بعد أكثر من عامين وأربعة أشهر من سيطرة «داعش» على منطقة كوكجلي، إحدى أكبر أحياء الجانب الأيسر من الموصل، استطاع المواطن الموصلي علي جاسم (56 عاما) أخيرا من أن يدخن أول سيجارة بحرية بمساعدة قوات مكافحة الإرهاب العراقية التي حررت منطقته من تنظيم داعش في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. فالتنظيم الإرهابي يمنع التدخين في المناطق الخاضعة لسيطرته. فيما يتيح لمسلحيه فقط الاتجار بالسجائر وبيعها بأسعار خيالية تبلغ أضعاف أضعاف أسعارها في الأسواق العراقية، ويحاسب المواطنين البسطاء بالجلد والتغريم فيما إذا ضبطوا وهم يدخنون.
مواطنو الموصل الذين نزحوا بمساعدة القوات العراقية إلى مخيمات إقليم كردستان العراق لحين استكمال تطهير مناطقهم من العبوات الناسفة، يصفون الحياة في ظل سيطرة التنظيم بـ«العيش في الجحيم» في إطار قوانين وعقوبات إجرامية كانت تستهدفهم في أبسط الخطوات دون أن يستثني التنظيم النساء والأطفال وكبار السن.
«الشرق الأوسط» كانت حاضرة عندما وصلت دفعة من نازحي الموصل إلى مخيمي حسن شامي والخازر اللذين يقعان على بعد 50 كيلومترا غرب مدينة أربيل، أي على الطريق العام الواصل بين أربيل والموصل. حافلات تابعة لوزارة النقل العراقية تتولى عملية نقل المواطنين القادمين من الموصل، بعد أن تستلمهم من القوات الأمنية، إلى مخيمات النزوح لإيوائهم فيها لحين استكمال عمليات تأمين وتطهير مناطقهم وإبعاد الخطر عنها.
وتعمل قوات مكافحة الإرهاب والجيش والقوات الأمنية الأخرى على إجلاء المدنين من خطوط التماس وتؤمن لهم ممرا آمنا لحين إيصالهم إلى المناطق الآمنة، حيث ينهون إجراءاتهم الأمنية للتأكد من عدم تورطهم مع «داعش»، وعدم مشاركتهم في جرائم التنظيم، علما بأن مسلحي «داعش» يحاولون التسلل ضمن المدنيين إلى المناطق الآمنة لتنفيذ عمليات إرهابية.
ويقول النازح علي جاسم وآثار التعب والخوف على وجهه «أشعر بأني ولدت من جديد، لقد تخلصنا من مسلحي (داعش) الذين كانوا يهينوننا قياما وقعودا». ويتابع جاسم، الذي كان معلما قبل سيطرة التنظيم على الموصل في يونيو (حزيران) من عام 2014: «كنا أمواتا لكننا أحياء، كنا نعاني الابتزاز والتجويع والقتل والتهجير، وهلكنا من الجباية التي كان التنظيم يفرضه علينا بالقوة». ويروي جاسم الذي أطلق لحيته خوفا من مسلحي التنظيم، تفاصيل أخرى من الحياة في ظل «داعش»، ويقول: «انظر إلى لحيتي، هذه لو قطعت منها نصف إصبع فإنني كنت سأعاقب بخمسين جلدة أمام الناس، والسجن لمدة خمسة أيام ودفع غرامة 50 ألف دينار عراقي (نحو 40 دولارا أميركيا). من أين آتي بهذا المبلغ في ظل البطالة والجوع الذي جلبه التنظيم لنا؟ والعقوبة نفسها لمن يطيل شاربه أيضا».
ويشير جاسم إلى أن التنظيم كان يبحث عن حجة ليأخذ الأموال من الناس؛ لذا كان يعاقب ويُغرم ويجلد على أبسط الخطوات، مضيفا: «كنا نفضل الموت يوميا بدلا من العيش في ظل حكم هؤلاء الإرهابيين الذين لا يعرفون الأخلاق والقيم والشرائع».
