ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

الروائي المصري يقول إن «كتارا» لا تلملم ما يتساقط من «البوكر»

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
TT

ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة

بفوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية» في دورتها الثانية 2016، فئة «الرواية المنشورة»، عن روايته «الأزبكية»، وقيمتها 60 ألف دولار، وفوزه أيضا بجائزة تحويلها إلى عمل درامي وقيمتها 200 ألف دولار، يعيد الروائي المصري ناصر عراق الاعتبار للرواية المصرية التاريخية.
«الأزبكية»، تتناول فترة تمتد منذ قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، حتى نهاية عام 1805، وهو العام الذي وصل فيه محمد علي إلى السلطة. ويقول ناصر عراق، الذي يعرف حساسية إقحام التاريخ في العمل الروائي: «لستُ مؤرخا، وإنما روائي، ولكنني استلهمت وقائع التاريخ لأفهم الحاضر وأستشرف المستقبل، بخاصة أن الأحداث التي أعقبت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر تشبه إلى حد ما أجواء ما حدث في زمن روايتي الأزبكية».
«الشرق الأوسط»، التقت بناصر عراق بعد فوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية»، في العاصمة القطرية الدوحة، وأجرت معه الحوار التالي:

* فازت روايتك «الأزبكية» بجائزة كتارا للرواية العربية عن الروايات المنشورة، كما اختيرت أفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، كيف ترى هذا الفوز؟
- حقا إنه فوز كبير ومتفرد جدًا أسعدني كثيرًا، ومع ذلك دعني أخبرك شيئا... حين أعلن على مسرح دار الأوبرا بالدوحة أنني الفائز بالجائزتين تذكرت على الفور كل الذين تعلمتُ منهم طوال حياتي، وعلى رأسهم والدي الراحل عبد الفتاح عراق، الذي يُعّد مثقفا عصاميًا بامتياز، رغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية، ومع ذلك كان يقرأ طه حسين وسلامة موسى والعقاد وتوفيق الحكيم، وينفعل بكتاباتهم وآرائهم ويتأملها بعمق، ويحفظ شعر شوقي وبشار والمتنبي وبيرم التونسي، ويعلمنا كيف نتذوقه، ويتردد بشغف على دور المسرح والسينما بالقاهرة في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، أقول: لقد تذكرته بكل إجلال وتوقير ومحبة وأنا على خشبة المسرح، وودت لو كان حيًا ليرى نتائج عمله. كذلك تذكرت أشقائي الكبار، وتذكرت أيضا المبدعين المصريين والعرب والعالميين الذين انفعلت بأفكارهم وإبداعاتهم.
أرى هذه الجائزة بمثابة مكافأة طيبة لأسرة مصرية عاشقة للوطن والعلم والأدب والفن، كما أراها تحقق الحكمة الصائبة «لكل مجتهد نصيب»، فأنا طوال حياتي أقرأ وأكتب وأرسم وأمثل وأؤسس فرقة مسرحية وأخرج عروضا لها، وأؤسس أقسامًا ثقافية ومجلات وجوائز إبداعية هنا وهناك، وأتولى إدارة تحرير مجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية صحافية، كما أنني أنشر بانتظام منذ عام 1981، ولم أتوقف لحظة عن ذلك حتى إعلان الفوز الكبير.
> لديك مشوار مع المسابقات، روايتك «العاطل» وصلت لقائمة «البوكر» القصيرة عام 2012.. ماذا تضيف لك المسابقات والجوائز؟
- الجوائز مهمة لا ريب، وتحفّز المبدع على الإجادة وتحرضه على الإتقان، لكن الكاتب الجاد الموهوب لا يتصدى للكتابة من أجل مطاردة جائزة هنا، أو اقتناص تكريم هناك.. المبدع الحقيقي هو الذي يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي عنيف.. يزلزل كيانه من أجل أن يعبر عن نفسه بشكل أدبي، ولك أن تتخيل عدد المرات التي صحوت فيها من النوم فجأة مشحونا بفكرة أو عبارة أو موقف يجب صياغته فورًا في هذه الرواية أو تلك. باختصار.. الكاتب الحقيقي هو من يملك مشروعًا ينكبّ عليه انكبابًا ولا يستسلم ليأس أو إحباط. فإذا حصل على جائزة، فهذا جزاء اجتهاده، وإذا لم يحصل فيكفيه فخرًا أنه استمتع بإنجازه كما لم يستمتع أحد، وهنا أتذكر مقولة بالغة الأهمية لمفكر في القرن الـ19؛ منطوقها: «الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه».
> كيف ترد على من يقول إن جائزة «كتارا» كانت تلملم ما يتساقط من «البوكر»؟
- هذا كلام ظالم وغير صحيح بالمرة، فلكل جائزة طبيعتها وتقاليدها وأهدافها، وأظن أن جائزة «كتارا للرواية العربية» وجائزة «البوكر»، تعملان من أجل تعزيز الإبداع العربي، وتحديدًا في عالم الرواية، وأكبر دليل على نزاهة «كتارا» وحياديتها هي إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإلكسو) عليها، الأمر الذي دفع كثيرا من الروائيين الكبار والشباب إلى المشاركة فيها والتنافس من أجل اقتطاف جوائزها السخيّة، وقد تلقت إدارة الجائزة 1004 روايات في الدورة الثانية، كما أعلن الأستاذ خالد السيد، المشرف على الجائزة. وهو رقم كبير جدًا يتجاوز كل من يتقدم للجوائز الأخرى بمراحل.

