حذر العاهل المغربي الملك محمد السادس قادة العالم، المشاركين في قمة المناخ «كوب 22» بمراكش، من الانعكاسات الخطيرة للتهاون في التعامل مع التغيرات المناخية على الأمن والاستقرار، وقال في خطاب ألقاه أمس بالجلسة الافتتاحية للقمة إن «كلفة الانتظارية والتقصير في مواجهة تغير المناخ وآثاره ستكون باهظة وستزيد في اتساع بؤر التوتر والأزمات عبر العالم». وأشار ملك المغرب إلى الأهمية الحاسمة لمؤتمر مراكش، وقال: «البشرية جمعاء، تعلق آمالا عريضة على القرارات التي سيتخذها (مؤتمر مراكش)، فهي تنتظر أكثر من مجرد الإعلان عن التزامات ومبادئ للحد من الاحتباس الحراري والتخفيف من آثاره. وإنما تتطلع إلى قرارات تساهم في إنقاذ مستقبل الحياة على الأرض، والإقدام على مبادرات ملموسة، وتدابير عملية، تصون حقوق الأجيال القادمة». وأضاف العاهل المغربي أن نتائج هذا المؤتمر ستحدد بشكل حاسم، مصير الجيل الجديد لمؤتمرات الأطراف، التي ينبغي أن تنكب على المبادرة والفعل. وأوضح الملك محمد السادس أن اتفاق باريس الذي وقعت عليه 197 دولة العام الماضي في العاصمة الفرنسية ودخل أخيرا حيز التنفيذ بعد المصادقة عليه من طرف 109 دولة «ليس غاية في حد ذاته. بل إن نتائج مؤتمر مراكش تعد محكا حقيقيا، لمدى فعالية الالتزامات التي اتخذناها، ومصداقية الأطراف التي أعلنت عنها». وقال العاهل المغربي: «لقد حان الوقت لإصلاح الوضع الراهن. وليس أمامنا أي خيار إلا العمل على تدارك الزمن الضائع، في إطار تعبئة متواصلة وشاملة، وتناسق إيجابي، من أجل عيش مشترك كريم ومستديم، للأجيال المتعاقبة».
وأضاف العاهل المغربي قائلا: «تم تقديم وعود كثيرة، خلال كثير من المؤتمرات السابقة، غير أن مؤتمرنا اليوم مؤتمر للحقيقة والوضوح، مؤتمر لتحمل المسؤولية أمام الله والتاريخ، وأمام شعوبنا».
وتساءل: «هل سيكون لمؤتمراتنا واتفاقاتنا معنى إذا نحن تركنا الفئات الأكثر هشاشة، هناك في الجزر المهددة بالزوال، وفي الحقول المهددة بالتصحر، في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، في مواجهة قدرها المليء بالمخاطر ؟».
وأشار العاهل المغربي إلى أن الخمس عشرة سنة الأخيرة «عرفت انتشار خطاب يهتم بقضايا البيئة، وتزايد عدد الجمعيات المنخرطة في الدفاع عنها. والأهم من ذلك أنها تميزت بتنامي الوعي بأهمية الحفاظ عليها».
وتساءل ملك المغرب أيضا: «رغم انبثاق هذا الوعي الإيجابي، فهل نسير في الطريق الصحيح؟ وهل يحظى هذا المسار المشترك بالتنسيق والتعاون بين الجميع؟».
وأضاف العاهل المغربي قائلا إن «الاختلاف كبير بين الدول والمناطق، فيما يخص الثقافة المرتبطة بالبيئة، والأسبقيات عند الدول المصنعة، التي يقال عنها متقدمة، ليست هي نفسها بالنسبة للدول النامية. كما أن الفرق في الوسائل كبير بينها. وإذا كان من الطبيعي أن يدافع كل طرف عن مصالحه فإن القرارات التي يتم اتخاذها وفرضها، ليست دائما في متناول كل الدول».
لذا، يضيف ملك المغرب: «أصبح من الضروري توحيد التربية على قضايا البيئة والتوعية بدورها المصيري، في ضمان مستقبل البشرية».
ودعا العاهل المغربي كل الأطراف للعمل على ترجمة تشبثها بقيم العدل والتضامن من خلال «تمكين بلدان الجنوب، وبخاصة الدول الأقل نموا، والدول الجزرية، من دعم مالي وتقني عاجل، يقوي قدراتها، ويمكنها من التكيف مع التغيرات المناخية؛ ووفاء الدول المتقدمة بتعهداتها، وتعبئة المائة مليار دولار، على الأقل، بحلول سنة 2020 التي كانت مفتاح اتفاق باريس؛ وانخراط كل الأطراف في تسهيل نقل التكنولوجيا، والعمل على تطوير البحث والابتكار في مجال المناخ؛ وإسهام الفاعلين غير الحكوميين، من مقاولات وجماعات ترابية، ومنظمات المجتمع المدني، في إعطاء دفعة قوية لمبادرات الفعل الشامل من أجل المناخ».
وأكد الملك محمد السادس أن «المغرب سيكرس جهوده، خلال ولايته، والموارد المالية المتاحة، في هذه الفترة القصيرة، للنهوض بهذه المهمة الصعبة والنبيلة». وقال إن «المملكة المغربية لم تدخر جهدا في الرفع من مساهماتها، في إطار الدينامية الدولية، الهادفة للحد من الاحتباس الحراري وآثاره. فالمغرب، الذي كان من الدول الأولى، التي أعلنت عن مساهمتها المرتقبة والمحددة وطنيا، التزم أخيرا بتخفيض نسبة الانبعاثات. كما أنه اتخذ مبادرات ملموسة، لتأمين 52 في المائة من قدرته الكهربائية الوطنية، من مصادر الطاقة النظيفة، بحلول عام 2030. وفي السياق نفسه، اقترحنا مجموعة من المبادرات، في إطار تفعيل اتفاق باريس، لا سيما فيما يتعلق بالتكييف والتمويل، ومن بينها مبادرة تكييف الفلاحة بأفريقيا».
