«هاكسو ريدج» يستعيد أفلامًا مع الحرب وضدها

بمناسبة بدء عروضه التجارية

من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون  -  جاك بالانس في «هجوم» لروبرت ألدريتش
من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - جاك بالانس في «هجوم» لروبرت ألدريتش
TT

«هاكسو ريدج» يستعيد أفلامًا مع الحرب وضدها

من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون  -  جاك بالانس في «هجوم» لروبرت ألدريتش
من «هاكسو ريدج» لمل غيبسون - جاك بالانس في «هجوم» لروبرت ألدريتش

بوصول فيلم مل غيبسون الجديد «هاكسو ريدج» وسط احتفاء نقدي غربي ملحوظ، تطل الحرب العالمية الثانية من جديد حاملة إلى مشاهدي اليوم قبسات من وقائع شهدتها الأجيال السابقة، وتتعرّف عليها الأجيال اللاحقة لأول مرّة. حرب ضروس نتج عنها ما لا يقل عن 60 مليون ضحية، فضلا عن تشتت ملايين أخرى اضطرت إلى الانتقال بعد الحرب من مقاطعات أوروبية كانت تنتمي إلى بلد معيّن قبل الحرب أفاقت على وضع جديد تنتمي فيه إلى بلد آخر (كما الدول البلقانية وبعض المقاطعات البولندية).
ثلاثون دولة من أركان العالم شاركت في تلك الحرب توزّعت عملياتها ما بين أوروبا والولايات المتحدة وجنوب شرقي آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وإحدى المناطق الأسخن في تلك الحرب كانت جنوب شرقي آسيا مع قيام اليابان باجتياح أقاليم من الصين والفلبين ومعظم الجزر الأخرى في ذلك الجزء من المحيط الباسيفيكي.
«هاكسو ريدج» يتولّى واحدة من تلك المعارك التي اندلعت في جزيرة أوكيناوا التي استمرت من مطلع أبريل (نيسان) 1945 إلى الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) من العام ذاته. المجند دزموند دوس انضم إلى الكتيبة الأولى في الفرقة 307 وحط مع رفاق السلاح فوق الجزيرة حيث دارت معارك مروعة. لكن في حين أن كل رفاقه حملوا السلاح بطبيعة الحال، فإن دزموند كان أصر منذ البداية على أن مجهوداته في هذه الحرب هي إسعافية وعليه رفض أن يحمل أي سلاح.
* صور الحرب
الفيلم يهدر بإنجاز رائع على مستوى الإخراج. حتى تلك المشاهد القليلة التي من الممكن اعتبارها من «الكليشيهات» المتداولة في مثل هذه الحروب، منفّذة بقوّة تجعل المشاهد متسمّرًا أمام الشاشة، مراقبًا عنف وضراوة ما يدور، وفي الوقت ذاته تضحية دزموند (يؤديه جيدًا أندرو غارفيلد) بسلامته لقاء إنقاذ عشرات الجنود الأميركيين الذين سقطوا جرحى وبقوا في أماكنهم بعدما انسحبت القوات الأميركية من المكان.
في الواقع، لم تكن الحرب العالمية الثانية بالنسبة لأميركا مجرد معارك تعود منها منتصرة. بل كانت من الضراوة، بحيث كان ثمن الاشتراك بها باهظًا، ولو أن الحشد الوطني وراءها لم يكن منقسمًا حيالها كما حدث لاحقًا بالنسبة لحروب أميركا الأخرى مثل الحرب الفيتنامية أو الأفغانية أو العراقية.
والسينما الأميركية لم تتوان عن تقديم نماذج متعددة من صور الحرب التي كان الجهد بأسره منوطا بالعنصر البشري في المواقع الفعلية في مقابل التقنيات الإلكترونية وطائرات الدرون والصواريخ العابرة للقارات المحتشدة في مخازن القوى العسكرية اليوم.
«غضب» لديفيد أيار (2014) كان آخر ما وصلنا من هذه الأفلام. براد بت ورفاقه في موقع أوروبي وعليه أن يصد تقدم دبابات ألمانية تتقدم صوب مواقع الحلفاء. فيلم كونتين تارنتينو المعروف «ساقطون بلا مجد» (2009) يدور في رحى تلك الحرب، لكنه ليس فيلمًا حربيًا فعليًا، بل أقرب لأن يكون فيلم عمليات جاسوسية.