ويتابع جاسم «تعرضت للاعتقال من قبل أمنية التنظيم وحولوني إلى المجلس التحقيقي؛ لأنني امتنعت عن تدريس مناهج التنظيم، وحققوا معي عن أسباب الامتناع فأبلغتهم بأنني مريض ولا أستطيع مزاولة التدريس، فأعطوني استمارة فيها ثلاثة خيارات، وهي ترغب أم لا ترغب أم إجازة دراسية؛ لذا اخترت، من الخوف، الإجازة الدراسية لأنني لو اخترت لا أرغب فيعني أنني لا أرغب في التنظيم، وحينها أتعرض للقتل».
وشيدت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية مجموعة من المخيمات في إقليم كردستان العراق، خصوصا في محافظتي أربيل ودهوك المحاذيتين لمدينة الموصل، حيث تحتضن أربيل مخيمات ديبكة والخازر وحسن شامي، وتحتضن دهوك مخيم زيلكان، فيما يستقبل مخيم الجدعة في القيارة جنوب الموصل النازحين القادمين من المناطق الجنوبية للمحافظة. وبحسب أحدث إحصائية لوزارة الهجرة والمهجرين بلغ النازحين القادمين من الموصل منذ انطلاقة عملية تحريره وحتى الآن نحو 43.407 نازحين.
بدوره، يوضح المواطن أبو مروان: «مسلحو (داعش) كانوا يحاسبوننا على كل شيء، أطفالنا حرموا بسبب التنظيم من المدارس لمدة ثلاثة أعوام بسبب المناهج الجديدة التي عممها التنظيم على المدارس وهذه المناهج كانت تحرض على القتل والعنف والتشدد، وكان التنظيم يبيع هذه المناهج للطلبة مقابل مبالغ مالية كانت تصل في بعض الحالات إلى خمسين ألف دينار عراقي مقابل الكتب التي طبعها التنظيم»، مشيرا إلى أن التنظيم كان يشجع الشباب على الالتحاق بصفوفه وخوض المعارك بعد تلقي التدريبات العسكرية في معسكراته المنتشرة في أنحاء الموصل كافة. وأضاف: «التنظيم كان يشن باستمرار حملات اعتقال واسعة في صفوف أبناء الموصل، خصوصا الشباب، ويلفق لهم التهم، وكانت يعتقل كل من يشك به، ويتعرض المعتقلون إلى تعذيب وضرب وكسر الأيدي والأضلع والأرجل، حتى أن البعض من المعتقلين توفوا أثناء التعذيب»، مؤكدا أن المرأة الموصلية «كانت مجبرة على ارتداء الخمار في ظل (داعش) حتى في المنزل ومن لم تلتزم كانت تتعرض هي وزوجها إلى الاعتقال والجلد والتغريم أيضا».
أما شيماء عزيز، المواطنة الموصلية المنقبة، فقالت: «حُرمت من التعليم بسبب (داعش)، عندما سيطر التنظيم على الموصل كنت في الصف الثالث المتوسط، لكن والدي وإخواني منعوني من الذهاب إلى المدرسة؛ حالي حال الفتيات الأخريات؛ لأن مسلحي التنظيم كانوا يتحرشون بالفتيات ويخطفونهن من المدارس، ومن ثم يجبرَن على الزواج من مجموعة من المسلحين، وفي النهاية تباع أو تتعرض للقتل من قبل أحد هؤلاء المسلحين».
11:9 دقيقه
«جحيم داعش».. روايات هاربين من الموصل
https://aawsat.com/home/article/782806/%C2%AB%D8%AC%D8%AD%D9%8A%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%C2%BB-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%87%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84
«جحيم داعش».. روايات هاربين من الموصل
نازحون لـ«الشرق الأوسط»: كنا أحياء لكن أموات
هاربون من الجانب الأيمن للموصل لدى وصولهم إلى مخيم للنازحين غربي أربيل («الشرق الأوسط})
- الموصل: دلشاد عبد الله
- الموصل: دلشاد عبد الله
«جحيم داعش».. روايات هاربين من الموصل
هاربون من الجانب الأيمن للموصل لدى وصولهم إلى مخيم للنازحين غربي أربيل («الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



