«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

الجدل في ألمانيا يترك الموقف «مائعًا» بانتظار قرار الولايات

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف
TT

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

القرار الذي اتخذه مجلس النواب الاتحادي في ألمانيا ووافقت عليه الحكومة الاتحادية في وقت سابق لم يقر تطبيق تقنية التصديع الهيدروليكي (الفراكينغ) الخاصة باستخراج النفط الصخري؛ إلا أنه لم يحظره أيضًا بل ترك الأمر إلى حكومات الولايات لإقراره أو حظره، ما دفع المعارضة البرلمانية لوصف هذا الموقف بـ«اللاموقف» وبأنه سيصب في النهاية في صالح الشركات المنتجة. في هذه الأثناء زادت ضغوطات الشركات العاملة في مجال استخراج النفط والغاز على الحكومة الاتحادية للعمل على تسريع اتخاذ قرار يسمح لها بمزاولة تقنية التصديع.
وتقنية التصديع الهيدروليكي أو «الفراكينغ» تعارضها كثير من المنظمات المدافعة عن البيئة، ككثير من العلماء والجيولوجيين، فهي وسيلة غير تقليدية تسمح باستخراج الغاز والنفط الصخري من باطن الأرض وعلى عمق أكثر من 3000 متر عبر تصديع طبقات الأرض الصخرية العميقة، حيث يتم تكسير الصخور بضخ خليط من المواد الكيماوية السائلة والرمل والماء ومواد أخرى ودفعها بقوة هائلة جدا في حفر الآبار، ما يحدث تصدعات هيدروليكية في عروق الصخور، وبالتالي كسور، يُشفط منها بآلات خاصة ما تحتويه من كميات النفط والغاز وسوائل فيها يورانيوم. واللافت في هذه الوسيلة أنه يتوجب اختراق طبقات المياه الجوفية خلال الحفر للوصول إلى العمق المطلوب. فالمياه الجوفية على عمق عشرات الأمتار فقط من سطح الأرض في الوقت الذي يقبع فيه احتياط الغاز والنفط الصخري على عمق ما لا يقل عن الـ3000 متر، وليست هناك ضمانة لعدم حدوث تلوث للماء خلال عملية التصديع بالمواد الكيماوية.
ليس هذا فقط، بل ما يثير القلق هو بقاء المواد الكيماوية والرمال المستخدمة في عملية التصديع بعد ذلك في أعماق الأرض وقد تطفو إلى السطح، ما يسبب ضررا شديدا للبيئة والتربة، حسب تقدير جيولوجيين ألمان.

فشل سابق بتمرير المشروع
ومشروع قانون التصديع الهيدروليكي قديم وحاولت الحكومة الألمانية سابقا تمريره من دون فائدة، وفي كل مرة كان يواجه بنقاشات برلمانية حادة، ولقد اتهمها حزب الخضر المعارض بتجاهل حياة الإنسان والطبيعة على السواء، والعمل لتأمين مصالح الشركات ومصانع التعدين الكبيرة. لكن مطلع شهر أبريل (نيسان) العام الماضي طرحته برباره هندريك وزيرة البيئة نفسها من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مع ترك المجال لحكومات الأقاليم برفضه أو إقراره. ومع أن حزبي الخضر واليسار لا يملكان ما يكفي من الأصوات في مجلس النواب الاتحادي من أجل تمريره، طرحا مشروع قانون مضاد لحظر تقنية التصديع الهيدروليكي وشددا على الأضرار البيئية التي لحقت بمناطق في الولايات المتحدة تم فيها استخراج الغاز والنفط بوسيلة التصديع، منها ما جاء في دراسة لعلماء وجيولوجيين أميركيين من جامعة كورنيل أبدوا فيها خشيتهم من إحداث التصديع زلازل في المستقبل، معتمدين في ذلك على تقرير يشير إلى أن 20 في المائة من الزلازل التي حدثت في ولاية أوكلاهوما الأميركية كانت نتيجة استخراج الغاز الصخري بطريقة التصديع الهيدروليكي، فيما لم يستبعد زملاء لهم من تكرار ما حدث أيضا في أوروبا، للتشابه في تركيبة طبقات الأرض.
يضاف إلى ذلك تقرير المكتب الاتحادي لحماية البيئة في ألمانيا، الذي ذكر أن ترك أمر الحفر بالتصديع لحكومات الولايات يحد من مراقبة الدوائر التابعة للحكومة، وبخاصة تلك التي تعمل تحت مظلة وزارة البيئة الاتحادية لأي تجاوزات قد تحدث. فضلا عن ذلك فإن اكتشاف أماكن وجود نفط أو غاز صخري يحتاج قبل ذلك إلى حفر آلاف الحفر في باطن الأرض وعلى مساحات شاسعة، وهذا أمر لا يمكن للسلطات المعنية مراقبته.
وتراهن المعارضة في مشروعها على أصوات نواب من الحزبين الحاكمين صوتوا للحظر، في الوقت نفسه نوه رئيس مجلس النواب الاتحادي بإعادة النظر به في عام 2021، وذلك بناء على تقارير علمية، وإلى هذا التاريخ يسمح بممارسة تقنية التصديع لأغراض علمية.