الرواية والتاريخ

> روايتك «الأزبكية» تعيد وهج الروايات التاريخية، هي تتناول فصولاً من الحملة الفرنسية على مصر حتى وصول محمد علي للحكم.. هل يمكن للرواية أن تستوعب سجال التاريخ ونزاعاته؟
- أي رواية تستطيع أن تستوعب التاريخ أو الحاضر أو تستشرف المستقبل، بشرط أن تكون مكتوبة بذكاء ومهارة؛ فالروائي ليس مؤرخًا أو عالمًا في المستقبليات، لكنه بموهبته وخياله يستطيع استلهام بعض وقائع التاريخ ليشيد فوقها معمًارا روائيًا مؤثرًا، يستوفي شروط العمل الناجح المتمثل في إحكام البناء، والجاذبية، واللغة الرشيقة الحلوة.. إلى آخره، فالرواية في النهاية يجب أن تكون ممتعة لكل من يطلع عليها.
> ألا تعتقد أن من الخطر تناول التاريخ في إطار روائي.. التاريخ بطبيعته إشكالي ويحتاج إلى نقد، وليس إلى تحويله خيالا؟
- التاريخ مستودع ضخم يختزن الحكايات والوقائع والأسرار، والروائي الحصيف هو الذي يستطيع أن يقتبس منه ما يعزز أفكاره وآراءه، وما يعينه على كتابة عمل ناجح. وقد لجأت إلى التاريخ لأفهم الحاضر المصري والعربي، لعلنا نستطيع أن نفكك تناقضاته ونحل مشكلاته، من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا وسعادة للجميع.
> نحن نعلم خصوصية هذه الفترة التي تناولتها الرواية التي تمتد من عام 1798، حتى نهاية 1805، فهذه الحقبة التاريخية حكم فيها مصر تسعة حكام أجانب، قضى ثلاثة منهم قتلاً.. وهي فترة اضطراب شعبي في مصر. ما الهدف من اختيار هذه الفترة تحديدًا؟
- لقد عدت إلى هذه الفترة، لأن حملة نابليون على مصر وما أعقبها من أعوام قليلة مثلت لحظة فارقة في تاريخنا الحديث، اتسمت بصراعات ثقافية وفكرية وعسكرية مصحوبة بفوضى عارمة، أظنها كانت تشبه إلى حدٍ ما، ما جرى في مصر مع ثورة يناير وما تلاها. كما أننا نعاني حتى هذه اللحظة في البحث عن طريقة نتعامل بها مع الغرب؛ هل نعاديه حتى لا يطغى على هويتنا؟ هل نصالحه ونذوب فيه فنفقد ديننا وهويتنا كما يقول بعضهم؟ هل نأخذ منه ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا ونهجر ما يخاصمها؟ وكيف نتمكن من ذلك؟ هذه الأسئلة الحرجة وتلك الأجواء العاصفة هي التي أوحت لي بفكرة «الأزبكية».
> مزجت «الأزبكية» التاريخ بالخيال، بشكل فني بارز، لكن ألا تخشى أن يطغى الخيال على الواقع، فيشوه السرد التاريخي؟
- لم أخش شيئا، فأنا روائي محترف، ولست مؤرخا، وأعرف جيدًا ما تتطلبه الرواية الناجحة، فحاولت أن أكتب عملا ينهض على التاريخ، لكنه ليس كتابًا في التاريخ، وإنما رواية مثيرة وممتعة محمّلة بصراعات اجتماعية ووطنية وثقافية، تتخللها علاقات غرامية مشبوبة، وأفكار وآراء جديرة بالنقاش.. وأظن أن محاولتي نجحت، بدليل الفوز الكبير الذي حققته «الأزبكية».
> بين رواياتك: «أزمنة من غبار»، و«من فرط الغرام»، و«تاج الهدهد»، و«العاطل»، و«نساء القاهرة - دبي» وصولاً لـ«الأزبكية» و«الكومبارس».. إلى أي مدى تحقق حلمك الروائي؟
- لا ريب في أنني سعيد بما أنجزت، لكنها سعادة منقوصة، حيث لا نهاية لأحلامي الروائية، وأظن أن في جعبتي الكثير الذي لم يكتب بعد، فالأجمل لم يكتب بعد، كما يقال، وأنا حاليًا أعكف على رواية جديدة ضمن مشروع روائي أكبر أرجو أن تسنح لي الظروف بإنجازه.
> هل كان «عبد المؤمن السعيد» بطل روايتك «الكومبارس» الذي يكشف خبايا عالم الفن والثقافة.. رمزًا للمهمشين.. لماذا اخترت أن تقحمه عالم الفنّ وكأنه يحاكي نموذجًا لديك؟
- أظنك تعرف أن كثيرًا من المبدعين المصريين المتميزين في المجالات كافة قد تعرضوا لظلم بيّن طوال أربعين عامًا من قبل نظامي السادات ومبارك، لذا اخترت شخصية عبد المؤمن السعيد بطل «الكومبارس» بوصفه رمزًا لكل من يمتلك موهبة، لكنه كابد الضيم والإهمال، وقد ساعدتني تجربتي مع عالم المسرح في شبابي الأول على الغوص في الطبيعة النفسية للممثل الموهوب سيئ الحظ.
> أنت خريج فنون جميلة، ولديك رابطة وثيقة بعالم الفنّ.. هل كنت تقول بلسان «عبد المؤمن السعيد» ما كنت تكابده (ربما)؟
- لا أعتقد ذلك، رغم أن كثيرًا من أبناء جيلي الموهوبين لم ينالوا ما يستحقونه من حفاوة واهتمام، لكنني لا أظن نفسي «ضحية»، فأنا اخترت طريق الإبداع الجاد والصحافة الملتزمة المسؤولة، وكنت أدري حجم المعاناة التي يمكن أن يتعرض لها كل صاحب موقف لا يبتذل نفسه أمام أصحاب السلطان.
> ما رأيك في الرواية العربية، والمصرية تحديدًا، اليوم؟
- أظن أن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت قفزات كبيرة في عالم الرواية، فأقبل على كتباتها قطاعات كثيرة من الناس، وهو أمر طيب لا ريب، والزمن كفيل بفرز الجيد منها، فغزارة الإنتاج ضرورة للتطوير والتجويد، وبالفعل هناك روائيون يمتلكون مواهب لافتة من الشباب ومن الكبار.
> كتبت عن «الأخضر والمعطوب.. في الثقافة والفن والحياة».. ما «المعطوب» في الثقافة؟
- ما أكثر المعطوب في ثقافتنا العربية.. كل كتابة لا تحترم العقل وما وصل إليه من تفتح وتطور، كتابة معطوبة.. كل فن لا يسمو بذوق الإنسان ويرتقي به، فن معطوب، كل رأي متحجر يظن نفسه الأكثر فهما وحكمة، رأي معطوب.
> من أين يأتي العطب؟
- من غياب العدل.. من استشراء الظلم.. من تفشي الجهل.
> لديك تجربة طويلة ومميزة مع الصحافة الثقافية، كيف ترى هذه الصحافة في عصر التواصل الرقمي؟
- علينا الاعتراف بأن الصحافة الثقافية الورقية في خطر داهم، ومهددة بالاندثار إذا لم تطوّر نفسها، فالإعلام الإلكتروني بات ذا تأثير مدهش كل لحظة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تدفع الناس إلى هجر التعامل مع الأوراق بصورة متزايدة، إلا المطبوعة المتميزة المتفردة. فإذا لم تنتبه الصحافة الورقية إلى المأزق الذي صارت إليه، فلا منجاة من السقوط في بئر النسيان بكل أسف.. بصراحة.. نحن في حاجة إلى ثورة من أجل تطوير صحافتنا الثقافية.

