قمة «كوب 22» في مراكش اليوم بمشاركة 40 رئيس دولة و30 رئيس حكومة

وصول ترامب إلى البيت الأبيض يلقي بظلاله على مؤتمر التغيرات المناخية

الأميرة للا حسناء في حديث مع باتريسيا اسبينوزا السكرتيرة التنفيذية  للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في قمة المناخ أمس بمراكش (إ.ب.أ)
الأميرة للا حسناء في حديث مع باتريسيا اسبينوزا السكرتيرة التنفيذية للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في قمة المناخ أمس بمراكش (إ.ب.أ)
TT

قمة «كوب 22» في مراكش اليوم بمشاركة 40 رئيس دولة و30 رئيس حكومة

الأميرة للا حسناء في حديث مع باتريسيا اسبينوزا السكرتيرة التنفيذية  للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في قمة المناخ أمس بمراكش (إ.ب.أ)
الأميرة للا حسناء في حديث مع باتريسيا اسبينوزا السكرتيرة التنفيذية للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في قمة المناخ أمس بمراكش (إ.ب.أ)

تنطلق اليوم الثلاثاء بمراكش القمة العالمية رفيعة المستوى للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (كوب 22)، بمشاركة عشرات من رؤساء الدول والحكومات، وهي القمة التي تنعقد تحت رئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وتأكد حتى أمس حضور 40 رئيس دولة، و30 رئيس حكومة، و92 وزير بيئة، و12 وزير خارجية، و9 وزراء طاقة، إضافة إلى ممثلي 26 منظمة بين حكومية إقليمية ودولية ومالية، و11 منظمة غير حكومية.
وسيتناوب الضيوف الكبار على المنصة على مدى ثلاثة أيام، ابتداء من اليوم، وسيتحدث خلال الجلسة الافتتاحية للقمة العاهل المغربي الملك محمد السادس، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والسكرتيرة التنفيذية لاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ باتريسيا اسبينوزا. ورغم أن مؤتمر المناخ انطلق في فضاء «باب إغلي» التاريخي بمراكش قبل أسبوع، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، فإن القمة رفيعة المستوى التي ستنطلق اليوم عرفت تعزيزًا كبيرًا للإجراءات الأمنية، مع الحد من عدد المسموح لهم بولوج المؤتمر من خلال اعتماد بطاقات ولوج خاصة.
وتعيش مدينة مراكش تحت حراسة أمنية مشددة منذ أسابيع، نشرت خلالها مديرية الأمن الوطني 7000 رجل أمن من مختلف التخصصات، ووضعت كاميرات المراقبة في شوارع وساحات المدينة، مع إنشاء غرفة عمليات أمنية خاصة. وفي ساحة جامع الفنا السياحية الشهيرة وحدها وضعت 16 كاميرا للمراقبة. فيما تتولى فرق أمنية تابعة للأمم المتحدة الأمن داخل محيط الفضاء الأزرق للمؤتمر بمساعدة فرق محلية.
وتتجه الأنظار خلال هذه القمة العالية المستوى لكبير المفاوضين الأميركيين جوناثان بيرشينغ، الذي سيتحدث خلال القمة للتعبير عن موقف بلده عقب انتخاب دونالد ترامب، وهو الحدث الذي أرخى بظلاله على مؤتمر الأطراف بمراكش، وذلك بسبب موقف ترامب من اتفاقية باريس حول التغيرات المناخية، حيث وصفها على صفحته في فيسبوك بـ«الخدعة».
ويزيد من هذا الترقب كون بيرشينغ لم يتولَ هذا المنصب إلا في أبريل (نيسان) الماضي خلفا للمفاوض تود سترين، الذي قاد الفريق الأميركي لمفاوضات المناخ منذ مجيء باراك أوباما في 2009 إلى البيت الأبيض.
وبرز بشكل كبير خلال القمة 21 التي انعقدت نهاية العام الماضي في باريس، والتي يحمل الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلالها بصماته.
