عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

بنغازي تصارع الإرهاب 1 من 5 : الصدفة تلعب دورا في إنقاذ ضاحية سيدي فرج من مذبحة

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
TT

عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)

ترصد «الشرق الأوسط» في سلسلة حلقات محاولات مدينة بنغازي التي كانت تسيطر عليها الميليشيات المتطرفة، العودة إلى الحياة رغم المصاعب ورغم ضعف إمكانيات الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. أهالي المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية بعد طرابلس العاصمة، لديهم إصرار على تنظيف بنغازي من آثار المعارك، لكن ما زالت توجد جيوب في المدينة تثير الخوف والفزع. ومع ذلك تبقى إرادة التغيير والسير إلى الأمام هي الشعار المرفوع هنا. روح معنوية مرتفعة وسط قصص عن بطولات قام بها مجهولون من أجل طرد المسلحين من المدينة.
افتح دكانك.. ارجع إلى بيتك. لكن افعل ذلك وأنت متأهب للخطر. مواقع المتطرفين ما زالت تقاوم في الشوارع الغربية. والخلايا النائمة في الضواحي الآمنة يمكن أن تستيقظ في أي لحظة لتنفيذ عملية خاطفة. والخصوم يحشدون لإعادة السيطرة على الموانئ النفطية. يوجد جيش ورجال لوزارة الداخلية ينتشرون في شوارع بنغازي. لكن الحذر واجب. هبت الرياح صباح يوم الجمعة محملة بالتراب على المدينة. يومٌ يحمل نُذر الخطر. كان يفترض الانتقال إلى منطقة سيدي فرج الواقعة إلى الجنوب الغربي من مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينة الدولي». كان المتطرفون يحتلون هذه المنطقة الحيوية لعدة أشهر. واليوم جرى طردهم.

البرنامج يتضمن الوصول إلى منزل عميد قبيلة المغاربة الشيخ صالح الأطيوش. وإجراء حوار صحافي معه عن جهود الجيش وشباب بنغازي في الحرب ضد الإرهاب. ثم التوجه معه في سيارته المصفحة لأداء صلاة الجمعة في مسجد أبو بكر الصديق الذي جرى تأسيسه عام 2006 في منطقته على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من منزله. وبعد الصلاة وفقا للبرنامج، يعود الجميع مرة أخرى إلى منزله لتناول وجبة الغداء. لم يكن أحد يعلم أن هناك من ينتظر وراء أشجار الزيتون لتفجير السيارة بمن فيها.
بحلول الساعة العاشرة صباحا كان الغبار قد غطى شوارع المدينة. كانت الإقامة في منزل قريب من محاور القتال بين الجيش والمتطرفين في غرب بنغازي، يعود لأحد شيوخ قبيلة العواقير الكبيرة والقوية في شرق ليبيا. من السهل أن تسمع كل حين وآخر صوت انفجارات المدفعية وتكتكة الرصاص. الطريق من هنا إلى منزل الشيخ الأطيوش لا يقل عن خمسة عشر كيلومترا عبر شارع المطار. وبدأ الاستعداد للتوجه إلى هناك، لكن في اللحظات الأخيرة جرى تغيير الخطة بسبب سوء حالة الطقس.. غبار وريح وانخفاض في مستوى الرؤية. الرأي بتأجيل اللقاء مع الأطيوش إلى المساء. ومع ارتفاع صوت أذان الظهر، وصل الخبر. تفجير سيارة مفخخة لحظة وصول عميد قبيلة المغاربة إلى المسجد.
كانت صحيفة «الشرق الأوسط» هي أول صحيفة عربية تصل إلى هذا العمق من خطوط التماس بين قوات الجيش الذي يقوده حفتر، وبواقي قوات المتطرفين المتحصنين في عدة مناطق في غرب بنغازي. وبدأ عدد من المسؤولين في الاتصال للاطمئنان على أن المبعوث الصحافي ومرافقه محمود، ابن قبيلة القناشات، لم يصابا بسوء في تفجير الأطيوش. كان الاعتقاد ما زال سائدا عن أن هناك صحافيا في سيارة شيخ المغاربة التي تحولت إلى كومة من الحديد الملتوي والمحترق.
في الجهة الأخرى.. أي في منطقة سيدي فرج التي سيطر عليها تنظيم «أنصار الشريعة» الموالي لـ«داعش»، لعدة شهور، يوجد منزل الشيخ الأطيوش وسط بيوت لأبناء عمومته وأقاربه. ويحظى الأطيوش بأهمية خاصة بعد أن أدار بمهارة تسهيل عملية دخول قوات الجيش بقيادة حفتر للموانئ النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، واستعادتها من أيدي ميليشيا يقودها أحد أبناء القبيلة ويدعى الجضران.
