ارتباك في البنوك الهندية بعد قرار إلغاء «العملات الكبيرة».. والغضب يتصاعد

مودي فاجأ الجميع بخطوته الهادفة لمواجهة «الاقتصاد الأسود»

مئات من القرويين الهنود يتجمعون أمام أحد البنوك لتحويل الفئات الملغاة من العملة في عملية شهدت ارتباكًا وجدلاً وتصاعدًا للانتقادات (أ.ف.ب)
مئات من القرويين الهنود يتجمعون أمام أحد البنوك لتحويل الفئات الملغاة من العملة في عملية شهدت ارتباكًا وجدلاً وتصاعدًا للانتقادات (أ.ف.ب)
TT

ارتباك في البنوك الهندية بعد قرار إلغاء «العملات الكبيرة».. والغضب يتصاعد

مئات من القرويين الهنود يتجمعون أمام أحد البنوك لتحويل الفئات الملغاة من العملة في عملية شهدت ارتباكًا وجدلاً وتصاعدًا للانتقادات (أ.ف.ب)
مئات من القرويين الهنود يتجمعون أمام أحد البنوك لتحويل الفئات الملغاة من العملة في عملية شهدت ارتباكًا وجدلاً وتصاعدًا للانتقادات (أ.ف.ب)

تصاعد الغضب في الهند، أمس السبت، فيما كافحت البنوك لصرف نقود بعدما سحبت الحكومة أوراقا نقدية ذات فئة عالية، في خطوة صادمة تهدف إلى الكشف عن ثروات بمليارات الدولارات تتحقق من خلال التهرب الضريبي.
ووقف مئات الآلاف أمام البنوك لليوم الثالث، وانتظروا لساعات طويلة في محاولة لاستبدال الأوراق النقدية فئة 500 و1000 روبية التي ألغيت الأسبوع الماضي. وتمثل هذه الأوراق أكثر من 80 في المائة من العملة المتداولة، مما جعل الملايين دون نقود، وأنذر بتعطيل قطاعات كبيرة من الاقتصاد الهندي.
وقال أرفيند كيجريلوال، رئيس وزراء دلهي وخصم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إن «هناك فوضى في كل مكان». وأضاف أن الخطوة التي اتخذها مودي قلبت حياة الفقراء والعمال، فيما توصل الأغنياء الذين استهدف مودي ثرواتهم إلى ثغرات للالتفاف على القواعد الجديدة.
لكن مودي قال إنه سيواصل الحرب على الفساد والتهرب الضريبي، حتى وإن استدعى ذلك فحص سجلات ترجع إلى عقود. وقال في كلمة له أمس خلال زيارة إلى اليابان: «إذا تم اكتشاف تلك الأموال المخفية خلال حملة التطهير الحالية، فسيجري فحص حسابات المتهربين من الضرائب بأثر رجعي حتى تاريخ استقلال البلاد عام 1947، وإن لزم الأمر سأستأجر أناسا لهذه المهمة»، مضيفا أنه يدرك أن الناس تواجه مصاعب، حيث إن مرحلة الانتقال إلى السلسلة الجديدة من أوراق البنكنوت ما زالت جارية، لكنه أبدى ثقته بالتزام المواطنين بقرار جاء في إطار الحرب على الفساد ولتخليص الهند من فقر مزمن.
وبدوره قال وزير المالية أرون جايتلي، أمس، إن ضبط أجهزة الصرف الآلي، بحيث تتمكن من صرف أوراق البنكنوت الجديدة سيستغرق وقتا، موضحا أنها «عملية ضخمة ستستغرق وقتا».
وأغلقت قرابة نصف آلات الصراف الآلي في الهند البالغ عددها 202 ألف آلة يوم الجمعة (أول من أمس)، ونفدت الأوراق النقدية الجديدة المتوفرة لدى الآلات التي كانت تعمل مع تكالب كثيرين عليها. وقال تجار في سوق الخضراوات بدلهي إنهم يفكرون في إغلاق السوق، لأن النقود تنفد، والبنوك لا تصرف سوى كمية محدودة.
وطلبت الحكومة من المواطنين إعادة الروبية فئة 500 و1000 بحلول 30 ديسمبر (كانون الأول). وقال البنك المركزي إن البنوك لديها ما يكفي من النقود، وإنها أجرت ترتيبات لتوزيع الأوراق النقدية الجديدة على مستوى البلاد.
وتستهدف خطوة مودي التخلص من «الاقتصاد الأسود»، وهو وصف يستخدم على نطاق واسع لوصف التعاملات التي تحدث خارج القنوات الرسمية، والتي قد تمثل ما يصل إلى 20 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، وفقا لشركة أمبيت للاستثمار. وتذهب أموال الرشا وعوائد الجريمة أيضا إلى هذا الاقتصاد الخفي. وقال مودي إنه يرغب أيضا في القضاء على الأوراق النقدية المزورة فئة 500 و1000، التي يستخدمها المتشددون المناهضون للهند لتمويل أعمال عنف.
