تركيا تقلل اعتمادها على الطاقة المستوردة

تراجع استيراد الكهرباء بنسبة 30 %.. ووقفه من إيران

لقطة لمدينة اسطنبول على مضيق البسفور
لقطة لمدينة اسطنبول على مضيق البسفور
TT

تركيا تقلل اعتمادها على الطاقة المستوردة

لقطة لمدينة اسطنبول على مضيق البسفور
لقطة لمدينة اسطنبول على مضيق البسفور

تسعى تركيا إلى خفض اعتمادها على الطاقة المستوردة من الخارج إلى أقصى درجة في إطار خطتها حتى عام 2023 - الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية التركية.
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن «تركيا ما زالت بنسبة كبيرة مرتبطة بالخارج فيما يخص الاعتماد على الطاقة المستوردة.. نهدف بحلول عام 2023 خفض اعتمادنا على هذه المصادر». وانخفضت كمية الطاقة الكهربائية التي تستوردها تركيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، بنسبة 30 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بحسب هيئة الإحصاء التركية.
وأشار يلدريم الذي افتتح الاثنين منشآت جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية، إلى أن بلاده ماضية قدما في إنشاء المشاريع التي من شأنها تخفيف اعتمادها على مصادر الطاقة المستوردة، وأن محطات الطاقة النووية التركية المستقبلية من أهم هذه المشاريع. مؤكدًا أهمية الطاقة البديلة، لتخفيف اعتماد تركيا على مصادر الطاقة المستوردة، وأن تركيا ستشهد مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وشدد يلدريم على مواصلة تحقيق معدلات التنمية في بلاده من أجل أن تصبح أهداف تركيا في 2023، 2050 واقعًا حقيقيًا على الأرض، قائلا: «علينا تحقيق معدل نمو في أعوام 2017. 2018. 2019 يتجاوز الـ5 في المائة».
وبحسب توقعات الحكومة التركية ووكالات التصنيف الائتماني العالمية سيبلغ معدل النمو في تركيا 3.2 في المائة للعام الحالي، بعد أن حققت معدلا بلغ 3.1 في المائة خلال النصف الأول من العام.
ولفت يلدريم إلى غنى تركيا بالفحم الحجري، ودعا إلى ضرورة استثمار هذه الثروة بالوجه الأمثل لسد نسبة من عجز الطاقة الجاري، وتوفير فرص عمل جديدة. مشيرًا إلى أن الحكومة اتخذت إجراءات لتشجيع الاستثمار في الفحم الحجري في تركيا، من بينها تسهيلات خاصة لإنشاء محطات حرارية تعمل بالفحم الحجري.
واستعاضت تركيا بمصادر الطاقة المحلية والبديلة في توليد الكهرباء في الفترة الأخيرة، بدلا عن استيراد الكهرباء من الخارج.
وبحسب بيانات هيئة الإحصاء التركية، فإن تركيا اشترت بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2015، بمبلغ 4 مليارات و654 مليونا و21 ألف كيلوواط من الطاقة الكهربائية من اليونان وبلغاريا وجورجيا وإيران، فيما تضاءلت تلك الكمية خلال الفترة نفسها من العام الحالي بنسبة 30 في المائة، إلى 3 مليارات و244 مليونا و448 ألف كيلوواط من اليونان وبلغاريا وأذربيجان.
ووصلت تكلفة كمية الطاقة الكهربائية التي اشترتها تركيا خلال الفترة المذكورة العام الماضي إلى 290 مليونا و417 ألف دولار، فيما انخفض الرقم للعام الحالي بنسبة 46 في المائة، إلى 155 مليونا و81 ألف دولار.