أميركا صاحبة الريادة
ومن أوائل البلدان التي اعتمدت تقنية التصديع الهيدروليكي الولايات المتحدة الأميركية التي تطبقه فعليا منذ عام 2013 وعلى نطاق واسع، فأنتجت عام 2014 كميات هائلة لم تنتجها من قبل، وهنا تقول مجموعة التعدين البريطانية «بي بي» إن الإنتاج زاد بمعدل 1.1 مليون برميل يوميا (أي نحو 13 في المائة أكثر)، والسبب وراء هذه الزيادة هو استخراج النفط بتقنية التصديع المثيرة للجدل.
وبهذا يكون إنتاج الولايات المتحدة حتى عام 2015 قد تخطى إنتاج كل البلدان النفطية بزيادة قدرها 10.8 في المائة، وكان المعدل المتوسط العالمي للزيادة 0.6 في المائة مقارنة مع العام الذي سبقه.
ووفقا لتقديرات ماريا فون دير هوفن، رئيسة وكالة الطاقة الدولية، فإن استخراج النفط بتقنية التصديع في الولايات المتحدة الأميركية سوف يزدهر خلال عقد ليصل إلى خمسة ملايين برميل يوميا، وحتى نهاية هذا العقد قد تصبح أميركا المصدر الرئيسي للنفط، ما يجعل اعتمادها على منتجي النفط الآخرين جزءا من الماضي. في المقابل من المتوقع زيادة الإنتاج خارج الولايات المتحدة عبر هذه التقنية بحلول عام 2019 بمعدل 650 ألف برميل يوميا.

تقنية مغرية
ومع أن تقنية الفرانكينغ باهظة الثمن ولها تبعات سلبية على البيئة، لكنها مغرية لدول كثيرة، ما يسمح لها مستقبلا باستخدامها من أجل استخراج الغاز والنفط من طبقات الأرض، وجعلها غير مرهونة باستيراد هاتين المادتين المهمتين جدا من الخارج. فعلى سبيل المثال سوف تتحرر ألمانيا من الغاز الروسي الذي يأتيها عن طريق أوكرانيا، ولن تعود بحاجة إلى دعم مشاريع استخراج النفط من بحر الشمال، بل ستخصص أموال الاستيراد للاستثمار من مجالات حيوية أخرى، مع ذلك وحتى تحقيق هذا الحلم، فيجب استثمار أموال هائلة، لكن قبل كل شيء يجب التأكد من ربحية هذه المشاريع على المدى الطويل وتقدير التبعات على سوق الغاز والنفط.
فقد يؤدي إلى انخفاض أسعاره بسبب تراجع العرض عليه لتواجده في الأسواق بكميات كبيرة مع بقاء تكاليف استخراجه مرتفعة.

النفط الصخري سبب تراجع الأسعار
ولا يخف خبراء النفط سرا بأن إنتاج النفط عبر تقنية التصديع كان من العوامل التي ساهمت في هبوط أسعاره، خصوصا بعد أن أصبح العرض أكثر من الطلب. فبعد بدء الولايات المتحدة استخراجه بطريقة التصديع الهيدروليكي بكميات كبيرة وبيعه في الأسواق العالمية، هبط السعر بنسبة 30 في المائة لأن الدول المصدرة تقليديا واصلت تصدير الكميات نفسها، في الوقت نفسه زاد حجم استخراج النفط الصخري الأميركي 260 ألف برميل، ليصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وبهذا ارتقت الولايات المتحدة بصفتها منتجة للنفط إلى مستوى المنتجين الكبار. ومن إجمالي إنتاجها من الغاز الطبيعي وصل ما استخرجته منه عبر تقنية التصديع إلى نحو 40 في المائة، وإذا ما واصلت إنتاجها بهذا النمط سوف تكون أكبر منتج للغاز الصخري في العالم، بإمكانها تصديره إلى بلدان تعتمد اليوم على الغاز الروسي.
إلا أن بعض خبراء الاقتصاد يحذرون الولايات المتحدة والبلدان المنتجة للغاز والنفط الصخري، أو التي تريد اعتماد هذه التقنية، من مغبة الاعتماد في ميزانياتها عليهما، لأنهم يتوقعون ارتفاع أسعار الآليات التي تستخدم من أجل استخراجه بشكل كبير جدا بعد أن ازداد الطلب عليها، ما يجعل التكاليف ترتفع بشكل سريع وكبير لا يمكن للشركات المنتجة عندها مواجهتها، فتكون النتيجة إيجابية للبلدان المعتمدة على طرق الاستخراج التقليدية.
ليس هذا فقط، إذ أكدت تقارير لجيولوجيين غربيين أجروا دراسة على آلاف حقول النفط الصخري أن معدل إنتاجها سوف ينخفض بعد عقود قليلة بنسبة تصل إلى 80 في المائة بعد البدء في استخراج النفط منها، وهنا تقع المشكلة الكبيرة، إذ يتعين على شركات الحفر في أعماق أكبر من أجل الوصول إلى الكميات التي يمكنها أن تغطي التكاليف وتعود بالربح عليها في الوقت نفسه، وهذا ما حصل لشركات تعدين في الولايات المتحدة اضطرت للتوقف عن العمل.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.