«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

الجدل في ألمانيا يترك الموقف «مائعًا» بانتظار قرار الولايات

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف
TT

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

«التصديع الهيدروليكي» لاستخراج النفط.. ما بين الإغراءات والمخاوف

القرار الذي اتخذه مجلس النواب الاتحادي في ألمانيا ووافقت عليه الحكومة الاتحادية في وقت سابق لم يقر تطبيق تقنية التصديع الهيدروليكي (الفراكينغ) الخاصة باستخراج النفط الصخري؛ إلا أنه لم يحظره أيضًا بل ترك الأمر إلى حكومات الولايات لإقراره أو حظره، ما دفع المعارضة البرلمانية لوصف هذا الموقف بـ«اللاموقف» وبأنه سيصب في النهاية في صالح الشركات المنتجة. في هذه الأثناء زادت ضغوطات الشركات العاملة في مجال استخراج النفط والغاز على الحكومة الاتحادية للعمل على تسريع اتخاذ قرار يسمح لها بمزاولة تقنية التصديع.
وتقنية التصديع الهيدروليكي أو «الفراكينغ» تعارضها كثير من المنظمات المدافعة عن البيئة، ككثير من العلماء والجيولوجيين، فهي وسيلة غير تقليدية تسمح باستخراج الغاز والنفط الصخري من باطن الأرض وعلى عمق أكثر من 3000 متر عبر تصديع طبقات الأرض الصخرية العميقة، حيث يتم تكسير الصخور بضخ خليط من المواد الكيماوية السائلة والرمل والماء ومواد أخرى ودفعها بقوة هائلة جدا في حفر الآبار، ما يحدث تصدعات هيدروليكية في عروق الصخور، وبالتالي كسور، يُشفط منها بآلات خاصة ما تحتويه من كميات النفط والغاز وسوائل فيها يورانيوم. واللافت في هذه الوسيلة أنه يتوجب اختراق طبقات المياه الجوفية خلال الحفر للوصول إلى العمق المطلوب. فالمياه الجوفية على عمق عشرات الأمتار فقط من سطح الأرض في الوقت الذي يقبع فيه احتياط الغاز والنفط الصخري على عمق ما لا يقل عن الـ3000 متر، وليست هناك ضمانة لعدم حدوث تلوث للماء خلال عملية التصديع بالمواد الكيماوية.
ليس هذا فقط، بل ما يثير القلق هو بقاء المواد الكيماوية والرمال المستخدمة في عملية التصديع بعد ذلك في أعماق الأرض وقد تطفو إلى السطح، ما يسبب ضررا شديدا للبيئة والتربة، حسب تقدير جيولوجيين ألمان.

فشل سابق بتمرير المشروع
ومشروع قانون التصديع الهيدروليكي قديم وحاولت الحكومة الألمانية سابقا تمريره من دون فائدة، وفي كل مرة كان يواجه بنقاشات برلمانية حادة، ولقد اتهمها حزب الخضر المعارض بتجاهل حياة الإنسان والطبيعة على السواء، والعمل لتأمين مصالح الشركات ومصانع التعدين الكبيرة. لكن مطلع شهر أبريل (نيسان) العام الماضي طرحته برباره هندريك وزيرة البيئة نفسها من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مع ترك المجال لحكومات الأقاليم برفضه أو إقراره. ومع أن حزبي الخضر واليسار لا يملكان ما يكفي من الأصوات في مجلس النواب الاتحادي من أجل تمريره، طرحا مشروع قانون مضاد لحظر تقنية التصديع الهيدروليكي وشددا على الأضرار البيئية التي لحقت بمناطق في الولايات المتحدة تم فيها استخراج الغاز والنفط بوسيلة التصديع، منها ما جاء في دراسة لعلماء وجيولوجيين أميركيين من جامعة كورنيل أبدوا فيها خشيتهم من إحداث التصديع زلازل في المستقبل، معتمدين في ذلك على تقرير يشير إلى أن 20 في المائة من الزلازل التي حدثت في ولاية أوكلاهوما الأميركية كانت نتيجة استخراج الغاز الصخري بطريقة التصديع الهيدروليكي، فيما لم يستبعد زملاء لهم من تكرار ما حدث أيضا في أوروبا، للتشابه في تركيبة طبقات الأرض.
يضاف إلى ذلك تقرير المكتب الاتحادي لحماية البيئة في ألمانيا، الذي ذكر أن ترك أمر الحفر بالتصديع لحكومات الولايات يحد من مراقبة الدوائر التابعة للحكومة، وبخاصة تلك التي تعمل تحت مظلة وزارة البيئة الاتحادية لأي تجاوزات قد تحدث. فضلا عن ذلك فإن اكتشاف أماكن وجود نفط أو غاز صخري يحتاج قبل ذلك إلى حفر آلاف الحفر في باطن الأرض وعلى مساحات شاسعة، وهذا أمر لا يمكن للسلطات المعنية مراقبته.
وتراهن المعارضة في مشروعها على أصوات نواب من الحزبين الحاكمين صوتوا للحظر، في الوقت نفسه نوه رئيس مجلس النواب الاتحادي بإعادة النظر به في عام 2021، وذلك بناء على تقارير علمية، وإلى هذا التاريخ يسمح بممارسة تقنية التصديع لأغراض علمية.

