من مشايخ القبائل وأرسلوهم إلى إيران، وعادوا منها لتأسيس كثير من الحسينيات. وأردف أن «مبخوت كرشان، الذي درس في قُم، يعتبر أقدم مرجعية اثنى عشرية في اليمن منذ منتصف التسعينات، كما كانت توجد قيادات من الغيل والزاهر هاجرت إلى إيران وما زالت تقيم هناك بصفتها مرجعيات». وتابع سرده: «فيما يتعلق بالغيل، تم إرسال عدد من الحوثيين إلى إيران مع زوجاتهم، وكان يتزعمهم يحيى عزّان الشريف، وهو شخص يعتقد أنه ساحر لديه كتاب شمس المعارف، وكان التمرد الحوثي بنى له بيتًا في الغيل، وهو البيت الذي زُعم أنه أفضل من الكعبة، وأن زيارته أفضل من الحج والعمرة». ثم قال إن «أناسًا انخدعوا فعلاً، خصوصًا أن غالبية أهالي الجوف والغيل من أتباع الطائفة الزيدية، وهي طائفة شيعية تم التأثير على كثير من أتباعها باستمالة مشاعرهم باسم (مظلومية آل البيت)».. وذكر أنه عندما مات زعيمهم في الغيل يحيى عزّان جعلوا قبره مزارا لأنهم وجدوا في الغيل حاضنة شعبية قوية.

التمهيد لتمزيق اليمن
البحيح، أفاد أيضًا خلال اللقاء مع «الشرق الأوسط» بأن النظام الإيراني «يجر أتباعه في اليمن إلى وحل الطائفية تمهيدًا لتمزيق اليمن الذي يمثل مهد العروبة». وذهب إلى «أن النظام الإيراني، الذي أوعز لأتباعه في اليمن لبناء الحسينيات والحوزات الشيعية، لا يفكر في تقديم خدمات دينية بقدر ما يخطط لكارثة سيصنعها التناحر الداخلي لأنه على يقين تام أن التمرد والانقلاب على السلطة، وإن نجح في بداية الأمر، لن يستمر إلى الأبد فـ(عاصفة الحزم) ستقصي المتمردين عن السلطة، ما يجعله يخطط لما بعد التحرير من خراب وتدمير لليمن».

الحوزة.. والحسينية
وعن الفرق بين الحسينية والحوزة، أوضح المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور عبد الله الفراج، أن «الحسينية مركز للعبادة والوعظ كما تقام فيها المناسبات الدينية والاجتماعية، أما الحوزة فهي مؤسسة تعليمية شرعية، ويدرس فيها طالب العلم الفقه على ثلاث مراحل أساسية».
وأضاف الفراج أن «المرحلة الأولى، تشمل المقدمات، ويتم فيها التدريس على أربعة مستويات، المرحلة الأولى تركز على كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاني والبيان والمنطق إضافة إلى الفقه. أما المرحلة الثانية، وهي دراسة السطوح، ويدرس فيها الفقه بتوسع شديد والفلسفة. ثم تأتي المرحلة الثالثة الأخيرة، وهي مخصصة للبحث ويتخرج فيها طالب العلم فقيهًا يجيز فقهيته واحد من الفقهاء الكبار في الحوزات الموجودة في العراق وإيران، مثل النجف أو كربلاء أو قُم».
وأشار الفراج إلى عدم وجود نظام للاختبار ومنح الشهادة العلمية، وعدم وجود وقت محدد لكل مرحلة، أو «مستوى» كما تسمى «بل يترك للطالب حرية اختيار الكتاب، والمعلم الذي يتلقى على يديه تعليمه، والوقت المستغرق للانتهاء منه. وقد تطول مدة الدراسة عشر سنين، أو عشرين سنة، وبعضهم تكون غايته التكسب والمعاش، فهو يريد للمدة أن تطول حيث يحصل الدارس على مبالغ نقدية طوال دراسته». وذكر أنه «ما كان مسموحًا في اليمن بإقامة حوزات، أو حتى حسينيات، قبل وجود الجماعة الحوثية الاثني عشرية. ولكن بعد تواجدهم، قاموا بإنشاء الحوزات والحسينيات»، لافتا إلى «أنهم ليسوا من الزيدية، كما يدّعون، بل من الاثني عشرية الذين لديهم خلاف كبير مع أهل السنة بعكس أتباع الطائفة الزيدية، وأن إنشاءهم الحوزات والحسينيات جاء بغرض إدخال مؤثرات سياسية في الشأن العلمي، بهدف التحريض وإحداث اضطرابات مجتمعية تبعد عن الهدف العلمي المعمول به في الحوزات العلمية التي تبعد كل البعد عن النظام السياسي».