سيرة ذاتية

- يعمل حاليًا مديرًا لتحرير مجلة «حروف عربية» بدبي. وقد ولد في شبرا البلد بالقاهرة، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالزمالك عام 1984، وعمل محررًا ورسامًا في الصحافة الثقافية بمصر، ثم غادر إلى دبي في يناير 1999، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي بمجلة «الصدى» الأسبوعية، وأصبح في عام 2003 مدير تحرير مجلة «دبي الثقافية» حتى فبراير (شباط) 2010.
- أصدر ثلاثة كتب، هي: «ملامح وأحوال.. قراءة في الواقع التشكيلي المصري»، و«الأخضر والمعطوب.. في الفن والثقافة والحياة»، و«تاريخ الرسم الصحافي في مصر 2000».
- أصدر سبع روايات، هي: «أزمنة من غبار» و«من فرط الغرام»، و«العاطل» التي وصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» 2012، و«تاج الهدهد»، و«نساء القاهرة - دبي»، و«الأزبكية» التي فازت بالجائزة الكبرى في جائزة «كتارا للرواية العربية» بالدورة الثانية 2016، كما أنها فازت بأفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، وفي هذا العام أصدر آخر رواياته «الكومبارس».
- فاز كتابه «تاريخ الرسم الصحافي في مصر/ 2000) بجائزة أفضل كتاب في المسابقة التي تنظمها جائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى.
- كما فاز ناصر عراق بجائزة «أفضل مقال» في الصحافة الإماراتية، في مسابقة «تريم عمران» - الدورة الثانية 2004، التي تنظمها «مؤسسة الخليج للصحافة».



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي