في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

يحلم بها المثقف العربي ويتظاهر بإدارة الظهر لها ويبالغ في انتقادها

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
TT

في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016

كل الجوائز الأدبية في العالم عرفت نوعًا من الخلاف؛ من «نوبل» التي تشرف عليها الأكاديمية السويدية، إلى جائزة «الطيب صالح»، مرورًا بـ«البوكر العربية»، و«كتارا»، و«ساويرس»، وعشرات الجوائز الأقل أهمية. في الغرب، تأتي المواقف من الجوائز بسِمات بلدانها، وطرق مثقفيها في التعبير عن خلافاتهم التي تعكس تقاليد وثقافات باتت راسخة. بين المثقفين العرب، تكتسب الاتفاقات والخلافات ملامح مجتمعاتهم، وتعبر عن موروثهم وراهنهم أيضًا.
منذ عام 1901 وحتى 1912، عكست اختيارات نوبل، المزاج السياسي للأكاديمية السويدية. ونتج عن ذلك رفض منح جائزة الأدب إلى الروسي ليو تولستوي، والمسرحي النرويجي هنريك ابسون، والروائي الفرنسي إميل زولا، والأميركي الساخر، مارك توين. وكان غياب تعاطف السويد تقليديا، مع روسيا - على ما تردد - سببا في عدم فوز أنطون تشيخوف أيضا. أما تحيز الأكاديمية لبلدها، فقاد إلى منح الجائزة للسويد نفسها، مرّات تفوق مجمل ما منحته لبلدان آسيا كلها، والقول ليس لي.
ولم يمر فوز البوريفي، ماريو فارغاس يوسّا، بـ«نوبل» عام 2010، من دون خلافات سببتها آراؤه السياسية. كما رفضت الأكاديمية السويدية، دعم البريطاني، سلمان رشدي، عام 1989، بعد فتوى الخميني، وأدى ذلك إلى احتجاج أعضاء في الأكاديمية واستقالتهم.
أما بريطانيا، ولديها أكثر من 60 جائزة، فلم تكن جائزتها الأبرز، «مان بوكر»، بعيدة عن الخلافات. فعندما أعلنت القائمة الطويلة العام الحالي، مدحها رئيس لجنة التحكيم، روبرت ماكفيرلين، ووصفها بـ«الأكثر تنوعا»، لوجود سبع نساء فيها، من بين ثلاث عشرة، وتوزعها على سبعة بلدان. وقال إن هذه الشمولية قد تعكس الرغبة في تجنب الخلافات الكثيرة؛ فقد وصفت ذات مرة بالنخبوية، وهي التي يفترض بها أن تمثل خمسين بلدا. وفي عام 1980، تنافس أديبان بريطانيان عملاقان. وأصر أحدهما، وهو أنطوني بيرغيس، الذي رشح عمله Earthy powers، على عدم حضور حفل التتويج، ما لم تضمن له لجنة التحكيم الفوز. لكن حتى حبك مؤامرة لتلبية طلب بيرغيس الغريب، لم يكن ممكنا. فبالإضافة إلى عدم أخلاقيته، فالقرار اتخذ قبل إعلان النتيجة بنصف ساعة فقط، وربح الجائزة منافسه وليم غولدنغ بعمله Rites of passage. وفي عام 1983، لجأت لجنة التحكيم، وعلى رأسها فاي ولدن، إلى التصويت، وانقسمت إلى فريقين: اثنان إلى جانب جي إم كويتزي، وعمله (Life and time of Michael k)، واثنان إلى جانب رواية سلمان رشدي shame، لكن رئيسة لجنة التحكيم، غيّرت رأيها الذي كان إلى جانب رشدي، قبل دقائق من إعلان النتيجة، ومنحته لكويتزي.
وفي عام 2001، أطلقت الكاتبة الاسكوتلندية آي إل كينيدي، كلمات قاسية بحق «المان بوكر». واعتبرتها «كلاما فارغا». لم تتّهم لجنة التحكيم بالفساد، لكنّها قالت ما هو أسوأ: «إن ما تحكّم في اختيار الفائز، هو عقلية: مَنْ يعرف مَن، ومن ينام مع مَن، ومن يبتاع الحشيش لمن، ومن متزوج مِن مَن، ولمن الدور».
ومن أطرف الاعتراضات، ما حدث عام 1993، عندما هددت عضوتان في لجنة التحكيم، بالانسحاب احتجاجًا على ما وصفتاه بإيذاء رواية «Trainspotting» لايرفين ويلش، لمشاعرهما الأنثوية، إذ تضمنت كلاما سوقيا. في عام 2015، سيطر الأميركيون على القائمة الطويلة لـ«المان بوكر». فقد وصل إليها خمسة أميركيين، بينما لم يصل من الإنجليز سوى ثلاثة. ووصل واحد لكل من آيرلندا، ونيجيريا، والهند، ونيولاند، وجامايكا. ووصف الوكيل الأدبي المعروف، ديفيد غودوين، النتيجة بأنها «تراجيديا بالفعل». ووصف آخرون تغيير قانون الجائزة وتوسيعها لتشمل مشاركة دول أخرى ناطقة بالإنجليزية، بـ«الخاطئ الذي من شأنه أن يغير هوية الجائزة».