تصدير طائفية إيران
أما نجيب غلاب، مستشار رئيس الوزراء اليمني، فقال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه إن «إيران اعتمدت سياسة ثابتة وممنهجة لإضعاف الدول العربية عبر تصدير الطائفية بأشكالها المثيرة للنزاعات والصراعات الدموية، وإحداث انقسامات حادة عبر المذهبية لتفكيك الهوية الوطنية وتدمير الحواضر العربية». وأضاف غلاب: «إن الصراع الطائفي لم يكن موجودًا في اليمن بعدما تشكل وعي اليمني على أساس التواصل والاتصال.. كل صراعاتنا لم تأخذ بعدًا طائفيًا بل كانت صراعات على السلطة والثروة، وتتلبس أحيانا بالقناع الديني، لكنها لم تكن أبدا طائفية. لكن مع بروز الحوثية بوصفها حركة طائفية خمينية بدأت ملامح فرز قائمة على أساس مذهبي، واعتمدت الخلية الأمنية الإيرانية على بناء العصبية المذهبية الصلبة أساسا في تنمية قوة الحوثية». وأوضح أن إيران «لم تكتف بذلك، بل عملت أيضًا عبر أجهزتها المخابراتية وحوزاتها وجمعيات (زكاة الخُمس) على تبني مخطط متكامل لتشجيع أكبر قدر ممكن من الناس ليشكلوا حلقات دعوية لنشر الخمينية المذهبية والثورية، وكان للمنح الدراسية والأموال دور بارز في ذلك».

تكريس الخمينية
وركّز غلاب خلال اللقاء على أن «تنمية الخمينية تعتمد على نزعتين مذهبية وسياسية آيديولوجية في اليمن. وما قاد إلى حالة من الشتات والانقسام في الهوية الوطنية، رغم أن التأثير في بداية الأمر كان ضعيفًا، ولا يزال في حالة الضعف، إلا أن الانقلاب الحوثي يوسع من نطاقها ويجعلها أساسًا مركزيًا في إدارة الصراع.
وبحسب مستشار رئيس الحكومة اليمنية، فإن إيران «تهدف إلى بناء عصبية مذهبية خمينية وحاضن اجتماعي لها لتكون خنجرًا مسمومًا في جسد الدولة والمجتمع، بحيث تصبح الحوثية وشبكات إيران المذهبية الأخرى أشبه بقنبلة دائمة معيقة لبناء الدولة ومعيقة لأي انسجام وسلام اجتماعي».

تقليل أثر الطائفية
وتطرّق غلاب إلى وجود «محاولة رسمية للتقليل من تأثير الطائفية أمام الرأي العام، لكن الحركة الحوثية تعمل ومرشديها الخمينيين على تغيير ذهنية قطاعات شعبية مستغلة انقلابها والصراع لتهيئة اليمن للصراع الطائفي، بينما تواجه الحركة الوطنية اليمنية هذا التحدي والخطر بالرهان على الدولة ومواجهة الانقلاب وإنهاء دور الميليشيا». وتحدّث عن «وجود تيار وطني ينمو يوميًا، ولديه قناعة تامة بضرورة تجريم الكهنوتية الحوثية بنص دستوري، وهو ما يراه ضرورة وطنية، وبخاصة أن الأمر يتعلق بالأمن الوطني ومستقبل اليمن». ثم وصف الحوثية بأنها «آيديولوجيا كهنوتية طارئة»، لافتًا إلى أن القوى الوطنية تمكنت من مواجهة حلقات وحسينيات الاثني عشرية في أكثر من محافظة فاختفت في الفترة الأخيرة من الساحة، وهناك من يؤكد أن من كان يديرها جماعات من المرتزقة والأفاكين، في حين أن عَصب المخابرات الإيرانية ورجالها الباطنيين انتقلوا تحت الأرض».