منطقة سيدي فرج صحراوية وقليلة السكان، ويوجد فيها مزارع للزيتون والخضراوات تروى بالمياه الجوفية. وتنتشر فيها «المزارع» وهي قطع من الأراضي تتراوح مساحاتها بين 500 و3000 متر تخص مواطنين من المدينة. كل مزرعة محاطة بسور ويوجد فيها بعض الشجيرات وغرفة واحدة على الأقل ودورة مياه، ويستخدمها أبناء المدينة في قضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها مع الأسرة أو مع الأصدقاء.
وخلال احتلال المتطرفين لمنطقة سيدي فرج استخدموا هذه المزارع في الإقامة والمعيشة وتخزين الأسلحة والمتفجرات والانطلاق منها لتنفيذ الهجمات والعودة مرة أخرى. ولقي كل من الجيش وشبان المنطقة المتطوعين لمحاربة المتطرفين، صعوبة لوقت طويل في هزيمة العدو وطرد الغرباء من سيدي فرج. وخسر أحد قادة المنطقة ويدعى سليمان، كل رجاله ما بين قتيل ومعاق من أجل تحقيق النصر. ويوجد بالقرب من منزل الأطيوش هنا بيوت أخرى فقدت أبناءها في الحرب التي استمرت منذ أواخر عام 2014 حتى منتصف هذا العام.
وينتمي الأطيوش لقبيلة المغاربة المشهورة والموجود أسماء الكثير من قادتها التاريخيين في مذكرات الضباط الإيطاليين الذين غزوا ليبيا في مطلع القرن الماضي. وتتضمن تلك المذكرات، مثل مذكرات الجنرال غارازياني، قصصا عن ضراوة مقاومة المغاربة لأطماع الطليان. ويتركز وجود القبيلة في المنطقة الممتدة بين إجدابيا (على بعد نحو 80 كيلومترا غرب بنغازي) وحتى مدينة سرت (على بعد نحو 600 كيلومتر إلى الغرب من بنغازي). أي أنها موجودة في أغنى منطقة نفطية في ليبيا تحوي نحو 60 في المائة من مخزون البترول في الصحراء المعروفة باسم «الهلال النفطي» وتشرف على أربعة موانئ لتصدير النفط من على ساحل البحر المتوسط.
حين بدأت الفوضى في ليبيا بعد مقتل معمر القذافي، تسابق اللصوص والسياسيون وأمراء الحرب للهيمنة على منابع النفط وعلى موانئ التصدير في عموم البلاد. وساعد على ذلك سماسرة متعطشون للمكسب ينشطون في البحر، ولديهم حقائب من الدولارات وصناديق من الأسلحة. أي أن ثمن أي صفقة يجري تهريبها من الموانئ جاهز، وكما تريد.. أموال سائلة أو سلاح وسيارات.
وأدى احتدام المنافسة على الحقول إلى تراجع الإنتاج والتصدير من نحو 1.6 مليون برميل في اليوم، إلى أقل من 300 ألف برميل في اليوم. وفي خضم هذا الصراع ترأس الجضران ما يعرف بقوات حرس المنشآت النفطية، وجمع عدة آلاف من شباب قبيلة المغاربة وجلس بهم على ساحل البحر ليمنع السفن من شحن النفط من الموانئ. وقال الجضران في ذلك الوقت إنه يفعل هذا الأمر لمنع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تهيمن على الحكم في طرابلس الغرب، من الاستفادة من عائدات النفط.
استمرت الأوضاع على هذا النحو قرابة 18 شهرا. الموانئ مغلقة، والمفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تجري على قدم وساق بين عدة أطراف ليبية في بلدة الصخيرات المغربية. وتنظيم داعش يحصن مواقعه في مدينة سرت المجاورة للهلال النفطي من الغرب. ومدينة إجدابيا، على الحد الشرقي للهلال النفطي، مقسمة بين نفوذ الجضران ونفوذ قوات الجيش الذي يزداد ترابطا وتماسكا بقيادة حفتر يوما بعد يوم. إلى أن جاءت لحظة الصدام. انحاز الجضران للمجلس الرئاسي الذي اقترحته الأمم المتحدة لحكم ليبيا، وانحاز الجيش لقرارات البرلمان التي ترفض إطلاق يد المجلس الرئاسي في البلاد.