* خطوة مفاجئة
وكان مودي أعلن في قرار غير متوقع صدر في تمام الساعة الثامنة من مساء 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، إلغاء العمل بفئات البنكنوت من 500 و1000 روبية، مما يجعل 217 مليار دولار، أو ما يقارب 86 في المائة من قيمة العملة المحلية الهندية المتداولة حاليا أشبه بأوراق النفايات.
ولقد كانت تلك الخطوة قيد السرية العالية لدرجة أن كبار الوزراء في حكومة مودي لم يكونوا على علم مسبق بها. وكانت الرسالة الوحيدة التي بلغت بعض وكالات الأنباء، في وقت متأخر من ذلك اليوم، قد ظلت حبيسة العاصمة الهندية دلهي، ولم تكن تفيد إلا باقتراب الإعلان عن قرار عظيم التأثير في المستقبل القريب.
وفي خطاب تلفزيوني موجه إلى الأمة، أعلن مودي أنه اعتبارا من منتصف ليل يوم 8 نوفمبر (تشرين الثاني) سوف يتوقف العمل في عموم البلاد بفئات البنكنوت ذات 500 و1000 روبية، وأنها لم تعد من العملات المعترف بها قانونيا. كما أضاف مودي قائلا إن فئات البنكنوت الجديدة ذات الـ2000 روبية والـ500 روبية سوف يجري طرحها في الأسواق على نحو قريب.
ومع أن الموعد النهائي للمواطنين الهنود للإعلان عن مصادر الدخل غير المعلومة - والمعروفة رسميا باسم «خطة الإعلان عن الدخل» - قد انتهى في تاريخ 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، فلا يمكن الإعلان حاليا عن الأموال غير المعلن عنها قبل نهاية الموعد المحدد المذكور. فلقد انتهى التعامل والتداول بها كأموال اعتبارا من الآن، وبدلا من ذلك، فسوف تتحول إلى «أوراق بلا قيمة» كما سماها رئيس الوزراء مودي في خطابه الأخير إلى الشعب.
* حالة من الفوضى
ولقد أفضى الإعلان الرسمي الأخير إلى حالة من الفوضى والهلع بين الناس، حيث اندفعوا إلى أقرب ماكينات الصراف الآلي إليهم لاستبدال العملات الخاصة بهم وسحب العملات من فئة 100 روبية مكانها، من أجل تلبية احتياجاتهم اليومية، وحيث إن أغلب ماكينات الصراف الآلي مصممة لإخراج العملات من الفئات الكبيرة ذات الـ500 روبية وأعلى، كان الناس يسحبون العملات من الفئات الصغيرة وحتى 400 روبية لتجنب الحصول على العملات فئة الـ500 روبية الملغاة.
وكانت الخطوة المفاجئة مصممة بالأساس لجلب المليارات من الدولارات من الثروات غير المعلن عنها وضخها في التيار الرئيسي لاقتصاد البلاد، إلى جانب توجيه ضربة قوية لعمليات تمويل شبكات الإرهاب التي تستهدف الهند، والتي يُتشبه في استخدامها للعملات من فئة 500 روبية لتمويل العمليات الإرهابية في البلاد.
ويبلغ مقدار العملات من فئة 500 روبية نحو 120 مليار دولار تقريبا، بينما يبلغ مقدار العملات من فئة 1000 روبية نحو 97 مليار دولار، وفقا لتقديرات بيانات البنك المركزي الهندي. وقال مودي، في خطابه، إن تلك الخطوة كانت ضرورية من أجل القضاء على أموال السوق السوداء، والفساد، والإرهاب. وفي الوقت الذي سارعت فيه الجماهير لفك شفرة ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى حياتهم اليومية، كان هناك أمر شديد الوضوح؛ في الوقت الذي ترددت في الأصوات الساخطة مهددة بإسقاط الحكومة، اتخذت الحكومة قرارات صارمة لاحتواء الأصوات المترددة حولها.
ومن دون الإشارة إلى باكستان، أعلن رئيس الوزراء مودي عن إشارة واضحة إلى الإرهاب العابر للحدود الذي تموله العملات الورقية الهندية المزورة. وقال مودي في معرض خطابه: «عبر تاريخ البلاد من التنمية، هناك لحظات تكون الحاجة فيها ماسة وملحة لاتخاذ القرارات القوية والحاسمة. أموالكم سوف تكون أموالكم. وليس هناك ما يدعو للقلق بشأن ذلك. فلقد اتخذنا الترتيبات اللازمة لضمان ألا يكابد المواطنون إلا القدر الممكن من الصعوبات في ذلك».
* مواجهة الاقتصاد الأسود