هذا ما ينقلنا، عمليًا وتجاوزًا لبعض الاستثناءات، إلى فيلمين أميركيين خرجا في سنة واحدة (1998) وجسّدا، كل بطريقته الخاصّة، جزءًا من الحرب التي خاضاها وهما «الخط الأحمر النحيف» لترنس مالك، و«إنقاذ المجند رايان» لستيفن سبيلبرغ.
لكن أواخر الأربعينات وطوال الخمسينات هي السنوات التي شهدت أكثر أفلام هوليوود تعاملاً مع شروط الفيلم الحربي ومع مواضيع كانت آنذاك طازجة، إذ كانت الحرب العالمية انتهت عمليًا سنة 1948 بانتصار الحلفاء في الغرب وفي الشرق. حينها، وعلى سبيل المثال، تواردت الأفلام الهوليوودية التي أرادت أن تنقل صور البطولة ضد النازيين أو حلفائهم اليابانيين. التقليدي سام وود بادر إلى تحقيق «قرار قيادي» (Command Decision) سنة 1948. إنتاج كبير لمترو غولدوين ماير مع كلارك غايبل في تلك القيادة التي عليها تدمير مصانع إنتاج الطائرات الحربية الألمانية.
في العام التالي انتقل الهوليوودي العريق أيضًا ألان دوان إلى الباسيفيك ليقدم «رمال إيوو جيما» لحساب «ريبابليك بيكتشرز» ومن بطولة جون واين. بعد ذلك تتكاثر الأفلام بمعدل مرتفع لتغطي جبهات كثيرة جوًا وبحرًا وبرًا، وإن بقيت المعارك البرية هي الأكثر عددًا بين كل ما تم إنتاجه من تلك الأفلام.
* بعيدًا عن البطولات النادرة
بطبيعة الحال، فإن معظم تلك الأفلام كانت وطنية تستفيد من وقوف معظم الأميركيين لجانب المجهود الحربي. لكن بعضها بدأ يلقي بالأسئلة حول ماهية الحرب والثمن الذي يدفعه كل جانب فيها لتحقيق النصر، وصولاً إلى تناول حكايات غير بطولية تخدش الصورة الزاهية السابقة.
في منتصف الأربعينات أسندت الإدارة العسكرية الأميركية إلى المخرج المعروف جون هيوستون مهمّة تصوير فيلم تسجيلي يحيي بطولة الجنود الأميركيين، ويكشف عن البذل الذي تخوضه الولايات المتحدة في حربها لصالح حلفائها الأوروبيين. النتيجة كانت فيلما عنوانه «ليكن هناك ضوء» (1946)، وكانت مفاجئة، لأن هيوستون استغل الفرصة السانحة لتقديم مشاهد مؤلمة عن تلك الحرب تعلن الثمن الباهظ الذي يدفعه الجندي الفرد وليس (فقط) إدارته. المسألة بالنسبة إليه كانت مسألة ضحايا ورجال مشوّهين عائدين إلى الوطن بأطراف مبتورة، وليست مسألة بطولات. لم يعارض المبدأ، لكنه صوّر الواقع أكثر بقليل مما كان يتمنى البنتاغون.
وفي حين امتلأت الشاشة بصور الحرب الزاهية والبطولات النادرة عبر أفلام مثل «الخوذة الفولاذية» لصامويل فولر (1951)، و«قرار قبل الفجر» لأناتولي ليتفاك (1951)، و«من هنا وحتى الجحيم» لفرد زنيمان (1953)، و«صرخة معركة» لراوول وولش (1955)، نأى المخرج روبرت ألدريتش بنفسه جانبا عندما قرر التعامل مع الموضوع.
ففي عام 1956 قدم «هجوم» مع جاك بالانس ولي مارفن و(ممثله المفضل) ريتشارد جايكل، وفيه أنه خلال مواجهة قاضية تخوضها فرقة أميركية تواجه هجومًا ألمانيًا شرسًا قرر الكابتن كوني (إيدي ألبرت) التضحية بالفرقة التي يقودها الملازم كوستا (بالانس) بسبب جبنه وخوفه من الموت ما يجلب عليه غضب الملازم الذي يعود وحيدًا من الموقعة وفي باله الانتقام.
الحرب بين حلفاء الجبهة الواحدة كان أيضًا موضوعًا ورد متأخرًا بعض الشيء. ففي سنة 1977 قام المخرج سام بكنباه بتحقيق «ميدالية من حديد» (Cross of Iron)، وهي ميدالية الشرف بالنسبة للقوات الألمانية. ماكسيمليان شل هو الكابتن الألماني الرعديد الخائف على تفويت فرصة الحصول على ذلك الشرف والتضحية بالآخرين في سبيل ذلك وجيمس كوبرن هو المجنّد الذي سيعود من المهمّة المستحيلة مكتشفًا أن الحرب بأسرها ليست سوى مهزلة كبرى.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز