رقعة شطرنج الصراعات الانقلابية ـ الانقلابية في اليمن

محللون: الخلافات بين أتباع الحوثي وصالح انتقلت إلى «العلن» وعبر وسائلهم الإعلامية

طفلان يمنيان يحملان السلاح في تجمع لأتباع الحوثيين في صنعاء أمس (رويترز)
طفلان يمنيان يحملان السلاح في تجمع لأتباع الحوثيين في صنعاء أمس (رويترز)
TT

رقعة شطرنج الصراعات الانقلابية ـ الانقلابية في اليمن

طفلان يمنيان يحملان السلاح في تجمع لأتباع الحوثيين في صنعاء أمس (رويترز)
طفلان يمنيان يحملان السلاح في تجمع لأتباع الحوثيين في صنعاء أمس (رويترز)

قبل يومين، هاجمت مجموعة من المسلحين التابعين لجماعة الحوثي في إب، منزلا كانت تجتمع فيه قيادات مؤتمرية تابعة للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وأصيب خلال هذا الهجوم وكيل المحافظة وابنه.
قبل ثلاثة أيام، بدأت في صنعاء التي تقع تحت سيطرة معسكري الانقلاب (الحوثي وصالح)، سلسلة إضرابات عن العمل من قبل معلمين وموظفين مدنيين حانقين على انتقائية في صرف الرواتب.
قبل أسبوع، خرج قيادي حوثي في قناة «المسيرة» الحوثية، وقال ما نصه: «يجب أن نكبت المؤتمريين» ويقصد جماعة صالح، في حين رفض رئيس مجلس النواب المحسوب على علي صالح تسلم شيك المرتبات ناقصا، واتهم الحوثيين بالعبث بإرادة الدولة، متهما إياهم بالفساد والسرقة.
قبل شهرين، ضاقت الدنيا ذرعا بالحوثيين الذين استولوا منذ يوليو (تموز) على الحكم بالقوة، وانقلبوا على الرئيس الشرعي المنتخب عبد ربه منصور هادي، فلجأوا إلى حليفهم صالح (الذي حاربهم 6 حروب منذ منتصف التسعينات وحتى 2009)، فجاء المجلس السياسي المزعوم، لمحاولة لملمة ما بعثره الانقلاب من الدولة، ليصطدم مجددا بالخلافات وتتوقف حكومته المزعومة حتى عن التشكل.
كل ذلك، جزء مما يشبه رقعة شطرنج، للصراعات الانقلابية - الانقلابية المكشوفة في اليمن، تدفع بالمعسكرين إلى أن يقرضا نفسيهما بالتنافس على غنائم بلد يعاني من قبلهما، وبات على شفا مجاعة بعد سيطرتهما التي أخذت تضيق بسبب عمليات التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.
واعتبر محللون سياسيون تحدثت معهم «الشرق الأوسط» حول الصراع بين جماعتي الحوثي وصالح، بأن من يدفع الضريبة من هذا الصراع المواطن اليمني البسيط، لا سيما في المناطق التي تقع سيطرة الانقلاب، وهي لا تعد في أفضل التقديرات المنشورة أكثر من 20 في المائة.
لكن حساسية الوضع تكمن في أن العاصمة صنعاء بقيت تحت سيطرة الانقلاب، وهي جزء من سياسات صالح التي عززت من مركزيتها في إدارة الدولة.
«في الفترة الأخيرة تعمل الحوثية على تفكيك قوة حزب صالح وشبكاته في المجتمع والمؤسسات عبر سياسات مخطط لها، لمحاصرته ووضعه أمام خيار التبعية الكاملة لها أو المواجهة، ويبدو أن قدرات صالح وجماعته تزداد يوميا إنهاكا وضعفا»، ويقول نجيب غلاب وهو مستشار رئيس الوزراء اليمني، إن هذا الأمر وضع حليفهم صالح في زاوية الحصار وتحمل أعباء الانقلاب، وفي الوقت نفسه تآكل قوته لصالح الحوثية.
مؤشرات الصراع مكشوفة، «وهناك أخرى لم يكشف النقاب عنها بعد بين الجماعتين»، ويقول فيصل العواضي، وهو محلل سياسي يمني: «لقد برزت كثير من المؤشرات التي وصلت إلى الإعلام من الطرفين إلى أنهم يتناولون خلافاتهم بشكل علني، بل إن أحد قياديي الحوثي قال إنه لا بد من كبت المؤتمريين، وكان يتحدث عن خلافات حالت دون تشكيل الحكومة المزعومة، وطرحوا محددات مثل أن يكون محمد عبد السلام وزير الخارجية وعارف الزوكا نائبه، لأنه كان نائبه في وفد الانقلاب إلى المشاورات.. إضافة إلى أن شخصيات من (المؤتمر) تناولت جزءا من الخلافات مع الحوثيين مثل كامل الخوجادي وعادل الشجاع اللذين تحدثا عن الإقصاء والسرقات، وأن الحوثيين مارسوا السرقات دون أن يسلموا مرتبات الموظفين.