ومن شأن الإعلان المفاجئ أن يؤثر بشكل مباشر على «الأموال السوداء» المكنزة من قبل المواطنين الهنود وغير المعلن عنها في إقرارات مصادر الدخل الرسمية، ومن المحتمل أن يدفعهم صوب أحد احتمالين: إما إيداع الأموال بعد تعريف أنفسهم إلى البنوك المحلية، وإما استبدال الأموال في الفترة بين 24 نوفمبر وحتى 30 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وقال مودي، في كلمته التي ألقاها على عجالة إلى الأمة في أعقاب اجتماع مجلس الوزراء الأخير، إن «الأموال السوداء والفساد من أكبر العقبات التي تواجهنا في القضاء على الفقر في البلاد». وأضاف أن المتطرفين الذين يعملون ضد الهند كانوا يستخدمون الأموال المزيفة من فئة 500 روبية، التي تبلغ قيمتها نحو 7.50 دولار وفق أسعار صرف العملات الحالية.
* آثار متباينة على النمو
وهناك ما يقرب من 40 في المائة من اقتصاد الهند يعتمد على الشركات المتوسطة والصغيرة والتي تستند إلى حد كبير إلى المعاملات النقدية. وقال خبراء الاقتصاد إن الخطوة الأخيرة المتخذة من شأنها إحداث تأثير كبير على تلك الشركات وأعمالها، كما أن لها تأثير الضربة القاضية على النمو الاقتصادي الهندي.
ومن شأن الخطوة الهندية الأخيرة أن ترجع بنتيجة ثانوية إيجابية.. إن الأفراد والأسر التي ليس لديها حساب مصرفي - التي تحتفظ بجميع أموالها نقدا في البيوت - سوف تضطر الآن إلى فتح الحسابات المصرفية لإيداع الأموال فيها، مما يجعل الإدماج المالي أمرا لا مفر منه ولكن بصورة غير مباشرة.
وصل حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم إلى السلطة في عام 2014. ووعد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي آنذاك بجلب أموال السوق السوداء إلى النظام المالي الاعتيادي في البلاد، ولكن النقاد قالوا إن الحزب فشل في الالتزام بوعوده، حيث أظهرت البيانات الحكومية الصادرة أن الاقتصاد النقدي يتفوق على الاقتصاد الرسمي في البلاد.
وأشار تقرير صادر عن مؤسسة النزاهة المالية العالمية البحثية الأميركية، ومقرها في واشنطن، يُقدر أن الهند قد خسرت ما قيمته 344 مليار دولار من التدفقات غير المشروعة للأموال بين عامي 2002 و2011. ويُعزى بعض التراخي في التعامل بالعملات من فئة 500 و1000 روبية إلى حسابات تتعلق بمواقف أخرى.
وقالت وزارة المالية الهندية، إن الهند سوف تطرح أوراق البنكنوت الجديدة من فئات 500 روبية و2000 روبية اعتبارا من 10 نوفمبر. وأتيحت للمواطنين نافذة من الوقت تبلغ 50 يوما لإعادة أوراق البنكنوت القديمة إلى البنوك ومكاتب البريد.
ووفقا للحسابات الأساسية، من خلال الحد اليومي البالغ 4000 روبية، يمكن استبدال ما يقرب من 60 ألف روبية لكل شخص، في الفترة بين 10 وحتى 24 نوفمبر الجاري. ومن 24 نوفمبر وحتى نهاية المهلة المحددة، سوف تشهد عملية الاستبدال سهولة في التعامل، مما يعني زيادة مطردة في الحد الأقصى المتوقع للاستبدال اليومي. ومع ذلك، فليس هناك حد أقصى لاستبدال العملات لكل مواطن.
* القطاعات الأكثر تضررًا
من المتوقع أن تكون الشركات العقارية هي الأكثر تضررا بسبب الحظر المفروض على التعامل بالعملات الورقية ذات الفئات العالية من قبل الحكومة، وهو الحظر الذي وصف بأنه «الضربة القاصمة» للأموال السوداء. وصرحت شركة كوتاك للأوراق المالية والوساطة العقارية في تصريح لها: «سوف يتأثر الأفراد من أصحاب المبالغ النقدية الكبيرة بالعملات الورقية الملغاة، نتيجة القرار الحكومي الأخير. وفي مجال العقارات، فإننا نعتقد أن أغلب الأموال المستخدمة في الصفقات العقارية، من جانب الشركات أو الأفراد، والبائعين، سوف تحمل صفة المبالغ النقدية غير المعلن عنها. ولما بعد (خطة الإعلان عن الدخل) لعام 2016، والمرسوم الحكومي الأخير، فإننا نعتقد أنه سوف يكون من الصعب للغاية عليهم تهيئة مواقفهم بمثل تلك المبالغ النقدية الكبيرة».