وأظهرت البيانات أن أكبر نسبة استيراد للطاقة الكهربائية العام الحالي كانت خلال سبتمبر، بكمية بلغت 477 مليونا و289 ألف كيلوواط. وتصدرت بلغاريا البلدان التي تستورد تركيا منها الكهرباء خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، بكمية مليارين و131 مليونا و177 ألف كيلوواط، تلتها اليونان ثم أذربيجان وجورجيا.
وفي 29 أغسطس (آب) الماضي أوقفت الحكومة التركية استيراد الكهرباء من إيران بعد أن تمكنت من زيادة إنتاجها داخل البلاد بنسبة 46 في المائة، بعد أن قررت الحكومة التركيز على خفض توريد الكهرباء والعمل على الإنتاج المحلي فضلاً عن استخدام مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء.
من جانبه، قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي برات البيرق، إن بلاده «رغم جميع الأزمات التي تشهدها المنطقة، افتتحت 158 مؤسسة ومنشأة بتكلفة نحو 5 مليارات دولار، وقدرة 5 آلاف و620 ميغاواط من الطاقة المركبة».
وأضاف البيرق، خلال افتتاح منشآت الطاقة الجديدة، أن القطاعين العام والخاص تمكنا من إنجاز استثمارات كبيرة تسهم بشكل فاعل في وصول تركيا إلى أهدافها المستقبلية. وتابع: «كانت القدرة المركبة لتركيا عام 2002 تبلغ 31 ألف ميغاواط، أما اليوم فقد زادت تلك القدرة بنسبة 2.5 ضعف لتبلغ 79 ألف ميغاواط، وستبلغ هذه القدرة أكثر من 80 ألف ميغاواط حتى نهاية العام الحالي».
ولفت إلى أن وزارة الطاقة التركية ستنجز قريبًا جدًا مشروعًا لإنتاج الطاقة بقدرة ألف ميغاواط، من خلال استخدام التكنولوجيا الضوئية الصديقة للبيئة. موضحًا أن المشروع سيتم عبر بناء أكبر حقل للطاقة الشمسية حول العالم، يتم إنجازه قبل نهاية هذا العام.
من ناحية أخرى، اتخذت الخطوط الجوية التركية إجراءات إضافية خلال موسم الشتاء على خلفية تراجع أعداد المسافرين بسبب الهجمات الإرهابية والأزمة الاقتصادية، وقررت إلغاء رحلاتها إلى 22 وجهة، منها 5 وجهات داخلية و17 وجهة دولية ووقف 30 طائرة تابعة لها خلال موسم الشتاء الذي بدأ في الثلاثين من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وتعد زيادة متوسط ساعات الرحلات اليومية التي يُطلق عليها «الانتفاع» مهمة جدًا لتحقيق الربح للخطوط الجوية. لكن خلال الأزمات يتم سحب الطائرات الزائدة عن الحاجة إلى المطارات التي لا تعاني من مشكلات في عدد مواقف الطائرات، حيث تخضع لفحص دوري وأعمال صيانة تستغرق وقتًا طويلاً مثل تعديل المقصورة وذلك خلال الفترات التي لا تطير فيها.
ومع انطلاق موسم الشتاء الأسبوع الماضي، أوقفت الشركة رحلاتها إلى تلمسان وباتنة في الجزائر والبورج في الدنمارك وبوردو في فرنسا وبادن فورتمبيرغ وفريدريشسهاف ومونستر في ألمانيا وبيزا وجينوفا في إيطاليا والعقبة في الأردن وروتردام في هولندا وأوش في قيرغيرستان وكانو في نيجيريا والقصيم في المملكة العربية السعودية وإيفانو فرانكيفسك في أوكرانيا وخوجاند في طاجيكستان على الخطوط الدولية بعد تراجع إيراداتها ومعدلات السفر عليها بغرض تخفيض تكاليفها. كما تضمنت قائمة الرحلات الداخلية التي تم إيقافها كلا من مدن أسكشهير وتوكات وسييرت وأردميت وأوشاك.



