غموض العلاقة بين ترامب والمكسيك يلقي بظلاله على مواطني أميركا اللاتينية

حالة من القلق في الأوساط السياسية والاقتصادية من ردة الفعل العنيفة التي قد تؤثر على الأميركيتين

أجزاء من الجدار الذي تحاول الولايات المتحدة استكماله مع الحدود المكسيكية (رويترز)
أجزاء من الجدار الذي تحاول الولايات المتحدة استكماله مع الحدود المكسيكية (رويترز)
TT

غموض العلاقة بين ترامب والمكسيك يلقي بظلاله على مواطني أميركا اللاتينية

أجزاء من الجدار الذي تحاول الولايات المتحدة استكماله مع الحدود المكسيكية (رويترز)
أجزاء من الجدار الذي تحاول الولايات المتحدة استكماله مع الحدود المكسيكية (رويترز)

لعبت المكسيك دورًا هامًا خلال الحملة الانتخابية لدونالد ترامب. فقد أعلن المرشح الجمهوري حينها، والرئيس المنتخب حاليًا، أنه سيبني جدارًا عازلاً على امتداد الحد الفاصل بين الدولتين الذي يتعدى 3000 كيلومتر، بهدف الحد من تدفق المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين، وأنه سيقوم بترحيل الملايين منهم المقيمين بصورة غير شرعية، الذين حملهم مسؤولية كثير من المشكلات التي تعانيها بلاده.
اليوم هناك بالفعل سياج بطول يزيد على 1000 كلم لمنع مرور المكسيكيين لجيرانهم في الشمال، وعلى الرغم من ذلك، فقد تسببت التصريحات الجديدة في زيادة المخاوف من أن تجارة تهريب البشر قد تنتعش في السنوات المقبلة، لنقل المكسيكيين الراغبين في حياة أفضل في الولايات المتحدة أيًا كان الثمن حتى إن كلفهم ذلك حياتهم.
ففي وقت الحملة، تسببت تهديدات ترامب في حالة من الهلع والرفض في المكسيك وفي أميركا اللاتينية بصفة عامة، وتزايدت المخاوف بعد فوز ترامب، وبعد أن أصبح الرئيس رقم 45 للولايات المتحدة.
ويتطلع ترامب أن يقوم المكسيكيون بتحمل كلفة بناء الجدار الجديد الذي يتوقع أن تبلغ كلفته مليارات الدولارات، ومن المتوقع أن يكون من ضمن أولويات ترامب في المائة يوم الأولى له بالبيت الأبيض.
كرر المرشح اقتراح بناء الجدار عدة مرات، وكانت الهجرات المكسيكية دومًا على لسانه، وهو ما وجد ترحيبًا من مؤيديه. وفي إحدى المرات التي ظهر فيها أمام أنصاره، قال ترامب: «عندما ترسل المكسيك لنا بمواطنيها، فإنها لا ترسل لنا أفضل ما لديها، بل ترسل مواطنين بمشكلات كبيرة، ويأتون إلينا وبحوزتهم مخدرات».
ولهذا لم يكن موقف الرئيس الجمهوري المنتخب ترامب من المهاجرين المكسيكيين مفاجئًا. ويقدر عدد المكسيكيين الذين يقيمون ويعملون في الولايات المتحدة بنحو 12 مليون نسمة، لكنهم لا يشكلون قوة عمل في البلاد.
ولم يكن لكلمات دونالد ترامب مردودها السياسي والاقتصادي فحسب، بل العاطفي أيضًا. ففي المكسيك التي تعد إحدى القوى الإقليمية في أميركا اللاتينية، سادت حالة من القلق والشك بشأن اتجاهات الرئيس الجديد وسياساته المرتقبة.
ففي حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»، وصف أدولفو لابورد، مدير برنامج العلاقات الخارجية بمعهد «مونتيري للتكنولوجيا والتعليم العالي» بالمكسيك، التأثير العاطفي لفوز ترامب بـ«المرتفع جدًا» في المكسيك، وأن حالة من القلق البالغ سادت، ليس فقط بين المكسيكيين، بل أيضًا بين الكثير في الولايات الأميركية التي يقطنها مهاجرون مكسيكيون وأبناؤهم.