أميركا صاحبة الريادة
ومن أوائل البلدان التي اعتمدت تقنية التصديع الهيدروليكي الولايات المتحدة الأميركية التي تطبقه فعليا منذ عام 2013 وعلى نطاق واسع، فأنتجت عام 2014 كميات هائلة لم تنتجها من قبل، وهنا تقول مجموعة التعدين البريطانية «بي بي» إن الإنتاج زاد بمعدل 1.1 مليون برميل يوميا (أي نحو 13 في المائة أكثر)، والسبب وراء هذه الزيادة هو استخراج النفط بتقنية التصديع المثيرة للجدل.
وبهذا يكون إنتاج الولايات المتحدة حتى عام 2015 قد تخطى إنتاج كل البلدان النفطية بزيادة قدرها 10.8 في المائة، وكان المعدل المتوسط العالمي للزيادة 0.6 في المائة مقارنة مع العام الذي سبقه.
ووفقا لتقديرات ماريا فون دير هوفن، رئيسة وكالة الطاقة الدولية، فإن استخراج النفط بتقنية التصديع في الولايات المتحدة الأميركية سوف يزدهر خلال عقد ليصل إلى خمسة ملايين برميل يوميا، وحتى نهاية هذا العقد قد تصبح أميركا المصدر الرئيسي للنفط، ما يجعل اعتمادها على منتجي النفط الآخرين جزءا من الماضي. في المقابل من المتوقع زيادة الإنتاج خارج الولايات المتحدة عبر هذه التقنية بحلول عام 2019 بمعدل 650 ألف برميل يوميا.

تقنية مغرية
ومع أن تقنية الفرانكينغ باهظة الثمن ولها تبعات سلبية على البيئة، لكنها مغرية لدول كثيرة، ما يسمح لها مستقبلا باستخدامها من أجل استخراج الغاز والنفط من طبقات الأرض، وجعلها غير مرهونة باستيراد هاتين المادتين المهمتين جدا من الخارج. فعلى سبيل المثال سوف تتحرر ألمانيا من الغاز الروسي الذي يأتيها عن طريق أوكرانيا، ولن تعود بحاجة إلى دعم مشاريع استخراج النفط من بحر الشمال، بل ستخصص أموال الاستيراد للاستثمار من مجالات حيوية أخرى، مع ذلك وحتى تحقيق هذا الحلم، فيجب استثمار أموال هائلة، لكن قبل كل شيء يجب التأكد من ربحية هذه المشاريع على المدى الطويل وتقدير التبعات على سوق الغاز والنفط.
فقد يؤدي إلى انخفاض أسعاره بسبب تراجع العرض عليه لتواجده في الأسواق بكميات كبيرة مع بقاء تكاليف استخراجه مرتفعة.