وسبق لكبير المفاوضين الجديد جوناثان بيرشينغ، وهو عالم جيولوجيا بدأ مساره المهني في قطاع البترول، أن شغل منصب مستشار وزير الطاقة الأميركي في مجال الانتقال الطاقي، وهو أيضًا عضو سابق في بورصة الكاربون في شيكاغو، وأحد مؤسسي السوق الأميركية لحصص انبعاث غاز الكاربون.
وحل أمس بمراكش وزير الطاقة الأميركي إرنست مونيز في زيارة تمتد يومين، سيحضر خلالها لقاءات جانبية ينظمها الوفد الأميركي حول الطاقات المتجددة ومواضيع أخرى. بيد أن زيارة مونيز تصادف انعقاد القمة الرفيعة المستوى، إلا أنه لم يؤكد بعد إن كان سيتحدث خلالها.
ويعتقد مراقبون أن صعود ترامب إلى رئاسة أميركا قد يخفف من وتيرة سرعة مؤتمر مراكش، إذ إن الكثير من الدول، خاصة الصناعية، تفضل الانتظار لما سيعلن عنه ترامب بصدد اتفاقية المناخ.
وكان ترامب قد تعهد بالانسحاب من اتفاق باريس، الذي كان الرئيس باراك أوباما المنتهية ولايته يدعمه بقوة. وقال مصدر يعمل في فريق ترامب، متخصص في الشؤون السياسة الدولية المتعلقة بالطاقة والمناخ، طالبا عدم نشر اسمه، إن مستشاري ترامب يبحثون سبل تجاوز إجراء نظري مدته أربعة أعوام للانسحاب من الاتفاق. فيما قال جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، أول من أمس في نيوزيلندا، إن إدارة أوباما ستبذل قصارى جهدها لتنفيذ اتفاق باريس قبل تولي ترامب السلطة.
وأضاف المصدر أن إدارة ترامب المستقبلية تبحث بدائل للإسراع بعملية الانسحاب، مثل إرسال خطاب للانسحاب من اتفاق الإطار الدولي الصادر عام 1992، وهو المعاهدة الأم لاتفاق باريس، مما ينهي مشاركة الولايات المتحدة في الاتفاقين في غضون عام، أو إصدار أمر رئاسي يلغي ببساطة التوقيع الأميركي في اتفاق باريس.
وتعلق آمال كبيرة على قمة مراكش من أجل وضع اتفاقية باريس على سكة التطبيق العملي، والرفع من التزامات الدول الصناعية في إطارها، إضافة إلى تعبئة الدعم المالي الموجه لمساعدة الدول النامية على التكيف مع المتغيرات المناخية والمقدر بنحو 100 مليار دولار سنويا.
وبدا صلاح الدين مزوار، رئيس المؤتمر العالمي حول المناخ ووزير الخارجية المغربي، مطمئنا بشأن الموقف الأميركي، خلال آخر لقاء صحافي له قبل انعقاد القمة رفيعة المستوى، وقال إن «انتخاب ترامب لم يعد يقلق. فقد سحب الرئيس ترامب من صفحته على الفيسبوك الجزء المتعلق باتفاقية باريس، وهو ما نعتبره إشارة جيدة، والجميع هنا متفائلون»، مضيفا أنه «يجب الحفاظ على الثقة في هذه الديناميكية التي يعيشها العالم، وبالثقة في الشعب الأميركي وانخراطه الجدي والقوي في الكفاح ضد تغير المناخ من خلال العمل الفعلي والبرامج الملموسة».
وأشار مزوار إلى أن «اتفاق باريس دخل حيز التنفيذ، وحتى إذا ما قرر أحد الأطراف الانسحاب فإن ذلك لن يوقف التقدم. وبطبيعة الحال نحن هنا لكي لا ينسحب أحد، ومن أجل استمرار التعبئة حول الاتفاق وإذكاء الحماس من أجل تحقيق أهدافه».
من جانبها، أوضحت باتريسيا اسبينوزا، السكرتيرة التنفيذية لاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، أن المصادقة الأميركية على الاتفاق أمر واقع، وأن الفريق الأممي سيعمل مع القيادة الأميركية الجديدة، وقالت بهذا الخصوص: «نحن جد متفائلون بسبب ما نلمسه من طرف الجميع. وببلوغ عدد الدول المصادقة على اتفاقية باريس 109 دول حتى الآن، أصبحت لدينا اتفاقية قوية وذات مصداقية صلبة، ويتعامل معها الجميع بكثير من الحماس وكثير من الإرادة والنيات الحسنة، من أجل المضي قدما في تنفيذها وتطويرها. ونحن على استعداد لبناء علاقات منتجة وبناءة مع إدارة الرئيس المنتخب ترامب لمواصلة هذا المشوار».