على الجانب الاقتصادي، أصيبت المكسيك بهزة بعد ساعات معدودة من إعلان نبأ فوز ترامب، حيث تراجعت العملة المكسيكية (بيسو) تراجعًا غير مسبوق، لتفقد 15 في المائة من قيمتها أمام الدولار الأميركي، وأغلقت أسواق الأوراق المالية عند تراجع بنسبة 0.54 في المائة.
فبالنسبة للمكسيك، تعتبر التجارة مع جارتها أمرًا أساسيًا، وبحسب الحكومة المكسيكية، تبلغ قيمة التجارة بين البلدين نحو 500 مليار دولار سنويًا. بالإضافة إلى ذلك، تذهب نحو 80 في المائة من الصادرات المكسيكية إلى الولايات المتحدة التي تعد شريكها التجاري الأول، ولذلك جاء رد فعل الأسواق المكسيكية عنيفًا.
ويرجع السبب في الوضع الحالي الذي حذر منه المحللون إلى أن الاقتصاد المكسيكي، الذي يعد الأقوى في أميركا اللاتينية، يعتمد بدرجة كبيرة على الاتفاقات التجارية الموقعة مع جارتهم. وتمثل اتفاقية «التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية» حجر الأساس للعلاقات المكسيكية - الأميركية الحالية، وهي الاتفاقية التي قال ترامب إنه سيعمل على إلغائها. ستستمر تقلبات السوق إلى ما بعد تولي ترامب الرئاسة في يناير (كانون الثاني) 2017 عندما يمسك بزمام الإدارة فعليًا في دورتها الأولى.
وشرح البروفسور ليبورد أن اقتصاد بلاده مضطرب بسبب ضخامة الاعتماد على التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة، إذ إن كارثة كبرى ستحل بقطاع الصادرات المكسيكية حال ألغيت «اتفاقية التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية».
وقعت الاتفاقية منذ أكثر من 20 عامًا بين رؤساء الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وفي ظل الاتفاقية، تجني اقتصادات الدول الثلاث نحو 1.1 تريليون دولار أميركي سنويًا من خلال التجارة المحسنة والنشاطات التجارية المختلفة، وفقًا لأرقام عام 2016.
لم تقتصر حملة ترامب على اتفاقية التجارة الحرة، إذ هدد أيضًا بوقف التحويلات البنكية من الولايات المتحدة إلى المكسيك، التي تقدر بملايين الدولارات سنويًا. 
وفي الوقت الذي يحاول فيه الرئيس المكسيكي، إنريكي بينا نيتو، إحياء الأمل في بلاده التي ترى حماس ترامب بصورة سلبية، وتحدث عن بعض التغييرات في علاقات بلاده بالولايات المتحدة، تمتلك الحكومة المكسيكية خطة جاهزة لاستيعاب وتشغيل مواطنيها المتوقع عودتهم من الولايات المتحدة خلال الشهور المقبلة، حال شرع ترامب في تنفيذ سياسته تجاه المهاجرين.
وقال الرئيس المكسيكي بينا نيتو: «أشعر بتفاؤل مبرر بأننا سنتمكن من إعداد أجندة عمل جديدة في علاقاتنا الثنائية». ففي الماضي، فتحت المعارضة المكسيكية النار على الرئيس نيتو لمجرد لقائه مع ترامب عندما كان مرشحًا، وانتهز الفرصة لتأكيد عزمه بناء الجدار الحدودي من دون أن يتعرض للنقد من بينا نيتو.
وبناء عليه، يرى البروفسور ليبورد أن موقف الرئيس المكسيكي يجب أن يكون أكثر «تصالحًا مع ترامب، وأن يعتمد على الحوار وتشكيل تحالفات استراتيجية والعمل على تنويع التجارة وتعزيز علاقات بلاده الدولية».
ولا يزال من غير المعلوم أي المقترحين اللذين أثارهما ترامب في حملته الانتخابية سوف يبدأ بتنفيذه. غير أن العلاقات مع المكسيك ليست الجانب الغامض الوحيد الذي يواجه مصير دول أميركا الشمالية، فالعلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وكوبا التي نجح في تطبيعها الرئيس أوباما العام الماضي بعد تجميدها لخمسين عامًا تبقى على المحك.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...