في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

يحلم بها المثقف العربي ويتظاهر بإدارة الظهر لها ويبالغ في انتقادها

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
TT

في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016

كل الجوائز الأدبية في العالم عرفت نوعًا من الخلاف؛ من «نوبل» التي تشرف عليها الأكاديمية السويدية، إلى جائزة «الطيب صالح»، مرورًا بـ«البوكر العربية»، و«كتارا»، و«ساويرس»، وعشرات الجوائز الأقل أهمية. في الغرب، تأتي المواقف من الجوائز بسِمات بلدانها، وطرق مثقفيها في التعبير عن خلافاتهم التي تعكس تقاليد وثقافات باتت راسخة. بين المثقفين العرب، تكتسب الاتفاقات والخلافات ملامح مجتمعاتهم، وتعبر عن موروثهم وراهنهم أيضًا.
منذ عام 1901 وحتى 1912، عكست اختيارات نوبل، المزاج السياسي للأكاديمية السويدية. ونتج عن ذلك رفض منح جائزة الأدب إلى الروسي ليو تولستوي، والمسرحي النرويجي هنريك ابسون، والروائي الفرنسي إميل زولا، والأميركي الساخر، مارك توين. وكان غياب تعاطف السويد تقليديا، مع روسيا - على ما تردد - سببا في عدم فوز أنطون تشيخوف أيضا. أما تحيز الأكاديمية لبلدها، فقاد إلى منح الجائزة للسويد نفسها، مرّات تفوق مجمل ما منحته لبلدان آسيا كلها، والقول ليس لي.
ولم يمر فوز البوريفي، ماريو فارغاس يوسّا، بـ«نوبل» عام 2010، من دون خلافات سببتها آراؤه السياسية. كما رفضت الأكاديمية السويدية، دعم البريطاني، سلمان رشدي، عام 1989، بعد فتوى الخميني، وأدى ذلك إلى احتجاج أعضاء في الأكاديمية واستقالتهم.
أما بريطانيا، ولديها أكثر من 60 جائزة، فلم تكن جائزتها الأبرز، «مان بوكر»، بعيدة عن الخلافات. فعندما أعلنت القائمة الطويلة العام الحالي، مدحها رئيس لجنة التحكيم، روبرت ماكفيرلين، ووصفها بـ«الأكثر تنوعا»، لوجود سبع نساء فيها، من بين ثلاث عشرة، وتوزعها على سبعة بلدان. وقال إن هذه الشمولية قد تعكس الرغبة في تجنب الخلافات الكثيرة؛ فقد وصفت ذات مرة بالنخبوية، وهي التي يفترض بها أن تمثل خمسين بلدا. وفي عام 1980، تنافس أديبان بريطانيان عملاقان. وأصر أحدهما، وهو أنطوني بيرغيس، الذي رشح عمله Earthy powers، على عدم حضور حفل التتويج، ما لم تضمن له لجنة التحكيم الفوز. لكن حتى حبك مؤامرة لتلبية طلب بيرغيس الغريب، لم يكن ممكنا. فبالإضافة إلى عدم أخلاقيته، فالقرار اتخذ قبل إعلان النتيجة بنصف ساعة فقط، وربح الجائزة منافسه وليم غولدنغ بعمله Rites of passage. وفي عام 1983، لجأت لجنة التحكيم، وعلى رأسها فاي ولدن، إلى التصويت، وانقسمت إلى فريقين: اثنان إلى جانب جي إم كويتزي، وعمله (Life and time of Michael k)، واثنان إلى جانب رواية سلمان رشدي shame، لكن رئيسة لجنة التحكيم، غيّرت رأيها الذي كان إلى جانب رشدي، قبل دقائق من إعلان النتيجة، ومنحته لكويتزي.
وفي عام 2001، أطلقت الكاتبة الاسكوتلندية آي إل كينيدي، كلمات قاسية بحق «المان بوكر». واعتبرتها «كلاما فارغا». لم تتّهم لجنة التحكيم بالفساد، لكنّها قالت ما هو أسوأ: «إن ما تحكّم في اختيار الفائز، هو عقلية: مَنْ يعرف مَن، ومن ينام مع مَن، ومن يبتاع الحشيش لمن، ومن متزوج مِن مَن، ولمن الدور».
ومن أطرف الاعتراضات، ما حدث عام 1993، عندما هددت عضوتان في لجنة التحكيم، بالانسحاب احتجاجًا على ما وصفتاه بإيذاء رواية «Trainspotting» لايرفين ويلش، لمشاعرهما الأنثوية، إذ تضمنت كلاما سوقيا. في عام 2015، سيطر الأميركيون على القائمة الطويلة لـ«المان بوكر». فقد وصل إليها خمسة أميركيين، بينما لم يصل من الإنجليز سوى ثلاثة. ووصل واحد لكل من آيرلندا، ونيجيريا، والهند، ونيولاند، وجامايكا. ووصف الوكيل الأدبي المعروف، ديفيد غودوين، النتيجة بأنها «تراجيديا بالفعل». ووصف آخرون تغيير قانون الجائزة وتوسيعها لتشمل مشاركة دول أخرى ناطقة بالإنجليزية، بـ«الخاطئ الذي من شأنه أن يغير هوية الجائزة».
* البوكرابيا
في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، أعلنت القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»، وأحب أن أسميها «بوكرابيا» (وهذا ليس موقفًا) وبينها روايتي «السيدة من تل أبيب». واندلع جدل إعلامي واسع حول النتائج، اتخذ منحى دراميًا، صبيحة يوم إعلان القائمة القصيرة في بيروت، إذ فتح النهار عينيه على استقالة المصرية عضو لجنة التحكيم، د. شيرين أبو النجا، محتجة على «غياب المعايير النقدية». وقالت، مخالفة تقاليد عمل لجان التحكيم وأمانتها، إنها تعترض على روايتي ربيع جابر «أميركا»، وربعي المدهون «السيدة من تل أبيب». الأولى لأسباب فنيّة، والثانية لأنها «تكرّس صفحات لمديح زعيم عربي راحل». ولم يكن ما أشارت إليه حقيقة، سوى سطور قليلة وردت على لسان بطل روايتي وليد دهمان، عبّرت عن إعجابه بتجمع سكني لافت في بيت لاهيا، في قطاع غزة، ينتصب وسط خراب بشع أحدثته قذائف الدبابات الإسرائيلية. وقد قيل له إنها «مدينة الشيخ زايد، التي بُنِيت بتبرعات من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإسكان أسر شهداء وجرحى ومعوقّين»، وكان واحدًا من أجمل مشاهد الرواية.
ومع فوز «مصائر»، وهي أول رواية فلسطينية تنال الجائزة، اندلعت بين مواقع ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، معارك «حرب وسلام»، اتسمت بالعنف اللفظي الجارح، الذي قابله ترحيب كبير واحتفاء، وكتابات نقدّية ومراجعات موضوعية، لم تخلُ، بالطبع، من ملاحظات تقع في خانة الاختلاف، وتستحق المناقشة.
* هنا بعض العناوين
يكتب ناقد فلسطيني: «المدهون يكتب الرواية الفلسطينية الشاملة، التي أضافت إلى الثلاثي غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، بعدًا جديدًا». فيكتب صحافي مصري: «كيف تكون روائيا فاشلا وتحصل على (البوكر)». ويصف وزير الثقافة، د. إيهاب بسيسو «مصائر»، قبل الفوز، بـ«التجربة الروائية المميزة التي تنحت سردًا خاصًا ومغايرًا حول فلسطين والنكبة»، ويعدّها «رواية ذكية، مغامرة، جريئة، ومحرضة على الأسئلة، ولا تركض خلف الشعار»، ويعتبرها الرئيس محمود عباس، ووزارة الثقافة الفلسطينية، «إنجازًا مهمًا»، ويكرم صاحبه، فتلطم فلسطينية خديها صارخة: «مصائر المدهون.. النكبة ونكبة (البوكر)».
ونقرأ لناقد أدبي وفني مصري: «(مصائر).. رواية العودة إلى فلسطين والبقاء هناك». ويكتب ناقد وروائي فلسطيني: «الطريق أصبحت سالكة للتطبيع». ويكتب فلسطيني: «(مصائر).. رواية تختصر الماضي والحاضر وأمنيات المستقبل». فيكتب مصري: «(مصائر) المدهون وصهينة التّاريخ الفلسطيني».
ونال لجنة التحكيم انتقادات كثيرة. فاتهمت باعتماد معايير سياسية وأخرى إقليمية في اختيار «مصائر». وهي تهمة مزدوجة تتكرر، سنويًا، مع إعلان نتائج كل دورة. الطريف في الأمر، أن أحد «الانتقاديين» السابقين، سرق فقرات كاملة من «الدراسة الأكاديمية» - إياها - لدعم مقاله، ولم يُشِر إلى مصدرها. فيما سرق آخر من مقالين آخرين فقرات كاملة، وحاك مقالاً ثالثًا. ولعب الشعبويون الغوغائيون هؤلاء، على حساسية الفلسطينيين والعرب لموضوع «الهولوكوست» - وهي حساسية مفهومة - واتهموني بـ«المساواة بين نكبة 1948 والهولوكوست»، و«إسقاط حق العودة» (في الرواية جميع الأبطال يعودون، بمن فيهم إيفانا التي توصي بحرق جثتها وإعادة نصف رمادها إلى عكا).
ولم يدرك هؤلاء «الانتقاديون» أنهم يلتقون مع إسرائيل وأنصارها في العالم. فما اعتبره أغلبهم «تطبيعًا»، و«إسقاطًا لحق العودة»، و«تقليلاً من نكبة 1948»، اعتبره نفر من أنصار إسرائيل، شكلاً من أشكال «العداء للسامية»، وكراهية إسرائيل. وشنوا حملة صحافية عنيفة ضدي، خلال مشاركتي في مهرجان برلين للأدب العالمي، عنوانها: «كراهية إسرائيل، وعدم الاعتراف بها، ومساواة النكبة (التي تعني تدمير إسرائيل بمفهومهم) بالهولوكوست».
في استفتاء نشره أحد المواقع الإلكترونية، وفي مقالات نشرتها صحف عربية، صور مدهشة وصادمة أيضًا، لمديح بعض المثقفين العرب للجوائز وكراهيتهم لها أيضًا**:
* في المديح
يقول ناقد فلسطيني، إن البوكر «جاءت بطموح أكثر اتساعًا (من جوائز سبقتها)، اعتمادًا على إمكانات مادية وجهاز إداري ذي خبرة، وارتباطا بجائزة أدبية بريطانية مرموقة. وبدت، في قبول أقرب إلى البداهة، جائزة الرواية العربية الأولى».
ويرى روائي عراقي، أن البوكر «أفادت السرد العربي كثيرًا». بينما تؤكد روائية مصرية، أن الجائزة «تطرح اسم الكتّاب الواصلين بقوة على الساحة العربية، وتساهم في الحراك الإبداعي».
ويشيد أكاديمي وروائي جزائري، بالنكهة المميزة للجوائز، والطعم الخاص للتكريمات. ويعتبر ذلك حقيقة «لا ينكرها من الكتاب إلا كذاب».
ولا يختلف شاعر وروائي سوري مع السابقين حول أهمية الجائزة، «من حيث تأثيرها، وانعكاساتها على الحياة الثقافية والنتاج الإبداعي العربي في مجال الرواية». ويقول روائي مصري إن البوكر «فتحت باب الجوائز بقوة، كما صنعت زخمًا كبيرًا للرواية». أما اللبناني، الذي قدَّم نفسه كـ«روائي ناشئ»، فعدّ البوكر «حلمًا يحلم كل روائي بالحصول عليه، لما في ذلك من قوة دفع»، فالجائزة تقدمه «للانطلاق نحو العالمية».
ويعتقد روائي عراقي آخر، بأنها «أحدثت حراكًا في عالم الرواية العربية، وساهمت في جذب عدد من القراء إلى الرواية، بعد أن اتسعت الهوة بين القارئ والكتاب، وهذا يحسب لها». ويذهب روائي وشاعر فلسطيني، أبعد من الآخرين، حين يعتبر البوكر «لاعبا مهما، وتمتلك دورا مركزيا في تشكيل الوعي والاهتمام بالرواية العربية. وتشكل مرشدا للقراء.. وهي تهيئ فرصة ظهور إعلامي، ومجالا للتسويق والتوزيع (...) قد لا يحظى بها كتاب أمضوا عشرات السنين في الكتابة».
ويرى روائي عراقي ثالث، أن البوكر «لعبت دورا كبيرا في تصدر الفن الروائي المشهد الإبداعي في العالم العربي، وحققت شهرة ونجومية للفائزين بها». ويقول روائي مصري آخر: «إن (البوكر) في غاية الأهمية، إذ إنها تلقي الضوء بقوة على الروايات التي تتضمنها قائمتاها الطويلة والقصيرة، فضلاً عن الرواية الفائزة. ولقد ساهمت في رواج الشكل الروائي من الكتابة الأدبية».
* في الكراهية
يقول الروائي العراقي الأول: إن «البوكر» تعتمد ترشيح الناشر لثلاث روايات، أي أنها تخضع لفهم الناشر المالي للفن الروائي، ومزاجه الشخصي، وعلاقاته الخاصة بالكتاب الروائيين، وحساباته الخاصة بالربح والخسارة. ثم هي تخضع لهيمنة لجان التحكيم ومفاهيمها النقدية الخاصة، التي كثيرًا ما تكون مثيرة للتساؤل والريبة. بينما يرى مسرحي وروائي سعودي، أن كل الجوائز «علاقات عامة ترويجية وتُعطى دون تقييم دقيق». ويرى آخر أن سعي الكثيرين إلى الجوائز، يعود إلى الفرصة التي تقدمها للعمل الفائز بالانتشار والترويج والعالمية.
ويقول: «أحب أن يترشح عملي لجائزة ما وأن يفوز». لكنه يكمل: «غير أنني أفضل غياب الجوائز لصالح (ما سماه) حرية تعبير ونشر غير محدودة». وينتقد الروائي المصري لجان التحكيم، ويقول إن عامل ضعفها الرئيسي هو ضعف لجان التحكيم نفسها. وقدم مثالاً على ذلك، بما ظهر في عام 2013، التي «شارك فيها ناقد عراقي لا يعرف معنى الرواية». ويدعو إلى قراءة الروايات بعدل ونزاهة. ثم ينتقد «المناطقية»، وتوزيع الرواية بين الدول.
ويختتم: «المصيبة ألا تحصد روايات ممتازة ما تستحقه». ويقول روائي سوري: «إن من حق أعضاء لجان التحكيم، الانطلاق من ذائقاتهم الأدبية والاحتكام إليها في خياراتهم. لكن عدم تبرير الاختيار بإقناع (إقناع مَن؟)، أو التبرير بطريقة عشوائية (بتقييم مَن)؟! يسيء إلى الذائقة نفسها، والانطباع الذي يخلفه، هو أنه ينطلق من قراءة انطباعية».. كيف توصل الروائي السوري إلى هذا الاستنتاج؟! أما مواطنته الروائية، فتفتي قائلة إن «آلية اختيار الأعمال الفائزة ليست آلية علمية». ولديها دليل قاطع على ذلك، هو وصول أعمال إلى القائمة القصيرة (يجمع القراء على رداءتها)». ولاحظت خلال بحثي في الموضوع أن نسبة من «مالكي الحقيقة» العارفين بالمحكّمين، القارئين لأفكارهم، المتحسسين لمشاعرهم لم يقرأ الأعمال التي يتحدث عنها. ومن قرأ، صار مصدرًا للقيم والمعايير النقدية وغير النقدية وحارسًا.
هنا نص، لروائي عربي معروف، يختصر كل ما سبق: «أي رواية من الروايات الفائزة بجائزة (البوكر)، لم تكن لتستحق، من وجهة نظري، أن تفوز بجائزة. فرواية (واحة الغروب) جميلة، لكنها أقل من أن تفوز بجائزة. و(عزازيل) عميقة، لكنها رواية هجائية وغير مهذبة تجاه بعض الأفكار (...) و(ترمي بشرر) تتبنى مفهومًا باليًا للفن الروائي (الكشف والتعرية). ورواية (طوق الحمام) منفوخة، ولغتها غير فاعلة ولا تفي بالفكرة بأحسن ما يكون. ورواية (دروز بلغراد) لغتها ضعيفة جدًا، وأخطاؤها في التركيب تغثّ القارئ. أما (ساق البامبو)، و(فرنكشتاين في بغداد)، فهما مثالان واضحان على الرواية التي لا تعي ما تريد أن تقول، وكاتباها مثالان جليان للجيل العربي الذي يكتب من دون أي تصور للرواية. إنه يكتب فقط من دون أن يكون له تصور واضح عما يكتبه. ما كان لهذه الروايات أن تفوز لو أن المحكّمين كانوا على قدر كافٍ من التأهيل لقراءة الرواية».
حقًا، يحتاج إلى 45 محكمًا، كانوا، حتى الدورة الأخيرة لـ«البوكر»، أعضاء لجان تحكيم فيها، بينهم، على الأقل، نقاد معروفون، وأكاديميون، ومحررو صفحات ثقافية، وشعراء، وأساتذة جامعة، إلى دورات تأهيل وتدريب، يشرف عليها «الانتقاديون».
واستنتج: «مقابل عقلانية الانتقادات في الغرب، التي يضبطها قانون ينزل عقوبات ويفرض غرامات، على التطاول والذم والشتم والتشهير، تركض في شوارع العرب الثقافية، فوضى أخلاقية لا يضبطها قانون، تسمح بشخصنة الأمور، و(دعوشتها)، واستباحة السمعة والمكانة، خصوصًا في المواقع الإلكترونية المنتشرة مثل العشوائيات، وفي ظل (ديمقراطية) صفحات التواصل الاجتماعي».
الكتّاب بشر، ولجان التحكيم بشر، لهم أهواؤهم وميولهم وذائقاتهم المختلفة، وسلبياتهم، وكذلك النقاد والحركة النقدية، والقراء أيضًا. لا عدالة مطلقة، ولا لجان تحكيم من جنس الملائكة. لكن شيئًا من العقلانية مطلوب، لتجاوز الانتقادات والملاحظات التي لا يخلو بعضها من صحة. ومع ذلك، أقول إن المرشحين الستة لـ«البوكر» عام 2010، استقبلوا النتيجة بشكل عادي، ورحبوا بالفائز في حينها، عبده خال عن روايته «ترمي بشرر». بينما نشأت صداقة مدهشة بين المرشحين الستة هذا العام، جورج يرق، وطارق بكاري، ومحمد ربيع، ومحمود شقير، وشهلا العجيلي، وربعي المدهون، وكل منهم تمنى الفوز للآخر بصدق. والتقيت رئيس الأمانة العامة د. ياسر سليمان، ورئيسة لجنة التحكيم، الدكتورة أمينة ذيبان وبقية أعضاء اللجنة، فرادى، صبيحة يوم إعلان النتيجة، وقد حافظوا جميعهم على سرية قرار اللجنة، الذي تبين، بعد ذلك، أنهم اتخذوه بالإجماع. حقًا، إن ما يجري داخل لجان الجائزة، بعيد تماما جدا عما يجري خارجها. وما تخطئه في اختيارها أدنى من مستوى جرائم بعض المثقفين وأقل تأثيرًا. في مقال له في «الجزيرة. نت»، كتب الروائي السوداني، أمير تاج السر: «(البوكر) حبيبة الجميع وجائزة الجميع المفضلة، وحتى من ينتقدها في العام الذي لا تدخل فيه رواية له في القوائم، يأتي ويمتدح سلالتها كلها حين يدخل عمل آخر له في دورة ثانية». أنا أتمسك بما كتبه أمير.
* المقال اعتمد على نص محاضرة أُلقِيَت في مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في المنامة بالبحرين في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2016



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.