قرر الجيش حسم الموقف واستعادة حرس المنشآت النفطية للعمل تحت سلطته، وإخراج الجضران من المشهد. في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي كان الموقف كالآتي.. قوات الجيش تتمركز في منابع البترول جنوبا أي في الجانب الصحراوي من الهلال النفطي. وقوات حرس المنشآت برئاسة الجضران تدير الموانئ النفطية في على ساحل البحر، وهي «الزويتينة» و«البريقة» و«رأس لانوف» و«السدرة». هذا على المستوى العسكري. أما على الصعيد السياسي فقد ظهر الجضران مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، ومع رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ليتعهد بأنه سوف يسمح بتصدير النفط لصالح المجلس الرئاسي.
ويقول أحد العناصر القتالية التي كانت تعمل مع ميليشيا الجضران في حراسة المنشآت النفطية، وهو شاب مصاب بشظية في صدره ويقضي فترة النقاهة لدى أقاربه في منطقة سيدي فرج، إنه لا ينتمي إلى توجه معين، وإن عمله في حراسة الموانئ النفطية تحت سلطة الجضران كان في البداية واجبا قبليا.. «أنا من قبيلة المغاربة والموانئ النفطية موجودة في نطاق القبيلة». ويتقاضى عناصر المنشآت النفطية رواتب عن طريق الجضران. ويضيف: «لو وقفنا ضد الجيش لوقعت مذبحة. استمعنا لنداء الشيخ صالح الأطيوش وانسحبنا».
كان عميد القبيلة، الأطيوش، يقوم بدوره مع أبناء قبيلته في منطقة الموانئ النفطية. لا ترفعوا السلاح في وجه الجيش. عودوا إلى حضن القوات المسلحة وإلى حضن الدولة. من يريد أن يلتحق بالجيش فأهلا به وسهلا، ومن يريد أن يعود إلى بيته فهو آمن ولن يمسسه سوء. وأدت سيطرة الجيش بشكل مباغت على الموانئ النفطية إلى إرباك الكثير من عواصم العالم وإلى تضارب مواقف المجلس الرئاسي، وإلى اختلاط الأوراق الليبية في يد كوبلر.
وعلى الجانب الآخر بدأ الاحتفاء بموقف عميد قبيلة المغاربة من جانب المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر ومن البرلمان برئاسة عقيلة صالح، ومن جانب القيادات القبلية الموالية للسلطة الشرعية ممثلة في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق. ويقول البرلمان في سبب تكريم الأطيوش إنه تعبير عن العرفان للدور الذي لعبه، مع شيوخ وأعيان منطقة الهلال النفطي، في دعم الجيش، خاصة في تحريره للموانئ النفطية وحقن دماء الليبيين وعودة تصدير النفط.
وطوال الشهرين الماضيين واصل الأطيوش توجيه النداء تلو النداء لقطع الطريق على أي محاولة للارتداد على الجيش في منطقة نفوذ القبيلة في الموانئ النفطية. يقول الرجل الذي كان أجداده يحاربون المحتلين الإيطاليين في الزمن القديم: الوطن للجميع.. ليبيا للجميع.. والنفط لكل الليبيين. وبينما كانت القوات المسلحة تبسط نفوذها على موانئ رأس الأنوف والبريقة والزويتينة، وجه كلمة للشباب الذين كانوا يقفون مع الجضران، وقال لهم إنه «جرى التغرير بكم.. هناك من أعطاكم فكرة سيئة عن الجيش وعن البرلمان. أطالبكم بالعودة إلى حضن الدولة. عودوا إلى أهلكم، ومن يريد أن ينضم للجيش فالجيش مستعد لقبولهم ومن يريد أن يرجع لبيته فليلقِ السلاح ويرجع في أمان».
ويقول الأطيوش عن الجضران إنه أحد أبناء قبيلة المغاربة، لكن تم استثماره من جانب آخرين استثمارا سيئا ليس لمصلحة الوطن.. «أقول له أنت أخطأت.. ارجع إلى حضن القبيلة وحضن القوات المسلحة، ولو أجرت الدولة التحقيق معك فسيكون تحقيقا عادلا. ولن يصيبك أي ضرر».