النفط الصخري سبب تراجع الأسعار
ولا يخف خبراء النفط سرا بأن إنتاج النفط عبر تقنية التصديع كان من العوامل التي ساهمت في هبوط أسعاره، خصوصا بعد أن أصبح العرض أكثر من الطلب. فبعد بدء الولايات المتحدة استخراجه بطريقة التصديع الهيدروليكي بكميات كبيرة وبيعه في الأسواق العالمية، هبط السعر بنسبة 30 في المائة لأن الدول المصدرة تقليديا واصلت تصدير الكميات نفسها، في الوقت نفسه زاد حجم استخراج النفط الصخري الأميركي 260 ألف برميل، ليصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وبهذا ارتقت الولايات المتحدة بصفتها منتجة للنفط إلى مستوى المنتجين الكبار. ومن إجمالي إنتاجها من الغاز الطبيعي وصل ما استخرجته منه عبر تقنية التصديع إلى نحو 40 في المائة، وإذا ما واصلت إنتاجها بهذا النمط سوف تكون أكبر منتج للغاز الصخري في العالم، بإمكانها تصديره إلى بلدان تعتمد اليوم على الغاز الروسي.
إلا أن بعض خبراء الاقتصاد يحذرون الولايات المتحدة والبلدان المنتجة للغاز والنفط الصخري، أو التي تريد اعتماد هذه التقنية، من مغبة الاعتماد في ميزانياتها عليهما، لأنهم يتوقعون ارتفاع أسعار الآليات التي تستخدم من أجل استخراجه بشكل كبير جدا بعد أن ازداد الطلب عليها، ما يجعل التكاليف ترتفع بشكل سريع وكبير لا يمكن للشركات المنتجة عندها مواجهتها، فتكون النتيجة إيجابية للبلدان المعتمدة على طرق الاستخراج التقليدية.
ليس هذا فقط، إذ أكدت تقارير لجيولوجيين غربيين أجروا دراسة على آلاف حقول النفط الصخري أن معدل إنتاجها سوف ينخفض بعد عقود قليلة بنسبة تصل إلى 80 في المائة بعد البدء في استخراج النفط منها، وهنا تقع المشكلة الكبيرة، إذ يتعين على شركات الحفر في أعماق أكبر من أجل الوصول إلى الكميات التي يمكنها أن تغطي التكاليف وتعود بالربح عليها في الوقت نفسه، وهذا ما حصل لشركات تعدين في الولايات المتحدة اضطرت للتوقف عن العمل.



عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)
عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها (الشرق الأوسط)
TT

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)
عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها (الشرق الأوسط)

فتحت عوائد خطة التقشف المصرية الجدل حول جدواها، إذ بينما أعلنت الحكومة نجاحها في «ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود»، تحدث خبراء عن «خسائر» بقطاعات اقتصادية وتجارية عدة، فضلاً عن تكلفة تنفيذ خطة الترشيد.

وقررت الحكومة إجراءات استثنائية لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «تخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، والعمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، والإغلاق المبكر للمحال التجارية والكافيهات في التاسعة مساءً ثم تمديده ساعتين للحادية عشرة.

وأكد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، محمود عصمت، مساء السبت، أن «تطبيق الإجراءات الحكومية المتعلقة بمواعيد إغلاق المحال التجارية، والإنارة في المباني الحكومية، وإعلانات الطرق، وغيرها، حقق وفراً خلال الأسبوع الأول في استهلاك الكهرباء بلغ 18 ألف ميغاواط في الساعة، ووفراً في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب»، موضحاً أن الوفر الذي تحقق في يوم العمل عن بُعد «بلغ 4700 ميغاواط في الساعة للكهرباء، و980 ألف متر مكعب للوقود».

اجتماع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع رؤساء شركات توزيع الكهرباء السبت (وزارة الكهرباء المصرية)

وقال عصمت خلال اجتماع مع رؤساء شركات توزيع الكهرباء، إن «المواطن شريك في إنجاح خطة ترشيد استهلاك الكهرباء»، و«الوزارة تواصل العمل على تحسين كفاءة الطاقة ومنع الهدر في جميع القطاعات توفيراً للكهرباء»، مؤكداً على «نجاح أنماط التشغيل والالتزام بمعايير الجودة والتشغيل الاقتصادي في تحقيق وفر عام في الوقود المستخدم بلغ 2.1 في المائة خلال مارس الماضي، رغم زيادة الطاقة المنتجة بنسبة 3.3 في المائة مقارنة بالفترة الزمنية خلال العام الماضي».

الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، يرى أن ترجمة الأرقام التي أعلنها وزير الكهرباء تعني أن خطة «الترشيد لم تحقق الهدف منها»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوزير لم يتحدث عن تكلفة تنفيذ خطة الترشيد ومتابعتها من الجهات الرقابية الحكومية». وأوضح أن «ترجمة الأرقام التي تم توفيرها في استهلاك الوقود والكهرباء توازي نحو 800 ألف دولار بما يعادل 40 مليون جنيه مصري يومياً، وهو رقم أقل كثيراً من تكلفة تنفيذ خطة الترشيد وإغلاق المحال»، (الدولار يساوي نحو 53 جنيهاً بالبنوك المصرية).

وتحدّث النحاس، عن «خسائر اقتصادية مقابلة لما تم توفيره في استهلاك الكهرباء والوقود»، منها «تراجع حركة المبيعات في قطاعات تجارية عدة مثل محال السلع الأساسية والأجهزة الكهربائية والمنزلية، وقطاع الخدمات مثل محال الحلاقة والمقاهي والمطاعم، فضلاً عن تأثر العمالة الليلية التي تم الاستغناء عن نسبة كبيرة منها، وهذه خسائر أكبر كثيراً مما تم توفيره». وحسب النحاس، فإن «خسائر خطة الترشيد يتحملها المواطن والقطاع الاقتصادي المصري».

لكن المتحدث باسم وزارة الكهرباء المصرية، منصور عبد الغني، ذكر أن «الإجراءات الحكومية الخاصة بترشيد استهلاك الطاقة، مثل تقليل الإضاءة وغلق المحال مبكراً، أسهمت في تحقيق وفر كبير». وقال في تصريحات متلفزة، مساء السبت، إن «الوزارة تعمل بالتعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة على ترسيخ ثقافة الترشيد لتصبح سلوكاً دائماً لدى المواطنين».

خبراء يتحدثون عن خسائر بقطاعات اقتصادية عدة في مصر (وزارة التموين المصرية)

واشتكى مصريون من الإجراءات التقشفية الحكومية، خصوصاً إغلاق المحال مبكراً، وكان المصري الأربعيني، سيد حسني، يعمل نهاراً عاملاً في بوفيه إحدى الشركات الخاصة، حيث يسكن في حي عابدين بوسط القاهرة، ثم يذهب لتسلم عمله الإضافي في أحد مقاهي المنطقة بدءاً من التاسعة مساء وحتى صباح اليوم التالي.

ويقول حسني لـ«الشرق الأوسط»: «فقدت عملي بالمقهى، وأخبرني المالك بأنه لم يعد يحتاجني بعد قرار الإغلاق في الحادية عشرة مساء»، ويوضح، أن «فقدانه عمله الإضافي يتزامن مع زيادة الأعباء المالية، وارتفاع أسعار معظم السلع».

كما تأثر الدخل اليومي للعشريني رضا محمد، الذي يعمل في محل حلاقة بوسط القاهرة، ويسكن في منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم الزبائن كانوا يأتون ليلاً عقب نهاية عملهم اليومي، والآن تراجع الإقبال بشكل كبير، وخسرت جزءاً كبيراً من دخلي».

وفي رأي الخبير الاقتصادي المصري، رشاد عبده، لم تحقق خطة التقشف الحكومي أي توفير فعلي، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم القطاعات الاقتصادية والتجارية وحركة السياحة تأثرت بسبب الإغلاق المبكر وهذه فاتورة باهظة»، مؤكداً أن «تكلفة دوريات المرور والمتابعة التابعة لمؤسسات الدولة والأحياء للتأكد من التزام المحال بالإغلاق، أكبر كثيراً مما تم توفيره من كهرباء ووقود».

