معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

على الوعي الديني أن يقر بالاختلاف ويقبل سلطة العلم التي تحتكر معرفة العالم

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته
TT

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

معنى عودة الديني إلى العالم المعاصر ودلالاته

عودة الديني وراهنيته، عنوان إشكالي، له آثاره المفاهيمية والفكرية والقيمية على المجتمعات المعاصرة، لأنه لا يتعلق بالمجتمعات الغربية وحدها، بل وبالمجتمعات الإسلامية التي اتخذ فيها أشكالا مختلفة. فبأي معنى يمكننا أن نتحدث عن عودة الديني إلى العالم المعاصر؟ وما دلالات هذه العودة؟ وهل تعبر هذه العودة إلى الفضاء الغربي، عن عجز في منظومات الحداثة وما بعد الحداثة، أم إنها لم تنقطع أصلا، بل اتخذت أشكالا مختلفة؟ وهل يحق لنا الحديث عن عودة الديني في الفضاء الإسلامي؟ وكيف تمظهرت هذه العودة؟
تعبر عودة الديني وراهنيته عن مكر العقل والتاريخ؛ فبعدما اعتقدت الحداثة أنها أزالت السحر عن العالم، وحذفت كل أشكال الدين ودلالاته الإيمانية والمقدسة، عن كل تفاصيل الحياة في الفضاء العمومي الغربي، وقزمت من تأثيراته وتداعياته، انبثق سؤال الإيمان وجدواه مجددا، بعدما سادت العبثية واللامعنى الوجود الإنساني، وتفتحت مع الحداثة أبواب العدمية.
لقد اعتقد العقل الحداثي الغربي، أن الدين أمر يعود إلى الماضي، وهو من سمات المجتمعات البدائية السابقة للحداثة، وأنه إما سيضعف بشكل كبير أو سيختفي كليا، وفي أفضل الأحوال، سيصبح أمرا خاصا بالفرد في المجتمعات العلمانية الحديثة. لكن التاريخ العالمي اتخذ هذه الأيام، مسارات مختلفة عن كل التوقعات؛ إذ تمظهر الديني في مختلف الحركات الدينية في العالمين الغربي والإسلامي. وهذا ليس مجرد إعادة إحياء لأشكال تقليدية، بل بناء لظواهر حديثة للغاية؛ فالجديد في لحظتنا الراهنة، يتمثل في الحضور المتزامن لجميع ديانات العالم، ووجودها بشكل منفصل عن سياقها الزماني والمكاني، مما يجعلها عرضة لاستحواذ النزعات الفردية والأصولية عليها. فراهنية الديني وعودته، ارتبطتا بحاجات الشعوب إليه، حيث خضع لملابسات التجربة التاريخية؛ إذ يمكن للدين أن يلتقي مع الاستبداد في ظروف معينة، مثلما يمكنه أن يكون مقارعا للاستبداد والمستبدين في أوضاع مغايرة. وبهذا المعنى، لم يعد الدين، حسب ريجيس دوبري، أفيون الشعوب، بل «أصبح فيتامينها»، ومخلصها من كل أشكال السيطرة والاستلاب والاستغلال. كما أن الهويات الخاصة، والطوائف الدينية، تسعى لأن تحصل على الاعتراف بها من داخل ذاتها، ولما هي عليه. لقد كشفت صيرورة التاريخ أقنعة المقدس، ولم تتخلص من هذه الأقنعة، بل ألبست الإنسان تلك الأقنعة، وجعلت من أنسنة المقدس هدفا من أجل التوازن، لسد الفراغ المركب الذي أحدثته تلك الصيرورة. إن راهنية الديني أو عودته، تتجلى في سيرورة أنسنة الإلهي، وسيرورة تأليه الإنسان، بحيث يصبح الدين أقل عقائدية، وأكثر روحانية، لكي لا تتسع الهوة بينه وبين الحياة.