قبل تفجير سيارة الأطيوش بليلة واحدة، أي مساء يوم الخميس، الثالث من الشهر الجاري، كان هناك عزاء في منطقة المقزحة، جنوب مطار بنغازي. حضر الكثير من قادة القبائل وقادة من الجيش بعضهم من معاوني المشير حفتر. وخلال مجلس العزاء اتجه الحديث إلى مستقبل الموانئ النفطية. وبدا أن الجضران ما زال يثير القلق لدى البعض. وجرى أيضا ذكر الشيخ الأطيوش والدور الذي يقوم به لحشد القبائل حول الجيش خاصة في منطقة الهلال النفطي ومحاولاته لاستعادة الجضران من ضفة الخصوم ومعاملته معاملة كريمة مع ترك مسألة التحقيق معه للدولة.
لكن هذا الشاب الأسمر، الذي كان مطاردا من الشرطة في مدينة إجدابيا قبل سقوط نظام القذافي، انضم إلى أعداء الجيش والبرلمان. ويتمركز هؤلاء «الأعداء» الآن في بلدة الجفرة، على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من الموانئ النفطية، وهم خليط من ميليشيات جهوية ومذهبية متطرفة كان معظمها يقاتل الجيش في بنغازي حتى شهور قليلة مضت. المثير في الأمر أن وزير الدفاع المقترح في مجلس السراج الرئاسي، على صلة بتلك الميليشيات. ويقول مصدر في الاستخبارات العسكرية في بنغازي: رصدنا تعاون وزير دفاع السراج، المهدي البرغثي، مع هذه الميليشيات لشن هجوم على الموانئ النفطية.
ووفقا لمعلومات الاستخبارات العسكرية في المدينة، فقد شهدت منطقة الجفرة نشاطا محموما قبل محاولة اغتيال الأطيوش بأربعة أيام. وتقول هذه المعلومات إنه في اليوم الأول من الشهر الجاري زار البرغثي قاعدة الجفرة العسكرية (خارج سيطرة حفتر) والتقى هناك مع رائد ليبي يدعى الأزهري، ومع اثنين من العسكريين الأجانب، الأول اسمه إكفين، والثاني يدعى جولياني، بالإضافة إلى مسؤول من إحدى دول المنطقة معني بالملف الليبي، وكذلك في وجود قادة لميليشيات متطرفة من بينهم رجل يلقب بـ«بلعم». ولا يوجد ربط مباشر حتى الآن بين اجتماعات الجفرة، ومحاولة التخلص من الأطيوش، فيما عدا التخطيط للهجوم على الموانئ النفطية.
ويوضح المصدر العسكري أن العناصر القتالية في الجفرة من ليبيين وغير ليبيين ما زالت تصرف لهم رواتب من خزينة الدولة في طرابلس تحت اسم «القوة الثالثة» التي تأسست في عهد الحكومات السابقة التي جاءت بعد القذافي وكان يهيمن عليها كل من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة.
في اليوم الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري شهدت الجفرة خلافات حول صرف مستحقات المقاتلين الليبيين والأجانب (غالبيتهم مرتزقة أفارقة يطلق عليهم «مجموعة الزرق»)، ويديرهم رجل من مدينة الزنتان. وهدد بسحبهم من الجفرة. لكن تدخل أحد قيادات اتفاق الصخيرات في طرابلس لصرف مستحقاتهم والإبقاء عليهم هناك استعدادا للمشاركة في الهجوم على منطقة نفوذ قبيلة الأطيوش واحتلال الموانئ النفطية. وفي يوم الثالث من نوفمبر وصلت عبر الطائرات شحنات حديثة من الأسلحة إلى الجفرة وأشرف على العملية، وفقا لتقارير أمنية في بنغازي، شخصيات ليبية وأخرى من دول في منطقة الشرق الأوسط. وتشمل صفقة الأسلحة الجديدة صواريخ وقذائف مدفعية ومناظير رؤية ليلية وبنادق قنص وغيرها.
ومن خلال قراءة وجوه الحاضرين في مجلس عزاء المقزحة، يبدو أن الخطر ما زال قائما في قابل الأيام، رغم الجهود الضخمة التي يقوم بها الجيش الوطني بقيادة حفتر. فقد جرى قبل أسبوعين، في ساحة الكيش بوسط بنغازي، تفخيخ سيارة السياسي محمد بوقعيقيص الذي كان يحاول جمع الليبيين في جسم سياسي واحد موالٍ للجيش ومناهض لمجلس السراج والميليشيات التي يعتمد عليها. وقتل بوقعيقيص وثلاثة من مرافقيه.