سلع داخل أحد المتاجر في مصر (وزارة التموين المصرية)

ووفق عبده، فإن «تعديل مواعيد إغلاق المحال من 9 إلى 11 مساء سوف يقلل بعض الخسائر الاقتصادية والتجارية، لكن سوف يستمر تأثر العاملين ليلاً الذين تم الاستغناء عن عدد كبير منهم».

في المقابل، يرى رئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، ناجي الشهابي أن «خطة التقشف الحكومي حققت نتائج جيدة في توفير الطاقة». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأرقام التي أعلنها وزير الكهرباء تؤكد أن حجم توفير استخدام الطاقة كبير». ويلفت إلى أنه «يجب استمرار تحديد مواعيد لإغلاق المحال يومياً حتى بعد انتهاء تداعيات الحرب الإيرانية». ودعا إلى الاستفادة من خطة الترشيد الحكومي والاستمرار في تطبيقها مستقبلاً، قائلاً: «لا بد أن نقلل استهلاكنا للطاقة والكهرباء، والتوقف عن النمط الاستهلاكي».


التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية بوصفها مورداً عالمياً للطاقة

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
TT

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية بوصفها مورداً عالمياً للطاقة

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية؛ حيث نجحت في وقت قياسي في معالجة الأضرار الفنية وإعادة تشغيل منظومة الإنتاج بكفاءة. وأثبت نجاح المملكة في استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب، واستعادة منشأة «منيفة» لطاقتها التشغيلية، وقدرتها على التصدي لأي محاولات لتعطيل مرافقها الحيوية، وذلك بفضل تفوقها الفني والمهني وفي ظل منظومة احترافية للتعامل مع الطوارئ أجهضت محاولات قطع شريان الطاقة عن الأسواق العالمية.

وفي التفاصيل، أعلنت وزارة الطاقة السعودية، يوم الأحد، استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب «شرق - غرب» البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً، واستعادة منشأة «منيفة» لطاقتها التشغيلية الكاملة والبالغة نجو 300 ألف برميل يومياً، وذلك بعد أيام فقط من تقييم الأضرار الناتجة عن الاستهدافات. بينما لا تزال الجهود مستمرة لاستعادة القدرة الإنتاجية الكاملة لحقل «خريص» البالغة 300 ألف برميل يومياً.

ويمتد خط أنابيب «شرق - غرب» (بترولاين) بطول 1200 كيلومتر من بقيق شرقاً إلى ينبع غرباً، ويُعد المنفذ الوحيد لتصدير النفط الخام إلى السعودية في ظل إغلاق مضيق هرمز.

وكانت المملكة فعّلت خطة طارئة لزيادة الصادرات عبر خط الأنابيب هذا إلى البحر الأحمر، في ظل الإغلاق الفعلي للمضيق بسبب الصراع الذي يشهده الشرق الأوسط، ما أدى إلى خنق منفذ رئيسي لمنتجي النفط في الخليج. وبناء على ذلك، أعادت مجموعات من ناقلات النفط توجيه مسارها إلى ميناء ينبع لجمع الشحنات، مما يوفر شريان إمداد مهماً للإمدادات العالمية.

مرونة تشغيلية وصمام أمان دولي

تعكس هذه المرونة التشغيلية التي أظهرتها «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة تحولاً نوعياً أثبت قدرة المملكة على حماية مقدراتها من خلال بنية تحتية هندسية وتقنية قادرة على «التعافي السريع».

ولم يقتصر هذا التحرك على الجانب الفني فحسب، بل امتد ليؤكد التزام المملكة الراسخ بضمان استقرار إمدادات النفط، معززةً مكانتها بصفتها مورداً موثوقاً وقادراً على إدارة الأزمات بكفاءة عالية.

كذلك، تبعث استعادة العمليات بهذه السرعة برسالة طمأنة للسوق العالمية بأن أمن الطاقة السعودي يظل صمام الأمان للاقتصاد الدولي مهما بلغت خطورة التهديدات، وتؤكد الدور القيادي للمملكة في تعزيز الاستقرار العالمي، وموثوقية إمداداتها في أصعب الظروف الجيوسياسية.

