كانت استطلاعات الرأي مبشرة في الأيام الأخيرة لحملة هيلاري كلينتون. وفي يوم الانتخابات سادت أجواء احتفالية مكانا تجمع فيه أصدقاء في منزل بحي إيكو بارك في لوس أنجليس، لكن مع حلول الساعة العاشرة مساء بدأ القلق يدب في أوصال الحاضرين مع تساقط الولايات الأميركية واحدة تلو الأخرى بين يدي دونالد ترامب.
كان دونالد ترامب على حق. وكان آخرون لا حصر لهم على باطل.
فكل المثقفين وخبراء استطلاعات الرأي الذين قالوا: إن ترامب نجم تلفزيون الواقع السابق لا يستطيع الفوز بالرئاسة الأميركية وكذلك الجمهوريون الذين تحاشوه وقيادات قطاع الأعمال الذين نددوا به والديمقراطيون الذين هاجموه فشلوا جميعا في استيعاب عمق ما تمتع به من تأييد.
المعلمة لورا ماكوتشيون، قالت إنها ما زالت تحاول فهم ما حدث. وأضافت في تحقيق لوكالة «رويترز»: «كنت أخشى أن يكون هناك ناخبون خارج مراكز الاقتراع لم يتمكنوا من الإدلاء بأصواتهم». ومضت تقول: «لا أستطيع فهم كيف يعتقد الناس أن ترامب هو الحل. إذا كانوا مستاءين من النظام.. كيف يكون هو البديل».
وذكرت تقارير أن مؤيدي كلينتون في بعض معاقل الحزب الديمقراطي يشعرون بصدمة من فوزر ترامب. ويشعر هؤلاء بالانزعاج من خطأ حساباتهم بقدر كبير جدا، ويتساءلون كيف سيتعاملون مع السنوات الأربع المقبلة؟
وتحدث كثير من مؤيدي كلينتون عن كيف كانت حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي حافلة بالدعم لكلينتون، وأنهم كانوا على اتصال محدود بمؤيدي ترامب وسط مناخ سياسي يتسم بالاستقطاب على نحو متزايد.
وقالت دينا بيولي، وهي محامية من ضاحية أوتر صن ست في سان فرنسيسكو، إنها نادرا ما تحدثت مع أشخاص لا يدعمون كلينتون، وإنها تشعر بالندم على ذلك الآن.
وقال ترامب، في خطاب النصر الذي ألقاه الأربعاء الماضي: «حملتنا لم تكن حملة بل حركة مدهشة رائعة». كانت حركة حافزها شعورا بالسخط. فقد أظهر استطلاع «رويترز» - «إبسوس» يوم الانتخابات، أن من الواضح أن أغلب الأميركيين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع كان لديهم شعور بالغضب من الاتجاه الذي تسير فيه البلاد.
وقال ستة من بين كل عشرة، إنهم يشعرون بأن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. وقال 58 في المائة، إنهم «لا يستطيعون على نحو متزايد التعرف على الصورة التي أصبحت عليها أميركا»، وقال 75 في المائة، إن «أميركا تحتاج إلى زعيم قوي لاسترداد البلاد» من الأثرياء.
وفي حملة انتخابية مريرة اتسمت بالانقسامات اجتاز ترامب سلسلة من العوائق كان من الممكن أن تقضي على فرص أي مرشح آخر. منها تسجيل صوتي تحدث فيه عن تحسس أجساد النساء، ورفضه نشر بيانات دخله الخاضع للضرائب، وأعمال عنف في لقاءاته الجماهيرية، وسخريته من صحافي معوق، وهجماته على قاض اتحادي وعلى أسرة جندي أميركي قتل في العراق.
وقال فورد أوكونيل، خبير الاستراتيجية الجمهوري الذي أيد ترامب منذ فترة طويلة: «كان مرشحا له عيوبه برسالة شبه مثالية. لا أعتقد أن كثيرين فهموا ذلك».
وفي عام أبدى فيه الناخبون في الولايات المتحدة وخارجها امتعاضهم من المؤسسة السياسية وعولمة الاقتصاد ورفاهية الشركات كان تخمين ترامب سليما أن بوسعه ركوب موجة الاستياء هذه إلى البيت الأبيض.
واستغل ترامب هوة متنامية في البلاد بين البيض والأقليات بين سكان المدن وسكان الريف بين المتعلمين خريجي الجامعات والطبقة العاملة. وتفوق ترامب على كلينتون بين الرجال البيض الذين لا يحملون شهادات جامعية بفارق 31 نقطة والبيض من النساء غير الحاصلات على شهادات جامعية بفارق 27 نقطة، وفقا لاستطلاع «رويترز» - «إبسوس».