إذا كان عنوان الحداثة هو السيطرة والتحكم نتيجة التطور العلمي والتقني، فإن عنوان ما بعد الحداثة، هو الحيرة المعرفية، والارتباك المنهجي، والفراغ القيمي. أمام هذا الوضع، جرت عودة الدين، وازدادت الحاجة إلى الإيمان والاعتقاد والتدين. وجرت، بالتالي، إعادة الاعتبار إلى الدين، باعتباره شعورا بالتبعية المطلقة، والعجز الإنساني أمام القوى الخارجية.
إن ظاهرة «عودة الديني»، ارتبطت بالبراديغم (النموذج القياسي أو المعياري) العلماني، والبراديغم الإسلامي، على حد سواء، لتظهر في أشكال مختلفة، عما كان سائدا في التقاليد المسيحية - اليهودية أو الإسلامية. فحينما نتحدث عن عودة الديني، لا نقصد أن المسيحية اختفت أو أن الإسلام لم يعد حاضرا، بل ما نحاول مقاربته هو أن الديني لم يبق مفصولا عن المجال العمومي، وعن أسئلة السياسة والثقافة والمجتمع، بل أصبح يثير كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالوجود الإنساني عموما. فالمجتمع العلماني، قزّم دور الدين في إطار دائرة الإيمان الفردي، وفي علاقة أحادية بين العبد وخالقه. لكن المجتمع ما بعد العلماني، لم يعد ينظر للديني فيه بتوجس، بل على أنه مكون أساسي في بناء حقائقه. الأمر نفسه بدأ يحدث في المجتمعات الإسلامية، لكن بصيغ مختلفة، أي وسيلة للمقاومة والتحرر، أو وسيلة للعنف والإرهاب، أو وسيلة للبناء الحضاري وتجاوز حالة الضعف والتأخر، والمساهمة في العالمية. فعودة الديني، مؤشر على أن العلمانية لم تستطع إقناع الروح الحرة داخل الإنسان، الذي ينزع بفطرته إلى الدين، واحتجاج على ثقافة مستلبة أو وهمية، أو كشكل مختلف للدخول في الحداثة. وهذه الأخيرة فقدت أسها، أي «تحرير العالم من سحره»، أي طرد الغامض والميتافيزيقي واللاهوتي. وبدا أنه بحاجة إلى «قوة غامضة» تقوده إلى الطريق القويم وتخرجه من عنق الزجاجة. فلم يتردد «آندريه توزيل» في أن يتوقف أمام الدور الإيجابي الممكن للدين، مستعيدا أعمال إرنست بلوخ، الذي رأى أن في الدين قوة محرضة على العدالة والإصلاح، في حال توفر الشروط السياسية والاجتماعية، رافضا اختصار الدين إلى دور تضليلي سلطوي المنطلق. يبرز في هذا المنظور، «لاهوت التحرير» الذي عرفته أميركا اللاتينية، وحاول أن يوحد بين الدعوة إلى الثورة والتعاليم المسيحية، مبتعدا عن «الإيمان المجرد»، ومعطيا تأويلا سياسيا للنصوص الدينية، ينقد الاستبداد والاستغلال، وينادي بمنظور للعالم يصالح بين الدين والمقولات الماركسية، وينطلق من الإنسان المضطهد؛ لا من الإنسان المؤمن أو الكافر.
إن «عودة الديني» تعبر عن قلق في العقل الغربي، يرجع إلى أنه يدرك التاريخ بشكل أحادي الاتجاه؛ إذ ينطلق من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حداثية، من دون الأخذ بعين الاعتبار البعد التعددي والمشاركة الحضارية للثقافات والشعوب الأخرى. فخطاب الغرب نفسه حول الحضارة والحداثة والتقدم، لا يخرج عن التعاليم المسيحية المعلمنة؛ إذ يشكل فصلا جديدا في تاريخ الدين الذي يحمل رسالة الخلاص. لكن الخلاص هنا، هو خلاص أرضي يبشر بالجنة في الحياة الدنيا.