وفي تعليق له، أكد الدكتور محمد الصبان، خبير الطاقة ومستشار وزير البترول السعودي السابق، لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة أثبتت على مدى عقود، وتحديداً منذ سبعينات القرن الماضي، أنها مصدر موثوق لإمدادات النفط العالمية يمكن الاعتماد عليه في مختلف الظروف.

وأوضح أن ما قامت به «أرامكو السعودية» يعكس مستوى عالياً من الكفاءة والجاهزية، حيث نجحت في التعامل مع تداعيات الهجمات التي استهدفت بعض المنشآت النفطية، والتي أدت إلى تعطل نحو 300 ألف برميل يومياً، إضافة إلى الخلل الذي طرأ على خط «شرق - غرب».

وأشار إلى أن الشركة تمكنت خلال فترة وجيزة من استعادة المنتجات المكررة المتأثرة، وإصلاح الأعطال، واستئناف العمليات بكفاءة، وهو ما يعكس المرونة الكبيرة التي تتمتع بها المملكة، والخبرة المتراكمة لـ«أرامكو» في إدارة الأزمات والتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.

وأضاف الصبان أن استعادة مستوى الإنتاج إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر خط «شرق - غرب»، وفق ما أعلنته وزارة الطاقة، تمثل رسالة طمأنة واضحة للأسواق العالمية بشأن استقرار الإمدادات السعودية.

وبيّن أن هذه التطورات تؤكد قدرة المملكة على الاستمرار بصفتها مصدراً موثوقاً للطاقة، لا سيما في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الخليج، بما في ذلك التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، حيث أصبح خط «شرق - غرب»، الذي أُنشئ في القرن الماضي، ممراً استراتيجياً وحيوياً لصادرات النفط السعودية إلى الأسواق العالمية.


«تكلفة الخوف» تدفع تجاراً مصريين لـ«المبالغة في التسعير»

أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)
أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)
TT

«تكلفة الخوف» تدفع تجاراً مصريين لـ«المبالغة في التسعير»

أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)
أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)

مع كل مرة يبحث فيها الثلاثيني المصري حسن سعيد عن سعر أرخص جوال جديد يشتريه بدلاً من القديم، يسمع أسعاراً أغلى، وعندما يعود في اليوم التالي يجد السعر القديم قد تغير... موقف تكرر مع الشاب الذي يعمل محاسباً في إحدى الشركات الخاصة ويقطن في حي «بولاق» بمحافظة الجيزة.

ودفع «الخوف» من استمرار انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار (الدولار الأميركي يساوي 53 جنيهاً) بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، عدداً من تجار السلع المعتمدة على الاستيراد بشكل أساسي إلى «المبالغة في التسعير»، وهو ما برز في زيادات لافتة شهدتها الهواتف المحمولة والسيارات والأجهزة الكهربائية، مع إيقاف بيع بعض العلامات الشهيرة لأيام من أجل «إعادة التسعير».

وأعلن وكلاء عدد من ماركات السيارات والهواتف «زيادات رسمية» عدة مرات مع نقص في المعروض من بعضها، فيما عادت ظاهرة «الأوفر برايس» (الزيادات عن الأسعار الرسمية المعلنة) في بعض الهواتف المحمولة والسيارات.

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية في نهاية فبراير (شباط) الماضي، تراجع الجنيه أمام الدولار من 47 جنيهاً إلى متوسط تجاوز 53 جنيهاً للدولار مع تذبذب في سعر الصرف بشكل شبه يومي، ومخاوف من انخفاض أكبر بقيمة الجنيه.

رئيس «شعبة الاتصالات والمحمول» باتحاد الغرف التجارية في مصر، محمد طلعت، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادة في سعر الدولار تنعكس بشكل فوري على تكلفة الأجهزة، سواء المصنعة محلياً التي تعتمد على مكونات مستوردة، أو المستوردة بالكامل من الخارج، مشيراً إلى أن «بعض الشركات حركت الأسعار أكثر من مرة، رغبةً في استمرار حركة البيع والشراء».