قنبلة موقوتة
أما المفكّر اليمني علي البخيتي، الذي عمل في وقت سابق متحدثا رسميا باسم التمرّد الحوثي قبل أن ينشق ويغادر صفوف الانقلاب، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن الطائفية «قنبلة موقوتة تهدد بنية أي دولة، ولذلك فإن استدعاءها في الصراع السياسي من قبل أي طرف، سواء كان سلطة أو معارضة، تهديد حقيقي للدولة وللمجتمع وتماسك نسيجه».
وأردف البخيتي أنه «بالإمكان إيجاد تسويات للصراع السياسي، لأنه قائم على المصالح، ومتى ما تم تلبية الحد الأدنى من متطلبات ومصالح أطراف الصراع أمكن الخروج منه، لكن الصراعات الطائفية يصعب الخروج منها، لصعوبة تسوية الخلاف العقائدي. لذا من الخطورة إلباس أي صراع سياسي صبغة طائفية لأنه سيعقّد التوصل إلى تسوية».

مطالب غير مشروعة
وفي السياق ذاته، رأى قاسم المحبشي، وهو كاتب يمني، أن «التمرد الحوثي الذي لم ينجح في تقديم نفسه للمجتمع اليمني بوصفه صاحب مطلب مشروع في العدالة الاجتماعية، والإنماء المتوازن، والشراكة في السلطة والثروة، كما ادعى طويلاً، يجد نفسه مضطرًا حاليًا لرعاية الطائفية، بعدما كانت الصورة الوحيدة التي قدّمها الحوثيون عن أنفسهم هي أنهم طلاب سلطة يبحثون حاليًا عن غطاء ديني زائف».
وأشار المحبشي إلى أن «الاندفاع الحوثي غير المحسوب نحو الاستيلاء على السلطة، أضاع عليهم فرصة نادرة للتمتع بثمرات الشراكة الوطنية في إدارة البلاد». وقال إن «الشروع في بناء الحوزات والحسينيات استمرار للأخطاء الحوثية القاتلة التي قد يدفع الشعب اليمني ثمنها أكثر مما يتوقع أكثر المتشائمين تشاؤمًا، وذلك في حال نشوب حرب أهلية بين المتطرفين من أتباع تنظيم القاعدة وأتباع الولي الفقيه».

إنهاء وحدة اليمن
وركّز المحبشي على أن الحوثيين «يندفعون بشكل مخيف نحو ارتكاب كمية هائلة من الأخطاء التي تهدد بإنهاء وحدة اليمن والعصف باستقراره»، واصفًا اعتماد المناهج الإيرانية في الحوزات الجاري استيرادها إلى اليمن «ثالثة الأثافي» التي ستفجّر في نهاية الأمر التناحر الطائفي بعد أن يسقط حكم التمرد الحوثي تحت وطأة ضربات الجيش الوطني اليمني المدعوم من قبل قوات التحالف التي تقودها المملكة العربية السعودية منذ مارس (آذار) 2015.

دعوة لقبول الآخر
وعن هذه النقطة قال علي البخيتي: «أنا لست من دعاة حوار الأديان ولا المذاهب للتقريب بينها، بل أنا مع أن يقبل كل مذهب ودين الآخر كما هو، سواءً قرب من أفكاره أم بعد. ذلك أن الأديان والعقائد المذهبية ثابتة عند أصحابها ولا مجال للحوار من أجل التقريب بينها». وأضاف أن الأديان والمذاهب «ليست أحزابًا ومكونات سياسية لتتحاور من أجل التقريب بين وجهات نظرها المختلفة، فالأديان قائمة على معتقدات لا تقبل الحوار أو التنازل عن بعضها، لكن يمكن إجراء حوار من أجل تخفيف الاحتقان بين أتباعها، أو لبعث رسائل سلام ووئام داخل المجتمع». وشدد على أن المشكلة ليست في التكفير بحد ذاته «فكل طرف حر في الاعتقاد بكفر الآخر لأنه لا يؤمن بمعتقد ما أو يرى غير معتقده، لكن المشكلة في حد الرد عندما يفتي به البعض ويسعون إلى تطبيقه بأنفسهم، وبالتالي، أنا مع حرية الاعتقاد لكن بشرط ألا يبنى عليها فتوى بإهدار دم أحد».