* هجوم على أسلوب التطبيق
ولقد أثار القرار الحكومي كثيرا من ردود الفعل المتباينة من جانب السياسيين الهنود، حيث كان كثير منهم يُثمن القرار الحكومي ضد الأموال السوداء واصفين إياه بالخطوة الإيجابية. ورغم ذلك، فإنهم قد هاجموا الطريقة التي يجري بها تنفيذ القرار، حيث وصف رئيس وزراء ولاية البنغال الغربية ماماتا بانجيري القرار بقوله: «درامي وخطير»، وقال إن القرار غير رحيم بالمرة، ويعتبر ضربة قوية وصارمة ضد الناس العاديين وأبناء الطبقة الوسطى في البلاد باسم مكافحة الفساد.
وانتقد حزب المؤتمر الهندي المعارض قرار الحكومة الأخير، وقال إن هكذا خطوة لن تجلب إلا اليأس والإحباط بين جموع المواطنين، وفي وسط موسم المهرجانات وحفلات الزفاف. وعلق المتحدث الرسمي باسم حزب المؤتمر الهندي المعارض، رانديب سينغ سورجيوالا، مذكرا الجميع بأن المزارعين قد حصدوا محاصيل الأرز لتوهم، وأن موسم زراعة القمح على وشك أن يبدأ، وأضاف قائلا: «يشتري المزارع الأسمدة والبذور ويحتاج إلى كثير من الأموال لذلك. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هكذا خطوة سوف تؤثر على ربات البيوت اللاتي يستعددن لحفلات الزفاف وللاحتفال بالمهرجانات».
وقال المتحدث الرسمي باسم حزب المؤتمر الهندي المعارض أيضا، إن أصحاب المتاجر الصغيرة وأصحاب الشركات والمشروعات المتوسطة خصوصا في المناطق الريفية النائية البعيدة عن النظم المصرفية الحضرية سوف يتأثرون بشدة. وأضاف أن الخطوة الحكومية جاءت من دون الإعداد والتحضير الكافي، وقال إن النظام المصرفي الهندي لم يكن مستعدا بعد لاستيعاب قرار الحكومة الأخير.
* تبريرات حكومية
وقال البنك المركزي الهندي، إثر وصفه للخطوة الأخيرة، إنها خطوة جريئة وصارمة ضد الفساد والأموال السوداء.. إن السبب الأكثر أهمية في الحظر الحكومي المعلن يرجع إلى الارتفاع غير الطبيعي في العملات المزيفة في البلاد من الفئات الكبيرة، وارتفاع معدلات الأموال السوداء أيضا في النظام المصرفي الهندي.
وألحق أورجيت باتيل، محافظ البنك المركزي الهندي، القرار الحكومي الأخير باستخدام الفئات الكبيرة من البنكنوت في تمويل العمليات الإرهابية والاحتفاظ بالأموال لدى المواطنين كذلك.
وفي الأثناء ذاتها، أوضح وزير المالية أرون جايتلي، أنه إذا كانت الأموال مشروعة وتم سحبها من قبل من المصارف أو اكتسبت وحُفظت بطرق قانونية وتم الإعلان عنها، فليس هناك ما يدعو إلى القلق بشأنها، ولكنها إذا كانت أموالا غير مشروعة، فلا بد من الإعلان عن المصدر، وإذا كانت أموال الجرائم، أو أموال الرشا، فهناك بكل تأكيد مشكلة.
وأضاف وزير المالية الهندي، أن الخطوة الحكومية من شأنها أن تجعل مزيدا ومزيدا من المعاملات المالية تجري بصورة رقمية، وأضاف أن المواطنين سوف يعلنون الآن عن مصادر الدخل ويسددون الضرائب عنها، وقال مردفا: «سوف تتحول الهند إلى مجتمع متوافق مع الضرائب».
ومع ذلك، فإن ربات البيوت، والمزارعين، وأولئك الذين تندرج دخولهم السنوية ضمن حدود الإعفاءات الضريبية، قد لا يكونون تحت رقابة السلطات الضريبية في البلاد حين إيداع ما يصل إلى 250 ألف روبية من الفئات الكبيرة الملغاة بالقرار الأخير في حساباتهم المصرفية.
* لماذا المفاجأة؟
وقال أحد المسؤولين الحكوميين، إن الخطوة الحكومية الأخيرة كانت ضرورية للغاية لإيقاف مسارات الشبكات الإرهابية وتكتلات تجارة وتهريب المخدرات. وقال المسؤول الحكومي عن ذلك: «كان عنصر المفاجأة ضروريا، ولولاه لكانوا قد قاموا بترتيبات لازمة لأعمالهم غير المشروعة». ووصف المسؤول الحكومي القرار بأنه «قاس»، حيث لزم «إزالة الورم» حتى لا ينتشر ويتكرر حدوثه.