كما استفاد من عيوب منافسته التي ظلت تلاحقها الأسئلة عن استخدامها جهاز خادم كومبيوتر لبريدها الإلكتروني الخاص في مراسلات حكومية أثناء شغلها منصب وزيرة الخارجية وأنشطة مؤسسة أسرتها الخيرية، في حين ظلت خلفيتها التي أخذت فيها مواقف مؤيدة للشركات تثير شكوك بعض الديمقراطيين وقللت حماسهم لدعمها.
وبدا أن هذا كلفها التأييد بين النساء وشباب الناخبين والأقليات، وكلها جماعات تمثل أهمية حاسمة لفوز الديمقراطيين. وفازت كلينتون بالفعل بتأييد هذه الجماعات، لكن بفارق أصغر من الفارق الذي هزم به الرئيس باراك أوباما منافسه المرشح الجمهوري ميت رومني عام 2012.
وأيد نحو 49 في المائة من النساء كلينتون أول امرأة يرشحها أحد الحزبين الرئيسيين لمنصب الرئيس، في حين أيدت 47 في المائة من النساء ترامب.
وبين النساء من سن 18 إلى 34 سنة أيدت 55 في المائة منهن كلينتون، في حين أيدت 38 في المائة منهن ترامب. وفي عام 2012 أيدت 62 في المائة من الشابات أوباما في حين أيدت 36 في المائة منهن رومني.
وأقبل الناخبون البيض خصوصا الرجال في المناطق الريفية على تأييد ترامب بأعداد قياسية. وحاز ترامب إعجاب الناخبين الساخطين على تجريف قطاع التصنيع في البلاد والخائفين من التغيرات السكانية في البلاد، وطرح رسالة شديدة اللهجة مناوئة للهجرة.
وحصل ترامب على 56 في المائة من أصوات البيض مقابل 39 في المائة لكلينتون. وهيمن بدرجة أكبر من ذلك في المناطق الريفية، حيث تفوق على كلينتون بفارق 27 نقطة.
وقدم ترامب وعودا كبيرة، منها أنه سيعيد الوظائف التي انتقلت إلى الخارج، ويعاقب الشركات التي تسند إنتاجا إلى شركات خارجية، وأنه سيعيد إلى البلاد الرخاء والأمن، وذلك رغم أن البطالة انخفضت دون خمسة في المائة.
ولم يحدث أن كانت التفاصيل الدقيقة من نقاط قوة ترامب. بل كان يستخدم رسالة تتلخص في عبارة «نحن في مواجهتهم» لبث الحماس بين الناخبين في مناطق لم يغامر معظم المرشحين الجمهوريين بدخولها ومناطق ريفية يشعر الناخبون فيها أن واشنطن تتجاهلهم.
وقال مات بورجيز، رئيس الحزب الجمهوري في ولاية أوهايو، إن ترامب على عكس رومني جعل الناخبين يشعرون بأهميتهم. وقال إنه قبل ترامب «لم نكن ننصت إلى ما يهتم به الناخبون فعلا».
وكان ترامب يهزأ بالحملات الواسعة لدفع الناخبين للتصويت التي تعتبر ضرورية لتنظيم حملة انتخابية ناجحة.
واعتمدت حملته بدلا من ذلك على شبكات غير رسمية بدرجة أكبر من الأنصار المتشددين لنشر الدعوة. وجادل مستشاروه بأنه سيعيد أعدادا كبيرة من الناخبين البيض المنبوذين إلى العملية السياسية، بما في ذلك ديمقراطيون من الطبقة العمالية في أماكن مثل ولاية بنسلفانيا.
وقبل ترامب لم يفز الجمهوريون في ولاية بنسلفانيا منذ عام 1988.
وقال كريج روبنسون، أحد المخضرمين في الحزب الجمهوري بولاية أيوا، إن الخبراء هونوا من مدى ما سيتمتع به ترامب في انتخابات الرئاسة من القوة التي تمتع بها في الانتخابات التمهيدية.
وقال روبنسون: «في انتخابات ثبت فيها أن الاعتقاد السائد خطأ المرة تلو الأخرى أقنعوا أنفسهم بأن الاعتقاد السائد سيسود في الانتخابات العامة».
تحالف من {المنسيين} .. طريق ترامب إلى البيت الأبيض
ستة من بين كل عشرة أميركيين يشعرون بأن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ
تحالف من {المنسيين} .. طريق ترامب إلى البيت الأبيض
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