مصريون يشتكون من رفع أسعار الهواتف المحمولة والسيارات والأجهزة الكهربائية (الشرق الأوسط)

ويضيف طلعت أن بعض الشركات تلجأ بسبب «الخوف» إلى وضع حد «أعلى للتسعير بوصفه نوعاً من التحوط» بهدف البقاء في «المنطقة الآمنة»، مع متوسط تسعير تحوطي قد يصل إلى نحو 57 جنيهاً للدولار، في ظل الزيادات المستمرة في تكاليف التأمين والمصروفات المرتبطة بالاستيراد التي زادت بفعل الحرب وتداعياتها.

ورغم وجود زيادات في أسعار السيارات بنسب متفاوتة، وقرار بعض الوكلاء إيقاف عمليات البيع مؤقتاً، فإن عضو «شعبة السيارات» باتحاد الغرف التجارية في مصر، علاء السبع، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «أسعار السيارات الحالية ما زالت تقل بأكثر من 15 في المائة عن السعر الذي يعكس تكلفة الدولار وفق السعر البنكي، مع عدم تطبيق الزيادات المرتبطة بتداعيات الحرب، سواء فيما يتعلق بسعر الصرف أو كلفة التأمين والنقل حتى الآن».

ووفق السبع، فإن «سياسة التحوط في التسعير لا تصلح في أوقات الحروب أو عدم الاستقرار بسبب التقلبات الشديدة في السوق»، وتوقع أنه «في حال استقرار الأوضاع في المنطقة فإن الزيادات الجديدة قد تصل إلى ما بين 20 و22 في المائة عن أسعار قبل الحرب الإيرانية».

أجهزة كهربائية في أحد المعارض (الشرق الأوسط)

ووصف وكيل «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب المصري، حسن عمار، ما يحدث في تسعير بعض السلع بالأمر «غير المقبول»، خصوصاً في مجال الهواتف المحمولة والسيارات لأسباب عدة، في مقدمتها أن «جزءاً رئيسياً من المعروض حالياً دخل البلاد بأسعار ما قبل الحرب، بالإضافة إلى أن بعض عمليات التسعير تتم بأسعار أعلى من سعر البنك المركزي الذي لم يتأخر عن تدبير العملة للاستيراد».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه رغم توقع تأثر بعض الموارد للبلاد بسبب تداعيات الحرب، فإن المؤشرات والمعاملات الجارية في العملة الأجنبية كافة تسير مثل المعتاد من دون تغييرات تذكر باستثناء «سعر الصرف الذي يتسم بمرونة معلنة». ويؤكد أن «هذا الأمر يتطلب تدخل حكومي عاجل عبر الأجهزة الرقابية، وقد تتم مناقشته في اللجنة الاقتصادية قريباً حال عدم التحرك فيه بشكل فعال».

مقهى شعبي بوسط القاهرة (أ.ف.ب)

وهنا يدعو الثلاثيني سعيد إلى «ضرورة تشديد الرقابة على المحال بهدف البيع بالأسعار العادية التي كانت قبل الحرب». ويرى أن «خوف التجار من استمرار أمد حرب إيران يدفعهم لمزيد من الزيادات اليومية على الأسعار، وعليهم أن يشعروا بالمواطن وما يعانيه بسبب تفاقم الغلاء».

الخبير الاقتصادي المصري، مصطفى بدرة، يشير إلى «غياب وجود تقدير دقيق لسعر الدولار في السوق، لكون كل متعامل يضع سعراً تقديرياً خاصاً به، ويكون على الأرجح أعلى من متوسط السعر في البنك المركزي»، ويلفت إلى أن «حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف، والمفاجآت التي تحدث عالمياً، تجعل هذه المخاوف تزداد لدى التجار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «النشاط التجاري بشكل عام يتأثر بالمخاطر العالمية، والاضطرابات الموجودة في الوقت الحالي تدفع الأسواق نحو التحرك بحذر مع صعوبة تحديد أي رؤى مستقبلية بشكل حاسم في الوقت الراهن».