قفزة في صادرات السعودية غير النفطية تُعزز موقعها التجاري عالمياً

مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
TT

قفزة في صادرات السعودية غير النفطية تُعزز موقعها التجاري عالمياً

مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

سجّلت الصادرات السعودية غير النفطية أداءً قوياً خلال شهر فبراير (شباط) 2026، مع تحقيقها نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 15.1 في المائة، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتعزيز قدرة المملكة على تنمية مصادر دخلها بعيداً عن النفط.

ويأتي هذا النمو مدعوماً بتوسع القاعدة الإنتاجية وارتفاع تنافسية المنتجات الوطنية، إلى جانب استمرار الجهود الحكومية الرامية لدعم الصادرات وفتح أسواق جديدة، ما يُعزز مكانة السعودية لاعباً متنامياً في التجارة العالمية.

ويعكس هذا الارتفاع أيضاً مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة التحديات العالمية، بما في ذلك اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات الجيوسياسية؛ حيث استطاعت الصادرات غير النفطية الحفاظ على مسار نمو إيجابي مدعوماً بزيادة الطلب من الأسواق الإقليمية والدولية.

حراك تجاري

وكشفت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، الخميس، عن تسجيل الصادرات غير النفطية (التي تشمل السلع الوطنية وإعادة التصدير) نمواً قوياً بنسبة 15.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. ويعكس هذا الارتفاع الإجمالي حالة الحراك التجاري المتزايد في المملكة.