تكريس الإقصاء
وأمام كل هذه المعطيات حذّر الشيخ باسم العطّاس، من مغبة المنهج الحوثي «القائم على تكريس إقصاء الآخر وفق ما يتم تدريسه في الحوزات التي تلقى فقهائها تعليمهم على أيدي أرباب طائفية الفرس». وقال العطاس: «عندما تغيب عن الدولة المدنية قيمها الأساسية ويصبح الولاء للطائفة أو المذهب دون الوطن، فإن ذلك مدعاة لتقسيم الشعب وتفتيت المجتمع حتى يصل الأمر إلى الحروب الأهلية بين أبناء الوطن والدين الواحد، أو حتى بين أبناء الطائفة الواحدة أو حتى بين أبناء البيت الواحد حين ينتمي كل فرد من أفراد الأسرة الواحدة إلى طائفة معينة، وكم رأينا دماء تسيل في حرب انتماءات طائفية يقتتل فيها الشقيق مع الشقيق».
وتحدث العطّاس بالتفصيل عن «خطورة تغذية الفكر المذهبي على حساب الدولة»، مشيرًا إلى أنه «لطالما عاشت كثرة من الطوائف والمذاهب في تعايش سلمي وقبول لبعضها بعضا في العالم الإسلامي، بل كان هذا التعايش السلمي حتى مع أصحاب الديانات المختلفة، ولما كانت إحدى أدوات الصراعات السياسية قائمة على تفريق المجتمعات وبث روح العداء بين مكوّناتها العرقية أو المذهبية أو الطائفية عهدت بعض الأنظمة لتبني طوائف بعينها لتقضي بها أوطارها السياسية».

اختطاف التشيّع
ووفق العطاس: «من هنا تأتي إشكاليات الطائفية والمذهبية، فلا يلبث أن يقترن المذهب أو تقترن الطائفة بنظام سياسي إلا وسترى بعده كيف تنشأ الأحقاد والخلافات التي تؤدي في النهاية إلى تفتيت أي مجتمع نتيجة شعور باقي المكونات من تهميش أو سطوة من الطائفة المدعومة. ولو أخذنا اليمن نموذجًا لوجدنا أنه كان هناك قدر عالٍ من التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الذي يعيش فيه الشافعي السنّي إلى جانب أخيه الزيدي الشيعي، بل حتى إلى جانب الأقلية اليهودية، في انسجام وتعايش نموذجي، إلى أن قرّرت إيران تصدير مشروعها التوسعي واختطاف التشيّع وجعلته وسيلة وأداة من أدوات حرب النفوذ التي تخوضها».

رسالة إلى وزارتين
ثم خاطب وزارتي التعليم والأوقاف في اليمن، متسائلا: «لا أظن أن ثمة أرضًا تعج بالأديان والطوائف والمذاهب مثل الهند.. فكيف استطاع أهل تلك البلاد تجاوز كل فوارقهم ونهضوا ببلادهم إلى مصاف أهم الدول اقتصاديا وعلميًا». وأضاف أن «القواسم المشتركة لمكوّنات أي مجتمع من المجتمعات كثيرة ولا حصر لها. ولأن التعليم هو الذي يضع بذرة الوعي في عقول الناشئة كان لزامًا على القائمين عليه تعزيز تلك القيم المشتركة بين أبناء المجتمع الواحد وإبرازها للطلبة كي تكون هي الأساس في حياتهم، وحينئذٍ ستتضاءل كل رموز الدعوات الطائفية والحزبية». وتابع: «أما المساجد والمنابر فأمانة الكلمة فيها أشد من غيرها، فالرحمة التي بعث بها رب العالمين نبيّه، عليه أفضل الصلاة والسلام، المفترض أن تكون هي المادة التي تغذي بها الأفكار والعقول والقلوب لأن الإسلام يتسع للجميع. ولقد ابتليت الأمة الإسلامية في زماننا بأقوام جعلوا من المنبر معوَل هدم للأمة وتفريقا وتشتيتا لها بدعوى التكفير والتبديع والتفسيق».
واختتم العطّاس بالإشارة إلى أن «بعض الدول تقدّمت علميًا ولم تغفل عن فتح آفاق للحوار بين الحضارات والثقافات لتكامل الإنسانية في مسيرتها، في حين أن اقتران السياسة بمشاريع طائفية أو مذهبية أو حركية يجعل عاقبتها وخيمة».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».