تراجع جماعي للمؤشرات الأميركية وسط ارتفاع أسعار الطاقة

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

تراجع جماعي للمؤشرات الأميركية وسط ارتفاع أسعار الطاقة

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

افتتحت أسهم «وول ستريت» على انخفاض يوم الاثنين، حيث أثَّر ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب الشرق الأوسط سلباً على التوقعات الاقتصادية العالمية.

وانخفضت جميع المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة بنسبة 1 في المائة على الأقل، لتنضم إلى موجة التراجع في أسواق الأسهم العالمية؛ إذ انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 130.3 نقطة، أو 0.27 في المائة، عند الافتتاح ليصل إلى 47371.28 نقطة.

كما انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 40.2 نقطة، أو 0.60 في المائة، عند الافتتاح ليصل إلى 6699.8 نقطة، بينما تراجع مؤشر «ناسداك المركب» 203.6 نقطة، أو 0.91 في المائة، ليصل إلى 22.184.047 نقطة عند الافتتاح.


ترمب يقلل من شأن «الارتفاع المؤقت» في أسعار المشتقات النفطية

ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 7 مارس (أ.ف.ب)
ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يقلل من شأن «الارتفاع المؤقت» في أسعار المشتقات النفطية

ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 7 مارس (أ.ف.ب)
ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 7 مارس (أ.ف.ب)

سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تقليل شأن الارتفاع الحاد في أسعار المشتقات النفطية، واصفاً ذلك بأنه «ثمن زهيد للغاية» ينبغي أن يُدفع مقابل الأمن في الولايات المتحدة وعبر العالم، وسط تحذيرات خبراء دوليين من عواقب عرقلة الحرب مع إيران للشحنات عبر مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية.

وسجلت أسعار النفط أكبر قفزة لها على الإطلاق في يوم واحد الاثنين، قبل أن تتراجع بشكل ملحوظ، عقب موجة واسعة جديدة من الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل وإيران منذ أيام، بما في ذلك استهداف المنشآت النفطية.

غير أن ترمب رأى أن هذه التأثيرات ستكون قصيرة الأجل، مضيفاً أن هناك أهمية أكبر لضرورة منع طهران من تطوير أسلحة نووية. وكتب على منصته «تروث سوشال» الأحد: «أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة عند زوال التهديد النووي الإيراني، ثمن زهيد للغاية تدفعه الولايات المتحدة والعالم، من أجل الأمن والسلام». وأضاف: «وحدهم الحمقى يفكرون بشكل مختلف!».

ومنذ بداية الحرب قبل عشرة أيام، يحذر المحللون من أن أسعار النفط الخام العالمية تؤثر في نهاية المطاف على أسعار الوقود المحلية، مما يعني أن الزيادات المستمرة في الأسعار ستؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع كبير في تكاليف الوقود للأميركيين. وبدأت هذه الآثار تظهر بالفعل، إذ ارتفع سعر البنزين إلى أعلى مستوى له خلال فترتي ولاية ترمب الرئاسيتين.

40 في المائة ارتفاعاً

ووفقاً لأحدث تقديرات موقع «أويل برايس دوت كوم»، بلغ سعر خام برنت، الاثنين، نحو 107 دولارات، بزيادة تزيد على 40 في المائة عن 73 دولاراً في اليوم السابق للضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وعزا الخبراء الارتفاع الأخير بشكل أساسي إلى استراتيجية إيران الانتقامية المتعددة الجوانب، بما في ذلك هجماتها ضد أهداف عسكرية واقتصادية في منطقة الخليج - مما دفع بعض المصافي إلى تعليق عملياتها مؤقتاً، بالإضافة إلى التهديدات ضد السفن العابرة لمضيق هرمز.

ونقلت مجلة «نيوزويك» عن كبير محللي شؤون الشرق الأوسط في شركة «فيريسك مابيلكروفت»، توربيورن سولتفيت، أن «سوق النفط العالمي يواجه الآن وضعاً تتعرض فيه البنية التحتية الحيوية للطاقة في الشرق الأوسط لضربة مباشرة في الوقت الذي توقفت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تماماً».

وأفاد الرئيس السابق لقسم النفط في وكالة الطاقة الدولية، نيل أتكينسون، بأن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز سيؤدي إلى تفاقم الوضع. وقال: «ما لم يتغير الوضع قريباً، فإننا نواجه أزمة طاقة غير مسبوقة قد تغير قواعد اللعبة».

وعند سؤاله عن تأثير ذلك على أسعار النفط، أجاب: «المعذرة، نحن هنا ندخل في نطاق التخمين المدروس. بمعنى آخر، لا يوجد سابقة لهذا الوضع».

وكذلك قال كبير الاقتصاديين في «أكسون موبيل»، تايلر غودسبيد، لشبكة «سي إن بي سي» إنه كان هناك «إجماع الأسبوع الماضي، وإلى حد ما لا يزال قائماً حتى اليوم، على أن كل الدول باستثناء روسيا ترغب في استئناف حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز». وأضاف أن الإجماع كان قائماً على وجود «كميات وفيرة من النفط في المضيق وبعض الاحتياطات الاستراتيجية لتغطية أي نقص قصير الأجل».

«أسابيع لا أشهر»

وأفاد تقرير لمركز المعلومات البحرية المشتركة بأن حركة الملاحة توقفت بشكل «شبه تام» في الممر البحري الحيوي الذي تعبر منه نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية. بيد أن إدارة ترمب تؤكد إمكانية احتواء ارتفاع الأسعار.

ونقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية للتلفزيون عن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أنه «في أسوأ الأحوال، لن يستمر هذا الوضع إلا لأسابيع، وليس لأشهر». وأضاف: «نشهد بعض التخوف في السوق، لكن العالم لا يعاني نقصاً في النفط أو الغاز الطبيعي».

وكان ترمب تحدث عن أسعار البنزين المحلية، فقال: «لا أشعر بأي قلق حيال ذلك. ستنخفض الأسعار بسرعة كبيرة بعد انتهاء هذه الأزمة، وإذا ارتفعت، فلا بأس، لكن هذا أهم بكثير من مجرد ارتفاع طفيف في أسعار البنزين».

وطرحت إدارة ترمب إجراءات تهدف إلى كبح جماح الارتفاع المستمر في أسعار النفط، بما في ذلك توفير تأمين للتجارة البحرية في الخليج، ونشر سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط، ورفع العقوبات عن النفط الروسي.

وحذر محللون في مصرف «سوسيتيه جنرال» من أن توقف الإنتاج لفترات طويلة من دول الشرق الأوسط «يزيد بشكل كبير» خطر حدوث تعقيدات في إعادة التشغيل.


«أرامكو» تعزز مرونة السوق العالمية وسط تصاعد التوترات الإقليمية

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
TT

«أرامكو» تعزز مرونة السوق العالمية وسط تصاعد التوترات الإقليمية

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)
رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (رويترز)

في ظل التحديات اللوجيستية الراهنة التي تواجه قطاع الطاقة، تبرز التحركات التشغيلية لشركة «أرامكو السعودية» بوصفها عاملاً مؤثراً في استقرار المعروض العالمي. فقد بادرت الشركة إلى طرح شحنات إضافية في السوق الفورية، في خطوة تُقرأ في أوساط المحللين بوصفها إجراءً لامتصاص صدمات الإمداد، وضمان استمرارية التدفقات في الممرات الحيوية. هذا التحرك، الذي يتماشى مع الدور التاريخي للمملكة بصفتها منتجاً رئيسياً، يهدف إلى الحد من تقلبات الأسعار والحفاظ على توازن العرض والطلب، وهو ما يجعله ركيزة جوهرية في استجابة سوق الطاقة العالمية للظروف الجيوسياسية الحالية.

وكانت «رويترز» ذكرت أن «أرامكو» عرضت أكثر من 4 ملايين برميل من النفط الخام السعودي في مناقصات نادرة، في ظل تداعيات الصراع الأميركي الإيراني الذي يعيق صادرات الشرق الأوسط.

وفي قراءة تحليلية تضع هذه التحركات في سياقها الصحيح، أوضح كبير مستشاري وزير الطاقة السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، أن القفزات الحالية في أسعار النفط ليست بالضرورة نتاجاً لنقص حاد ومباشر في الكميات المتاحة في الأسواق، بل هي مدفوعة بشكل رئيسي بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية».

وأكد الصبان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار الأسعار فوق مستويات الـ 100 دولار للبرميل يعكس حالة القلق العالمي من احتمال توسع نطاق الحرب وتأثيراتها المستقبلية على أمن الإمدادات.

وأشار الصبان إلى بُعدٍ تحليلي مهم غالباً ما يتم تجاهله؛ إذ يرى أن الإيرادات النفطية الناتجة عن هذه الارتفاعات، وإن كانت تعزز الفوائض المالية على المدى القصير، إلا أنها تُقابل بتكاليف إضافية غير منظورة. وتتمثل هذه التكاليف في الأعباء المترتبة على إجراءات الحماية والتدابير الأمنية الموجهة للمنشآت النفطية، التي تزداد في ظل بيئة إقليمية مضطربة، حيث تواجه دول الخليج ضغوطاً أمنية تتطلب جهوداً استثنائية لحماية بنيتها التحتية.

وفي سياق تحليله للسوق، لفت الصبان إلى أن «السوق الفورية» تشهد حالياً مكاسب أكبر بكثير مقارنة ببيع النفط وفق العقود الآجلة. وعزا ذلك إلى حالة الضبابية وعدم اليقين التي تفرضها الحرب، حيث يفضل المشترون دفع علاوات سعرية مقابل الحصول على شحنات فورية ومضمونة، مما يجعل آليات البيع الفوري أداة أكثر فاعلية وربحية في هذه المرحلة الاستثنائية.