وفي تفاصيل الأرقام، أظهرت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) نمواً مطرداً بنسبة 6.3 في المائة، وهو ما يُشير إلى استمرار توسع القاعدة الإنتاجية للصناعة السعودية وقدرتها على النفاذ للأسواق العالمية. إلا أن المحرك الأكبر للنمو الإجمالي في القطاع غير النفطي كان نشاط إعادة التصدير، الذي حقق قفزة استثنائية بلغت 28.5 في المائة خلال الفترة نفسها.

وقد تركز هذا النشاط بشكل كثيف في قطاع «الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية»، الذي سجل نمواً منفرداً في هذا البند بنسبة 59.9 في المائة، ما جعل المملكة مركزاً لوجستياً نشطاً لتداول هذه المعدات في المنطقة.

الصادرات الكلية

وعلى صعيد الصادرات الكلية، بلغت القيمة الإجمالية للصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية) 99 مليار ريال (نحو 26.4 مليار دولار)، بزيادة سنوية قدرها 4.7 في المائة.

وفي حين سجلت الصادرات النفطية نمواً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة، فإن حصتها من إجمالي الصادرات تراجعت لتستقر عند 68.7 في المائة، ما يفسح المجال أمام القطاعات غير النفطية لتلعب دوراً أكبر في الميزان التجاري.

الواردات

وفي جانب الواردات، سجلت المملكة ارتفاعاً بنسبة 6.6 في المائة، لتصل قيمتها إلى 76 مليار ريال (نحو 20.27 مليار دولار)، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض طفيف بنسبة 1 في المائة في فائض الميزان التجاري، ليبلغ 23 مليار ريال (نحو 6.13 مليار دولار).

وعند تحليل السلع القائدة، برزت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية بوصفها أهم السلع التصديرية غير النفطية، مستحوذة على 25.5 في المائة من الإجمالي، تليها منتجات الصناعات الكيميائية التي واصلت أداءها القوي بنمو قدره 17.6 في المائة.

ومن حيث الشراكات الدولية، فقد حافظت الصين على موقعها بوصفها شريكاً تجارياً أول للمملكة، مستحوذة على 13.7 في المائة من إجمالي الصادرات، و29.8 في المائة من إجمالي الواردات، تلتها الإمارات واليابان.

المنافذ الحيوية

لوجستياً، لعبت المنافذ الحيوية للمملكة دوراً محورياً في تسهيل هذه التدفقات؛ حيث تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ دخول الواردات بحصة قاربت الربع، في حين برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة بوصفه أبرز نافذة للتصدير غير النفطي بحصة 18.9 في المائة.

حاويات في موانئ السعودية (واس)

السياسات الاقتصادية

وقال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، إن الأرقام أظهرت زيادة ملحوظة في صادرات المملكة غير النفطية بنسبة 15.1 في المائة خلال فبراير الماضي، وهو ارتفاع يُشير إلى نمو في هذه القطاعات، ويعكس جهود البلاد في تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.

وأكد الشهري، أن هذا النمو جاء نتيجة تحسين السياسات الاقتصادية، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الصناعية والخدمية، وتوسيع العلاقات التجارية مع الدول الأخرى.

وأوضح أن تنويع مصادر الدخل الاقتصادي أسهم في الأداء القياسي للصادرات غير النفطية، مدعومة بسلسلة من الإجراءات والأنظمة والتشريعات المحفزة للقطاع الخاص المحلي، ما انعكس على أداء الإنتاج والتصدير إلى الأسواق العالمية.

القاعدة الصناعية

وأكمل الشهري أن هذا الأداء يعود إلى عدة عوامل، أبرزها توسّع القاعدة الصناعية، وتحسن تنافسية المنتجات الوطنية، إلى جانب الجهود الحكومية في دعم الصادرات عبر برامج تحفيزية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخارجية.