يقول أحد العسكريين في عزاء المقزحة: «الإمكانيات ضعيفة.. لكن العزيمة على هزيمة الإرهاب كبيرة». كانت الساعة قد وصلت إلى الثانية من فجر يوم الجمعة. والسيارة تعبر في طريق العودة في دروب كان يسيطر عليها المتطرفون حتى وقت قريب. ومن بين الظلام يقف شبان متطوعون لحماية المواقع المحررة. وعلى الجانبين تظهر أمام أضواء السيارة بقايا الدمار الذي خلفته الحرب. ومن المقزحة انعطف الطريق إلى حرم مطار بنينا. هنا يقف جنود بملابس الجيش الرسمية. أعمدة الضوء تكشف كل شيء. تدقيق في الهويات وابتسامة لبث الطمأنينة. ثم هدر المحرك إلى قلب المدينة. ومن الجانب الغربي وصل دوي صوت انفجار مكتوم.
مع صباح الجمعة كان الغبار يغطي المدينة. والحركة شبه مستحيلة. وجرى تأجيل زيارة الأطيوش، والاقتراح بأداء الصلاة في مسجد قريب من وسط المدينة، على أن يكون اللقاء الصحافي معه بعد تحسن حالة الطقس أو في المساء. لكن مع أذان الظهر جاء النبأ بنجاته من محاولة اغتيال. يفترض أن الأطيوش يتحرك بسيارته الخاصة وهي سيارة مصفحة بدأ يعتمد عليها بعد دوره الكبير في موقعة استرداد الجيش للموانئ النفطية. خطة «الإرهابيين» الذين استهدفوه كانت كالآتي.. وضع سيارة مفخخة أمام المسجد وبالتحديد على جانب الطريق الذي سيأتي منه الأطيوش من منزله لصلاة الظهر هنا.
وحين تمر سيارته من جوار السيارة المفخخة يتم التفجير. لكن الظروف لعبت دورا. في هذه المرة لم يأت عميد قبيلة المغاربة بسيارته التي يعرفها المخططون للعملية، ولكنه جاء في سيارة عادية تخص أحد ضيوفه. ومرت بسلام من جوار السيارة المفخخة، إلا أن المخططين رأوا الأطيوش ينزل مع ضيفه فأسرعوا بتنفيذ عملية التفجير وهو يهم بدخول المسجد، ما أدى إلى إصابته في ذراعيه وقدميه وإصابة ضيفه واثنين آخرين أيضا. وأدت شدة الانفجار إلى تحطيم أربع سيارات وإصابة جدران المسجد ونوافذه بأضرار.
وهرع رجال الأمن والجيش إلى موقع الحادث وجرى نقل الرجل وضيفه والاثنين الآخرين إلى مركز بنغازي الطبي. ويقول ميلود الزوي القائد في قوات الصاعقة إن أحد المصابين الأربعة حالته حرجة. وبدأ يتوافد على المستشفى ألوف المهنئين بسلامته. وتحول بيت الأطيوش في منطقة سيدي فرج التي يقع فيها المسجد، إلى مزار لألوف الليبيين الرافضين لعودة الإرهاب مرة أخرى إلى بنغازي.
ووصف فتحي المجبري، عضو المجلس الرئاسي، محاولة الاغتيال بـ«الجبانة» وعدها محاولة لضرب الأمن الذي بدأ يترسخ بالفعل في بنغازي. كما أدان علي القطراني، عضو المجلس الرئاسي، العملية التي استهدفت الأطيوش ووصفها بأنها محاولة من الجماعات الإرهابية لإسكات صوت شجاع مدافع عن قضايا الوطن وداعم للمؤسسات المدنية والعسكرية للدولة. ويعد المجبري والقطراني من أعضاء المجلس الرئاسي الرافضين للكثير من توجهات السراج وكوبلر فيما يتعلق بمستقبل ليبيا.
وفي المستشفى التي جرى تجديدها وعادت إلى العمل بعد أن كان المتطرفون يسيطرون عليها قبل عدة أشهر، بدأ الأطيوش بمعنويات مرتفعة رغم الجروح والضمادات التي تلف ذراعيه وقدميه. ويقول وهو يبتسم: لن يهزمنا الإرهاب.. سأنتظركم لإتمام الحوار الصحافي المرة المقبلة. لكن الطاقم الطبي كان يجهز لنقله عبر الطائرة لاستكمال علاجه في الخارج. ومن جانبها تواصل السلطات في بنغازي التحقيق في الواقعة، حيث جرى القبض على عدة عشرات من المشتبه بعلاقتهم بالجماعات المتطرفة.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.