وليست هذه المرة الأولى التي تشكل فيها أميركا هاجسا بالنسبة للمشاركين في مؤتمر المناخ. فقبل عام في باريس اضطر المشاركون إلى تعديل نص اتفاقية باريس من أجل الالتفاف حول ضرورة التصديق عليها من طرف الكونغرس، الذي تسيطر عليه الغالبية الجمهورية المناوئة لأي التزام لأميركا في هذا المجال. وتمكن المفاوض الأميركي السابق تود سترن من إقناع المشاركين في المؤتمر بضرورة إزالة أية إشارة إلى التزامات واضحة في مجال تقليص الانبعاثات والتمويل من وثيقة الاتفاقية، التي تضمنت 31 صفحة، حتى لا تضطر الحكومة الأميركية لعرضها على الكونغرس. واعتمد اتفاق باريس على التصريحات التطوعية لكل دولة بالتزاماتها الخاصة في هذا المجال من دون وضع أية آلية إلزامية أو للمراقبة في هذا الشأن.
وتهدف قمة مراكش بالدرجة الأولى إلى إسماع صوت دول الجنوب في المؤتمر، خاصة وأنه تحت الرئاسة المغربية ويجري على أرض أفريقية. وتكفل العاهل المغربي بمصاريف مشاركة الجزر المهددة بالاختفاء بسبب التغيرات المناخية للمشاركة في المؤتمر وإسماع صوتها. وفي هذا الصدد تم اختيار جزر فيجي لرئاسة الدورة المقبلة لمؤتمر الأطراف حول التغيرات المناخية كوب 23، مع عقدها في بون بألمانيا. وفي السياق نفسه ستحتضن مراكش غدا الأربعاء قمة رفيعة المستوى خاصة بالدول الأفريقية.
على صعيد ذي صلة، دعا ممثل الصين الخاص حول شؤون تغير المناخ، شيه تشنهوا، أمس بمراكش إلى تعميق التعاون «جنوب - جنوب» في مواجهة التغيرات المناخ.
وأكد تشنهوا في كلمة خلال افتتاح المنتدى رفيع المستوى حول التعاون «جنوب - جنوب» بشأن التغيرات المناخية، أهمية تقاسم التجارب والخبرات والممارسات الفضلى في مجال مواجهة التغيرات المناخية بين دول الجنوب. كما أبرز المسؤول الصيني التزام بلاده بتعميق التعاون «جنوب - جنوب» في مواجهة التغيرات المناخية، مستعرضا المبادرات التي اتخذتها بكين من أجل دفع عجلة هذا الإطار من التعاون، وأشار إلى أن بلاده وقعت نحو ثلاثين مذكرة تفاهم مع الدول النامية لتعزيز التعاون «جنوب - جنوب»، وأطلقت مشروع «عشرة، مائة، ألف»، المتعلق بإحداث عشر مناطق تجريبية منخفضة الكربون، ومائة مشروع للتكيف والتخفيف، وبرنامج تكوين ألف إطار بالدول النامية.
ويروم هذا اللقاء رفيع المستوى المنظم بشراكة بين الصين والمغرب والأمم المتحدة، إعطاء زخم أكبر للتعاون «جنوب - جنوب» في مجال مواجهة التغيرات المناخية، وتعميق التبادل بين دوله؛ بغية تحسين قدرتها على مواجهة هذه التغيرات وبلوغ أهداف التنمية المستدامة.
من جهته، شدد مزوار في كلمته على أن التعاون «جنوب - جنوب» «لا يتعارض» مع باقي الإطارات الأخرى للتعاون، مضيفًا أنه «يقدم رافعات مكملة» لدفع الجهود الرامية لمكافحة التغيرات المناخية، وأن التعاون «جنوب - جنوب» بإمكانه تطوير والرفع من نسق الدينامية التي تعرفها قضية المناخ منذ اعتماد اتفاق باريس التاريخي، وكذا تنويع المقاربات الرامية لمواجهة التغيرات المناخية وآثارها على دول الجنوب.
وأكد رئيس كوب 22 أن تعزيز التعاون «جنوب - جنوب» يكتسي أهمية كبيرة، وينسجم تمام الانسجام مع الطموحات والانتظارات التي تم تحديدها لمؤتمر مراكش، مبرزًا أن هذا التعاون يتيح تبادلا أيسر للخبرات والتجارب، بالنظر إلى كون بلدانه «تتحدث اللغة نفسها، وتتقاسم الإشكالات نفسها».
من جهة أخرى، نوه رئيس مؤتمر كوب 22 بمستوى النقاش الذي عرفه الأسبوع الأول من المؤتمر، مؤكدًا أن الأسبوع الثاني سيكون موجهًا لاتخاذ إجراءات عملية وملموسة للتكيف والتخفيف من وطأة التغيرات المناخية على الدول.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.