ويضيف مستشار رئيس الوزراء اليمني قائلا: «لقد تمكنت الحوثية من فرض سيطرة شمولية على مختلف القطاعات في العاصمة صنعاء، وكلما زادت قوتها ضعف حليفها الذي تماهى معها لإنجاز الانقلاب، وبنت الحوثية منظومة تنظيمية متحكمة بالمؤسسات من داخلها ومن خارجها، وأفرغت مصادر صناعة القرار من محتواها، وأصبحت فقط أداة موظفة في تقوية التنظيم الحوثي على حساب الدولة وحلفائها، ورغم كل ذلك وصلت الحوثية إلى حالة فشل تام، ولَم تتمكن من إدارة المؤسسات ولا تقديم الخدمات وإدارة حرب بتقنيات العصابات ضد الجميع، وهذا ولد غضبا شعبيا ضدها، وهذا دفعها إلى إعادة بناء تحالفها مع جناح صالح المؤتمري وشبكاته، ليكونوا شركاء فعليين إلا أن الحوثية تمكنت لاحقا من إفراغ المجلس السياسي وحولته إلى أداة لتمرير القرارات والسياسات التي كانت تقاومها المؤسسات، وجعلت منه أداة لتبييض جريمتها وما زالت ما يسمى اللجنة الثورية ولجانها هي المتحكم والمهيمن والحاكم الفعلي للانقلاب».
ويحاول الحوثيون عبثا ترويج مزاعمهم بأن نقل مقر البنك المركزي إلى عدن هو السبب في تأخير صرف الرواتب، لكن المواطنين لم يقتنعوا بذلك، وخرج عدد من الموظفين في التعليم وبقية الوظائف الحكومية يهددون بإضراب عن العمل، في حين أضرب بالفعل بعضهم وفقا لما ينشر في وسائل إعلام يمنية تابعة للطرفين.
ويقول السياسي اليمني مانع المطري: «سطا الانقلابيون على موارد الدولة ومدخراتها لتمويل حروبهم العبثية ولإشباع رغبات قادة الميليشيا في تحقيق الثراء، بل تجاوزوا ذلك في نهب الأموال الخاصة ومنازل المواطنين وفرض الجبايات عليهم، واليوم يعيش اليمنيون ظروفا اقتصادية صعبة نتيجة للواقع الفوضوي الذي فرضه الانقلاب».
وتجدر الإشارة إلى أن قرار الرئيس اليمني في سبتمبر (أيلول) بنقل البنك المركزي اليمني إلى عدن، كان ضربة موجعة للانقلاب، بعدما استنفدوا ما يربو على 4 مليارات دولار، ووجدت الحكومة أن احتياطاتها مهددة بالخطر.
وكان محافظ البنك المركزي اليمني الجديد منصر القعيطي أفصح في حوار مع «الشرق الأوسط» عن أن التراكمات والأخطاء القانونية أدت إلى استنفاد الاحتياطي المحلي، وأن البنك تحت سيطرة الحوثيين استنفد الموارد التي تكونت على مدى سنوات طويلة في فترة قصيرة جدا، ويؤكد القعيطي أن مؤشرات التوقف عن الدفع بدأت في يوليو (تموز) 2016، وما قبله كان عجزا جزئيا في تسييل الأوراق المالية من أذون خزانة وسندات حكومية، وكان البنك جزئيا عاجزا عن الوفاء بها، وكان عاجزا عن توفير نقد محلي كاف، وفي أغسطس (آب) توقف البنك كليا حتى عن مرتبات موظفي الدولة، وأضاف: «لو انتظرنا قليلا لتوقفت كل أنظمة الدفع في الجمهورية، ومسار النظام المصرفي سيتحول إلى مسار معطل، وسينتج خروجا عن المسار النظامي، وسيجري البحث عن بدائل أخرى للدفع من ضمنها النقد الأجنبي».
وبالعودة إلى فيصل العواضي، فإنه يسرد خلافات لم تنتشر بعد في وسائل الإعلام، على حد قوله، ويستدل بما حصل قبل يومين في إب، إذ هجم مجموعة من الحوثيين على قيادات مؤتمرية كانت تجتمع في منزل الشيخ محمد حمود ، بالرصاص، وحصلت إصابة لوكيل المحافظة وهو من قيادات المؤتمريين التابعة لصالح.
ويضيف أن الخلاف على قيادة الحرس الجمهوري بات صراعا معلنا، «وهناك أنباء شبه مؤكدة عن سيطرة الحوثيين شبه الكاملة على غرفة عمليات الحرس الجمهوري}.
وحيال ذلك، يقول غلاب: «عملت الحوثية على فرض سيطرة قوية على الحرس الجمهوري، وسيطرت على مركز العمليات فيه، بعد أن خلخلت ولاءات ضباطه والجنود الموالين لصالح، وتعمل بشكل جاد على السيطرة الكاملة على قطاعات الحرس الجمهوري، وتمكنت من فرض سيطرة على جهاز الأمن القومي وجهاز الأمن السياسي والاستخبارات العسكرية، وحولتها إلى قطاعات تابعة للتنظيم، وحاصرت كل العناصر غير الموالية، وهذا وضع حليفهم وقواه في زاوية ضيقة وأصبحوا أشبه بالرهائن، وتمكنت الحوثية من بناء طوق عسكري وأمني على مراكز حلفائهم ومحاصرتهم خوفا من أي أعمال مضادة لهم.
المطري يعود بالقول إن «الانقلابيين ليسوا مؤهلين لإدارة دولة، وهدف الانقلاب منذ البداية تدمير مؤسسات الدولة في اليمن وتحويله إلى ساحة للفوضى لإقلاق أمن المنطقة من خلالها، خدمة للمخططات الخارجية الإيرانية، ولهذا ركزوا منذ البداية على هدم المؤسسات والبنية الإدارية للدولة، وأقصوا الكوادر المؤهلة داخل الجهاز الإداري وإحلال عناصر من الميليشيات بدلا عنها لا تفقه في إدارة الدولة شيء، إضافة إلى تعطيلهم الخدمات التي كانت تقدمها أجهزة الدولة للمواطنين».
بدأ الانقلاب يأكل نفسه وأخذ يتصدع، «كون صالح وجناحه في الحزب هم من مكنوا الحوثيين من السيطرة على المؤسسات وسلموهم مفاتيح البلد رغبة في الانتقام من الشعب الذي ثار عليهم في 2011، وانتقاما من المبادرة الخليجية التي حددت خريطة الانتقال السياسي في اليمن.. هم اليوم يجنون ثمار تهورهم وتسليمهم البلد إلى جماعة طائفية»، وفقا لمانع المطري الذي أضاف قائلا: «الحوثيون يعملون الآن على إزاحة كوادر جناح صالح من مواقع القرار بمؤسسات الإدارة العامة، وتحل بدلا عنها عناصر من الميليشيات، وفي المقابل تظهر قوة مقاومة من داخل جماعة صالح بعد أن أدركت أن مركب صالح غارق، وأن الحوثيين سيلتهمونهم، وهؤلاء لن يتمكنوا من مجابهة الحوثيين، ولا خيار لهم إلا أن ينصاعوا للشرعية التي بإمكانها دحر الجماعة الطائفية».
الصراع بين طرفي الانقلاب أصبح واضحا، وعملية ضبطه مستقبلا تعد صعبة، فهناك صراع في الجانب السياسي والإداري والاقتصادي والعسكري، وتزداد التناقضات بين الطرفين، فكلاهما يتربص للآخر ويعمل على استتباعه لتنفيذ أجنداته، ويبدو أن الحوثية حتى اللحظة تمكنت من توجيه ضربات أوصلت حليفها إلى قناعة أنها تخطط لابتلاع قوتها وهضمها في بنيتها، ومن يرفض ستتم معاقبته بالقسر والقهر. ويضيف غلاب، أن «جناح صالح في (المؤتمر) ترهل، وينطلق من مدرسة سياسية تقليدية في إدارة الصراع مع الداخل والخارج، ولم يعد يمتلك القدرة على المغامرة والقمار في حماية نفسه من حليفه، وهذا يدفعه إلى تهريب صراعه مع الحوثية بخطاب خميني باتجاه الشرعية والتحالف العربي لاستعادة الشرعية، إلا أن الحوثية مصممة على إنجاز مهمتها، لتكون المسيطر الشامل على الانقلاب، حتى لو أدى الأمر إلى عمليات تصفية للمعارضين، وهذا دفع الجناح الكهنوتي الأصولي المرتبط بالحوثية داخل (مؤتمر صالح) إلى المطالبة بجعل جناح صالح ملتحما بالحوثية لا حليفا، أي الانتقال إلى عملية دمج لقوة صالح وشبكاته في بنية الحوثية لإنهاء الصراع الذي أصبح إجباريا».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.