من جانبه، أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن المنظمة العالمية ستساعد الدول على الوفاء بالتزاماتها في مجال الحد من الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. وحث الجميع على الإسراع في التنفيذ قائلا: «كلما تحركنا بسرعة كانت الإنجازات أكبر». وحث الدول المنخرطة في اتفاقية باريس على رفع مستوى التزاماتها، مشيرا إلى أن النتائج العلمية كشفت عن أن المستوى الحالي لهذه الالتزامات أقل بكثير مما يقتضيه الهدف الذي حددته اتفاقية باريس في عدم تجاوز نسبة ارتفاع الحرارة 2 في المائة في أفق 2030، وضرورة تقريب هذه النسبة ما أمكن من سقف 1.5 في المائة. وأشار إلى أن «150 مليون شخص في العالم يعيشون على أراض مهددة بالفيضانات»، وقال: «لا يحق لنا المخاطرة بمستقبل الأجيال المقبلة». وشدد على أهمية الحلول متعددة الأطراف وتوفر الروح القيادية لدى رؤساء العالم والبعد الأخلاقي في تحقيق أهداف الحد من تدهور المناخ والبيئة.
ودعا المجموعة الدولية إلى بلورة مقتضيات باريس حول المناخ في أعمال وسياسات فعالة، مؤكدا ضرورة حماية كوكب الأرض، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، والمضي نحو الازدهار المشترك. وأكد أنه «حان الوقت لبلورة هذه الكلمات في سياسات ملموسة وإجراءات فعالة»، مضيفا أن «الأمر يعد بالغ الأهمية لحماية كوكبنا، وإنقاذ الفئات الأكثر هشاشة، والمضي نحو الازدهار المشترك». وتابع الأمين العام الأممي أنه «تعلم خلال السنوات العشر الماضية ما لا يقل عن ستة دروس مهمة، تتمثل في أهمية وفعالية العمل متعدد الأطراف، والحاجة الملحة لتدخل رؤساء الدول والحكومات لأن قيادتهم السياسية والأخلاقية هي المفتاح لتنفيذ مقتضيات اتفاق باريس».
وفي المرتبة الثالثة، سلط الأمين العام للأمم المتحدة الضوء على التزام المجتمعات، من أجل التأكيد بعد ذلك على الحاجة الملحة للأمم المتحدة لأن تظل في مقدمة البحث العلمي، والإصرار على ضرورة جمع الأموال لتوسيع نطاق تطبيق الحلول. وأخيرا، شدد على أن الأمم المتحدة ستواصل تعزيز الجانب الأخلاقي الذي يدعو إلى العمل.
من جهة أخرى، أكد أن خلفه، أنطونيو غوتيريس، سيواصل العمل، مدافعا عن المعوزين الذين يساهمون بشكل أقل في أزمة المناخ، وبالتالي ينبغي ألا يعانوا من آثاره. ودعا في هذا السياق الدول المتقدمة إلى الوفاء بالتزاماتها لتعبئة نحو مائة مليار دولار سنة 2020، من أجل مساعدة الدول النامية والتخفيف والتكيف مع آثار التغير المناخي.
من جهته، حث بيتر طومسون، رئيس الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة، الدول التي لم تصادق بعد على اتفاقية باريس على أن تلتحق بالركب في أقرب وقت. وأشار إلى أن الانخراط في مكافحة التغيرات المناخية «لم يعد استثمارا في الأجيال المقبلة فحسب، وإنما يتعلق بمواجهة آثار أصبح الجميع يعيشها ويشعر بها». وأضاف أن السنوات الأخيرة عرفت ارتفاعا غير مسبوق في الحرارة نتجت عنه كثير من الكوارث الطبيعية، كحالات الجفاف وذوبان جبال الجليد وارتفاع مستوى البحار والأعاصير المدمرة وتفشي الأمراض، مشيرا إلى أن «كثيرا من الدول أصبحت مهددة في وجودها». وطالب الدول المتقدمة بالإسراع في الوفاء بالتزاماتها، وبخاصة تعزيز الاستثمارات بهدف التحول إلى اقتصادات منخفضة الكاربون، وتعبئة أموال الدعم الموجهة للبلدان النامية.
وبدوره، تعهد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بفتح حوار مع القيادة الأميركية الجديدة حول معضلة مواجهة التغيرات المناخية، مذكرا بدور الرئيس باراك أوباما في الوصول إلى اتفاقية باريس. وقال: «لا بد لأميركا من أن تحترم التزاماتها التي تعهدت بها. هذا ليس واجبا فحسب، بل هو مصلحتها، ومصلحة الشعب الأميركي الذي يتعرض للكوارث بسبب التغيرات المناخية، ومصلحة الشركات الأميركية التي استثمرت في هذه التغيرات».
وقال هولاند: «فرنسا ستواصل الحوار مع أميركا ورئيسها الجديد باسم المائة دولة التي صادقت على اتفاقية باريس»، مشيرا إلى أن هذا الحوار سيكون مفتوحا وحازما.
ملك المغرب: كلفة {الانتظار} في مواجهة تغير المناخ ستكون باهظة
بان كي مون: كلما تحركنا بسرعة كانت الإنجازات أكبر > هولاند: سنواصل الحوار مع أميركا ورئيسها الجديد بشأن اتفاقية باريس
ملك المغرب: كلفة {الانتظار} في مواجهة تغير المناخ ستكون باهظة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