ما يلاحظ في الربع الأخير من القرن العشرين، أن هناك فكرتين: الأولى ترى في العلمنة سيرورة محتمة، وشرطا للحداثة، ونتيجة لها في آن واحد. والثانية تسجل عودة الديني، مدركة أنها احتجاج على حداثة مستلبة أو وهمية، أو باعتبارها شكلاً مختلفا للدخول في الحداثة. فعودة الديني تحيل إلى إعادة صياغة «الدين، وليست عودة إلى ممارسات سلفية مهجورة»، بل هي بلا صفة إقليمية، وليست هوية ثقافية. فعلى الرغم من أزمة الديني، التي هي أزمة ثقافة، فإن الاعتقادات الدينية وتحولاتها وانتقالاتها، قادرة على البقاء والازدهار.
فالتجربة الدينية مرت عبر التاريخ بمراحل تعاقبت فيها تفسيرات وتأويلات، حاولت، قدر الإمكان، أن تواكب التطورات التي يعرفها الواقع الاجتماعي والسياسي. إلا أن ما يميز اللحظة الراهنة هو حضور الظاهرة الدينية بقوة في كل نزاعات العالم المعاصر، حيث أصبح الهروب من تحليلها وإعادة تأويلها، بمثابة مساهمة في نشر العنف والدمار للبشرية. وفي هذا الإطار، أكد يورغن هابرماس، أن المستقبل لـ«الدين العاقل». ففي مجتمع حديث قطع الصلة بالخرافات والأساطير، لم يبق من الدين غير «الجانب العقلي»، ففي هذا العالم المتعدد دينيا وثقافيا وعرقيا، يجب على الوعي الديني أن يقر بمبدأ الاختلاف مع المذاهب الأخرى، وأن يقبل سلطة العلم، التي تمتلك اليوم حق احتكار معرفة العالم. كما يجب عليه أن يتقبل القوانين والمبادئ التي تتأسس عليها الدولة، على الرغم من انبثاقها عن أخلاق غير دينية. فهابرماس، يقر بأن الدين يجب أن يعود إلى الفضاء العمومي، وأن يساهم في بناء حقائقه. لقد كانت فكرة الحداثة في تجليها العلماني، تقتضي في الأساس، فصل السلطات حتى لا يؤثر الشأن الديني على الشأن السياسي. كما تقتضي احترام تنوع المعتقدات، دفاعا عن حرية التفكير والاعتقاد وقبول القيم الكونية. لكن هذا المبدأ جرى نقضه، واختزال العلمانية في مهاجمة الدين ومحاربة وجوده في المجتمع، وجعلها وسيلة لإقصاء الرؤية الدينية من الحياة العامة. بعبارة أخرى، أينما حل العقل، لا يمكن القبول بالتعامل مع الدين. فنحن هنا أمام نوع من الاستعلاء في الفكر الفلسفي والسياسي.
لقد كان الاعتقاد السائد، عند كثير من العلمانيين في القرن العشرين، أن الدين وهمٌ يجب أن يتبدد، وأن الأديان هي مجموعة من الخرافات التي تمضي إلى الأفول، ولم تعد سارية المفعول. لكننا نشهد إعادة إحياء لكل ما هو «ديني»: فالحجاب، والمساجد، والصوامع، والأسماء الشرقية الإسلامية كلها، دلالات على هذا الوجود «المزعج»؛ إذ أصبحت هذه المظاهر، تحتل أهمية كبرى في الوعي الغربي.
إن الأمر هنا، يتعلق بالرؤية الجديدة والواضحة للدين الذي يأبى الأفول والإبادة. إن أساس المعضلة، لا يتعلق بالإسلام أو بالأديان، بل بإساءة فهم للعلمانية، ذلك أن الدين ما كان يومًا وسيلة بشرية لضبط الناس وإدارتهم، أو السيطرة عليهم، بل تلبس بالتحولات التي عرفتها المجتمعات الحداثية وما بعد الحداثية.
بشكل عام، إن عودة الديني في الغرب، جاءت استجابة لحاجة إلى المعنى، في ظل مجتمع مأزوم بكل أشكال الاستهلاك والتشيؤ والعلمنة. بينما يختلف الأمر في العالم الإسلامي، حيث يطغى الإسلام السياسي والرهان الآيديولوجي، بوصفهما أفقًا لتجاوز التخلف والاستبداد.



الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.