حقل نفط تابع لشركة «أرامكو» في الربع الخالي (رويترز)

مضيق هرمز: دروس التاريخ

تظل الملاحة في مضيق هرمز نقطة الارتكاز في هذه الأزمة؛ حيث يمر عبره نحو 20 في المائة من العرض العالمي للنفط. وفي هذا الإطار، أوضح الصبان أن إغلاق هذا الممر الحيوي لفترات قصيرة يؤدي حتماً إلى انحسار الكميات المتاحة، مما يخلق حالة من الهلع في الأسواق تستدعي السحب من المخزونات الاستراتيجية.

واستحضر الصبان تجارب التاريخ، مشيراً إلى أنه خلال الحرب العراقية - الإيرانية في أواخر السبعينات، تحولت أسواق الطاقة إلى ساحة للمضاربات، وهي النتائج التي لم تظهر آثارها السلبية إلا في مراحل لاحقة.

وفي المحصلة، عندما يُسأل عما إذا كانت الحرب تمثل فرصة اقتصادية قصيرة الأجل لدول المنطقة أم أنها تحمل مخاطر أكبر على اقتصاداتها، أكد الصبان أن الواقع هو مزيج من الاثنين: قد تكون فرصة ما دام استمرت الأسعار فوق 100 دولار، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر أكبر على اقتصادات المنطقة إذا طال أمد الحرب أكثر مما هو متوقع نظراً لارتباط ذلك بتكاليف لوجيستية وأمنية متصاعدة.

مرونة عالية

من جهته، أوضح المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة «أرامكو السعودية» بطرح شحنات نفط في السوق الفورية تعكس مرونة عالية في إدارة الإمدادات، كما تشير إلى محاولة الاستجابة السريعة لمتغيرات السوق في ظل ارتفاع الطلب، وازدياد المخاوف من نقص الإمدادات.

ولفت إلى أن هذه الخطوة تحمل رسالة مهمة للأسواق العالمية، مفادها أن السعودية ما زالت تلعب دور المنتج المرجّح القادر على التدخل للحفاظ على توازن السوق، وتهدئة المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات، وهو الدور الذي اعتادت المملكة القيام به تاريخياً في فترات الاضطراب في أسواق الطاقة.

وأوضح العطاس أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يرتبط بدرجة كبيرة بما يسمى في أسواق الطاقة «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، إذ إن أي تصعيد عسكري في منطقة تعد القلب النابض لإمدادات النفط العالمية ينعكس مباشرة على توقعات السوق.

ويرى العطاس أن بقاء خام برنت فوق مستوى 100 دولار ممكن في المدى القصير إذا استمرت حالة القلق بشأن أمن الإمدادات أو الملاحة في المنطقة. لكنه أشار إلى أن تاريخ السوق النفطية يبين أن الأسعار المرتفعة الناتجة عن التوترات السياسية غالباً ما تكون مؤقتة ما لم يحدث انقطاع فعلي وطويل الأمد في الإمدادات.

لذلك فإن استمرار الأسعار عند هذه المستويات يعتمد بشكل أساسي على تطور مسار الأزمة، ومدى تأثيرها الفعلي على تدفقات النفط العالمية.

مكاسب محتملة

من الناحية المالية، قال العطاس إن ارتفاع أسعار النفط يعني تلقائياً زيادة الإيرادات النفطية للدول المصدرة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الفوائض المالية وعلى قدرة الحكومات على تمويل الإنفاق والمشروعات التنموية.

وأضاف أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، يمكن أن تستفيد مالياً على المدى القصير من ارتفاع الأسعار.

لكنه أكد أن هذه المكاسب غالباً ما تكون ظرفية وليست هيكليّة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي عبر زيادة التضخم وتباطؤ النمو، ما قد يؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب على النفط. لذلك يمكن وصفها بأنها فرصة مالية مؤقتة أكثر من كونها تحولاً دائماً في الإيرادات.

انعكاسات الأزمة

يمكن القول إن الأزمة تحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، قد تستفيد دول الخليج مالياً في المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط وزيادة العوائد. لكن من جهة أخرى، فإن أي توسع للصراع في المنطقة قد يخلق مخاطر أكبر على الاستقرار الاقتصادي والتجاري، وفق العطاس.

ولهذا «رغم استفادة دول الخليج المالية من ارتفاع الأسعار، تظل مصلحتها الاستراتيجية مرتبطة باستقرار أسواق الطاقة العالمية واستمرار تدفق الإمدادات بشكل طبيعي، لأن الاستقرار هو العامل الأهم لضمان استدامة الطلب على النفط ودعم النمو الاقتصادي».