لم تواجه القوى السياسية اللبنانية التي قررت أخيرًا السير برئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، كثيرا من التحديات في محاولة إقناع جماهيرها بـ«الاستدارات» المتواصلة في الخيارات السياسية. وهي وإن كانت اضطرت لتبرير الأسباب «القاهرة» التي دفعتها لاتخاذ قرار التصويت لعون، فإنها نجحت إلى حد بعيد في احتواء الأصوات الممتعضة وأعادتها إلى كنف المجموعات التي تنتمي إليها بالأصل.
لعل التحدي الأبرز في هذا المجال واجهه تيار «المستقبل» الذي يرأسه النائب سعد الحريري؛ إذ رُصدت حملة امتعاض وضيق غير مسبوقة على وسائل التواصل الاجتماعي قبيل عملية تبني ترشيح عون ومباشرة بعدها، لتتلاشى مع مرور الأيام وانطلاق العهد الجديد. ويرد عبدو قاعي، الكاتب والباحث في علم الاجتماع، سبب «التأقلم السريع» للجماهير الحزبية مع الخيارات الجديدة لزعمائها، إلى أن «كل فرد ينتمي لمجموعة طائفية أو مذهبية يفضل انتماءه هذا على انتمائه الوطني نظرا لضعف كيان الدولة، وضعف مؤسساتها والإدارات العامة». ولفت إلى أنّه «كلما حصل وفاق بين الزعامات الطائفية، انسحب تلقائيا على المجموعات التي يديرها هؤلاء الزعماء».
واعتبر قاعي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «ما نشهده في هذا الإطار في المرحلة الراهنة غير مفاجئ على الإطلاق، ولقد اعتدناه في المجتمعات العربية والتقليدية».
وأردف أنه حتى بعض المجتمعات الغربية عادت إلى هذا السلوك المعروف باسم «السلوك الجماعي القبلي»، متابعًا: «لن نستطيع - كلبنانيين - الخروج من هذه الدوامة إلا بدفع الفرد للشعور بالانتماء إلى دولة، ما يؤسس، عندها، لقيام الدولة المدنية. وعمليا، ذلك لا يمكن أن يتم إلا بتقوية الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الإدارية».
من ناحية ثانية، لا يزال مشهد أعلام «التيار الوطني الحر» وحزب «القوات اللبنانية» و«حزب الله» «المتعانقة في ساحة الشهداء في وسط بيروت عشية انتخاب عون رئيسا للجمهورية، تثير تساؤلات كبيرة عن حقيقة ما تشعر به هذا الجماهير التي ظلت حتى الأمس القريب تعد الجمهور الآخر عدوًا لدودا لها. فالمؤكد أن القاعدة الشعبية لعون التي لا تتردد في التعبير عن امتنانها لـ«القوات» و«المستقبل»، كما لـ«حزب الله»، للمساعدة بوصول زعيمها إلى قصر بعبدا، لم تنس تاريخا طويلاً من الخصومة وحتى الصراع الدموي، ولعلها ستحتاج كثيرا من الوقت لتتخطاه، ولو كانت تُظهر علنًا أنّها قفزت فوقه.
ويرجح المراقبون أن الطبقة السياسية لم تنجح فقط في استنهاض نفسها ولملمة صفوفها، بعدما كادت تتفكك كليا في المرحلة الماضية، بل إنّها «قضت على البذور التي زرعها المجتمع المدني والتي كان يتوقع أن تُزهر في الانتخابات النيابية المقبلة» في ربيع عام 2017. وهذا ما عبّر عنه عماد بزّي، الناشط البارز في الحراك المدني الذي شهده لبنان أخيرًا، بقوله إنه «لا بديل حقيقيًا يُمكن الحديث عنه اليوم قادرا على مواجهة تكتل الطبقة السياسية من جديد»، مشيرا إلى أن «ضعف الحراك الذي كان قيد النمو، إضافة إلى كثرة أخطائه ودخول مجموعات انتهازية على الخط، كلها عوامل تضافرت وأدّت إلى استحالة تحقيق أي نتيجة تُذكر في أي مواجهة ديمقراطية مقبلة مع الطبقة السياسية التي أعادت إنتاج نفسها».
وتحدث بزي لـ«الشرق الأوسط» عن «عوامل متعددة تجعل الأفراد المحازبين يسارعون للالتفاف على زعمائهم عند كل منعطف، أبرزها الارتباط الخدماتي والارتباط الديني وشد العصب الحزبي». ثم أضاف: «مثلاً، ليس خافيا على أحد أن (حركة أمل) و(تيار المستقبل) يؤمّنان الوظائف والخدمات لمناصريهما، مما يجعل هؤلاء متمسكين بهم بغض النظر عن القرارات التي يتخذونها».
واستطرد أن «حالة التململ الشعبي تصل لأول مرة لمستويات مرتفعة في ظل الحالة الاقتصادية المزرية وتردي الأوضاع الاجتماعية»، مرجِّحا أن يظهر «الشرخ الحاصل في عدد من الأحزاب والتيارات وأبرزها (تيار المستقبل) في الانتخابات المقبلة، إلا إذا اعتمد قانون الستين الحالي وتحالف (المستقبل) مع (القوات) و(التيار الوطني الحر)». ثم قال: «غير أن التحديات التي تواجه (تيار) المستقبل تبقى أكبر بكثير من تلك التي تواجه الأحزاب المسيحية التي تستطيع التأثير في جماهيرها من خلال الحديث عن الوحدة المسيحية وغطاء بكركي».
9:58 دقيقه
الجماهير الحزبية تتأقلم سريعًا مع رئاسة عون.. والمجتمع المدني مستسلم في الانتخابات المقبلة
https://aawsat.com/home/article/776161/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%A3%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D9%85%D8%B9-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B9%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B3%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA
الجماهير الحزبية تتأقلم سريعًا مع رئاسة عون.. والمجتمع المدني مستسلم في الانتخابات المقبلة
- بيروت: بولا أسطيح
- بيروت: بولا أسطيح
الجماهير الحزبية تتأقلم سريعًا مع رئاسة عون.. والمجتمع المدني مستسلم في الانتخابات المقبلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