ووفق الشهري، فإن نمو إعادة التصدير يُعزى إلى موقع المملكة الاستراتيجي بوصفه مركز عبور للسلع، خصوصاً الآلات والمعدات نحو الخليج، إضافة إلى اتفاقيات التجارة وتسهيلات الجمارك، وهذا النمو يعكس الطلب الإقليمي، وبشكل خاص، للمشروعات الصناعية والرأسمالية. وتشير هذه البيانات إلى تحسن الإنتاج المحلي في قطاعات التصنيع.

التسهيلات اللوجستية

من ناحيته، ذكر المختص في الاقتصاد، أحمد الجبير لـ«الشرق الأوسط»، أن الصادرات غير النفطية تعيش طفرة كبيرة مصحوبة بالمحفزات الوطنية التي أسهمت في هذا الأداء المميز، وتوسيع انتشار المنتجات السعودية في الأسواق الدولية، نتيجة التسهيلات اللوجستية عبر جميع منافذ المملكة.

وتظهر الأرقام نمواً لافتاً للصادرات غير النفطية التي تؤكد مسار المملكة الصحيح في نهجها المرسوم نحو تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على منتج القطاع النفطي، وهو دليل على متانة الاقتصاد السعودي الذي بات يتصدى لكل الصدمات العالمية، حسب الجبير.

وأضاف أن نمو الصادرات السعودية غير النفطية بنسبة 15.1 في المائة يعكس استمرار التحول الهيكلي الذي يقوده الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط؛ حيث باتت القطاعات الصناعية والتصديرية غير النفطية أكثر قدرة على اقتناص الفرص في الأسواق العالمية.

واستطرد الجبير: «كما يُشير هذا النمو إلى نجاح السياسات المرتبطة بتنمية المحتوى المحلي، وتعزيز سلاسل الإمداد، ما أسهم في رفع القيمة المضافة للمنتجات السعودية وزيادة حضورها في التجارة الدولية».


رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
TT

رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)

أكد رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، يوم الخميس، أنَّ اقتصاد بلاده مرشُّح للتأثر بشكل كبير بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنَّ متانة الوضع المالي للدولة تتيح للحكومة الاستعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم الاقتصاد عند الحاجة.

واتخذت الحكومة اليمينية، التي تستعدُّ لخوض الانتخابات العامة في منتصف سبتمبر (أيلول)، خطوات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة، شملت إقرار زيادة مؤقتة في دعم الكهرباء بقيمة 2.4 مليار كرونة (260 مليون دولار)، إلى جانب خفض ضرائب الوقود بنحو 1.6 مليار كرونة، وفق «رويترز».

وقال كريسترسون، خلال مؤتمر صحافي: «لدينا الجاهزية والقدرة على اتخاذ مزيد من الإجراءات»، مضيفاً: «اقتصادنا في وضع قوي يتيح لنا التدخل عند الضرورة».

كما تقدَّمت السويد، التي تتمتع بمستويات دين عام منخفضة مقارنة بمعظم الدول الأوروبية، بطلب إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على موافقة لخفض إضافي في ضرائب الوقود بنحو 8 مليارات كرونة.

وفي السياق ذاته، أشار محافظ البنك المركزي السويدي، إريك ثيدين، إلى أنَّ مخاطر ارتفاع التضخم بوتيرة تفوق التوقعات السابقة لبنك «ريكسبانك» قد ازدادت، في ظلِّ التأثيرات السلبية للحرب في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي.

ورغم ازدياد حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم والنمو، فإنَّ بيانات أظهرت صدرت في وقت سابق من هذا الشهر بقاء معدلات التضخم منخفضة خلال مارس (آذار)؛ ما يمنح البنك المركزي هامشاً أوسع للمناورة في سياسته النقدية على المدى القصير.

في غضون ذلك، استقرَّ سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، بعدما عاد إلى تسجيل مستويات ثلاثية الأرقام في الجلسة السابقة لأول مرة منذ أسبوعين.

من جانبها، أوضحت وزيرة المالية، إليزابيث سفانتسون، أنَّ السويد قد تضطر إلى خفض استهلاك الطاقة إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، مؤكدة في الوقت نفسه أنَّ تقنين البنزين لن يكون الخيار الأول.

وأضافت: «هذا السيناريو نسعى جاهدين لتفاديه».


بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
TT

بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)

أجبر إغلاق مضيق «هرمز» صُنّاع السياسات في آسيا على إعادة طرح تساؤلات تتعلق بأمن الممرات البحرية الحيوية الأخرى، بما في ذلك مضيق ملقة، الذي يُعدُّ الأكثر ازدحاماً في العالم.

ما هو مضيق ملقة؟

يمتد مضيق ملقة لمسافة نحو 900 كيلومتر، وتحيط به إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويُعدُّ أقصر مسار ملاحي يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.

ويُقدِّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنَّ نحو 22 في المائة من التجارة البحرية العالمية تمرُّ عبر هذا الممر الحيوي، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المتجهة من الشرق الأوسط إلى اقتصادات كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ذات الطلب المرتفع على الطاقة، وفق «رويترز».

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أنَّ مضيق ملقة هو أكبر «ممر لعبور النفط» في العالم، والوحيد الذي تتجاوز فيه كميات النفط المنقولة ما يمرُّ عبر مضيق «هرمز».

وخلال النصف الأول من عام 2025، مرَّ عبر المضيق نحو 23.2 مليون برميل يومياً من النفط، ما يمثِّل 29 في المائة من إجمالي التدفقات النفطية المنقولة بحراً. وفي المقابل، جاء مضيق «هرمز» في المرتبة الثانية بنحو 20.9 مليون برميل يومياً.

وأظهرت بيانات إدارة الملاحة البحرية في ماليزيا أنَّ أكثر من 102500 سفينة، معظمها تجارية، عبرت مضيق ملقة في عام 2025، مقارنة بنحو 94300 سفينة في عام 2024. وتشمل هذه الأرقام عدداً كبيراً من ناقلات النفط، رغم أنَّ بعض السفن العملاقة تتجنب المضيق؛ بسبب قيود العمق، متجهةً إلى مسارات بديلة جنوب إندونيسيا.

ورغم أنَّ هذه المسارات البديلة تتيح تجاوز المضيق في حال إغلاقه، فإنها تؤدي إلى إطالة زمن الرحلات، ما قد ينعكس على تأخير الشحنات وارتفاع التكاليف.

ما أبرز المخاوف المتعلقة بالمضيق؟

في أضيق نقاطه ضمن قناة فيليبس بمضيق سنغافورة، لا يتجاوز عرض مضيق ملقة 2.7 كيلومتر، ما يجعله نقطة اختناق بحرية حساسة، إضافة إلى مخاطر التصادم أو الجنوح أو تسرب النفط.

كما أنَّ أجزاء من المضيق ضحلة نسبياً، بعمق يتراوح بين 25 و27 متراً، ما يفرض قيوداً على عبور السفن العملاقة. ومع ذلك، تستطيع حتى ناقلات النفط العملاقة التي يتجاوز طولها 350 متراً وعرضها 60 متراً وغاطسها 20 متراً المرور عبره.

وعلى مدى سنوات، تعرَّض المضيق لحوادث قرصنة وهجمات على السفن التجارية. ووفق «مركز تبادل المعلومات»، التابع لاتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا، سُجِّلت 104 حوادث إجرامية على الأقل العام الماضي، مع تراجعها خلال الرُّبع الأول من العام الحالي.

ويكتسب المضيق أهميةً استراتيجيةً خاصةً بالنسبة للصين، إذ يمرُّ عبره نحو 75 في المائة من وارداتها من النفط الخام المنقول بحراً من الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق بيانات شركة «فورتكسا» لتتبع ناقلات النفط.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى أنَّ أزمة إيران أعادت تسليط الضوء على مخاوف قديمة تتعلق بتأثر ممرات حيوية مثل ملقة في حال اندلاع صراعات في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث تمرُّ نحو 21 في المائة من التجارة البحرية العالمية.

كما تشير السلطات في ماليزيا إلى أنَّ مضيق ملقة أصبح أيضاً بؤرة متنامية لعمليات نقل غير قانونية للنفط بين السفن في عرض البحر؛ بهدف إخفاء مصدر الشحنات.