* البوكرابيا
في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، أعلنت القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»، وأحب أن أسميها «بوكرابيا» (وهذا ليس موقفًا) وبينها روايتي «السيدة من تل أبيب». واندلع جدل إعلامي واسع حول النتائج، اتخذ منحى دراميًا، صبيحة يوم إعلان القائمة القصيرة في بيروت، إذ فتح النهار عينيه على استقالة المصرية عضو لجنة التحكيم، د. شيرين أبو النجا، محتجة على «غياب المعايير النقدية». وقالت، مخالفة تقاليد عمل لجان التحكيم وأمانتها، إنها تعترض على روايتي ربيع جابر «أميركا»، وربعي المدهون «السيدة من تل أبيب». الأولى لأسباب فنيّة، والثانية لأنها «تكرّس صفحات لمديح زعيم عربي راحل». ولم يكن ما أشارت إليه حقيقة، سوى سطور قليلة وردت على لسان بطل روايتي وليد دهمان، عبّرت عن إعجابه بتجمع سكني لافت في بيت لاهيا، في قطاع غزة، ينتصب وسط خراب بشع أحدثته قذائف الدبابات الإسرائيلية. وقد قيل له إنها «مدينة الشيخ زايد، التي بُنِيت بتبرعات من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإسكان أسر شهداء وجرحى ومعوقّين»، وكان واحدًا من أجمل مشاهد الرواية.
ومع فوز «مصائر»، وهي أول رواية فلسطينية تنال الجائزة، اندلعت بين مواقع ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، معارك «حرب وسلام»، اتسمت بالعنف اللفظي الجارح، الذي قابله ترحيب كبير واحتفاء، وكتابات نقدّية ومراجعات موضوعية، لم تخلُ، بالطبع، من ملاحظات تقع في خانة الاختلاف، وتستحق المناقشة.
* هنا بعض العناوين
يكتب ناقد فلسطيني: «المدهون يكتب الرواية الفلسطينية الشاملة، التي أضافت إلى الثلاثي غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، بعدًا جديدًا». فيكتب صحافي مصري: «كيف تكون روائيا فاشلا وتحصل على (البوكر)». ويصف وزير الثقافة، د. إيهاب بسيسو «مصائر»، قبل الفوز، بـ«التجربة الروائية المميزة التي تنحت سردًا خاصًا ومغايرًا حول فلسطين والنكبة»، ويعدّها «رواية ذكية، مغامرة، جريئة، ومحرضة على الأسئلة، ولا تركض خلف الشعار»، ويعتبرها الرئيس محمود عباس، ووزارة الثقافة الفلسطينية، «إنجازًا مهمًا»، ويكرم صاحبه، فتلطم فلسطينية خديها صارخة: «مصائر المدهون.. النكبة ونكبة (البوكر)».
ونقرأ لناقد أدبي وفني مصري: «(مصائر).. رواية العودة إلى فلسطين والبقاء هناك». ويكتب ناقد وروائي فلسطيني: «الطريق أصبحت سالكة للتطبيع». ويكتب فلسطيني: «(مصائر).. رواية تختصر الماضي والحاضر وأمنيات المستقبل». فيكتب مصري: «(مصائر) المدهون وصهينة التّاريخ الفلسطيني».
ونال لجنة التحكيم انتقادات كثيرة. فاتهمت باعتماد معايير سياسية وأخرى إقليمية في اختيار «مصائر». وهي تهمة مزدوجة تتكرر، سنويًا، مع إعلان نتائج كل دورة. الطريف في الأمر، أن أحد «الانتقاديين» السابقين، سرق فقرات كاملة من «الدراسة الأكاديمية» - إياها - لدعم مقاله، ولم يُشِر إلى مصدرها. فيما سرق آخر من مقالين آخرين فقرات كاملة، وحاك مقالاً ثالثًا. ولعب الشعبويون الغوغائيون هؤلاء، على حساسية الفلسطينيين والعرب لموضوع «الهولوكوست» - وهي حساسية مفهومة - واتهموني بـ«المساواة بين نكبة 1948 والهولوكوست»، و«إسقاط حق العودة» (في الرواية جميع الأبطال يعودون، بمن فيهم إيفانا التي توصي بحرق جثتها وإعادة نصف رمادها إلى عكا).
ولم يدرك هؤلاء «الانتقاديون» أنهم يلتقون مع إسرائيل وأنصارها في العالم. فما اعتبره أغلبهم «تطبيعًا»، و«إسقاطًا لحق العودة»، و«تقليلاً من نكبة 1948»، اعتبره نفر من أنصار إسرائيل، شكلاً من أشكال «العداء للسامية»، وكراهية إسرائيل. وشنوا حملة صحافية عنيفة ضدي، خلال مشاركتي في مهرجان برلين للأدب العالمي، عنوانها: «كراهية إسرائيل، وعدم الاعتراف بها، ومساواة النكبة (التي تعني تدمير إسرائيل بمفهومهم) بالهولوكوست».
في استفتاء نشره أحد المواقع الإلكترونية، وفي مقالات نشرتها صحف عربية، صور مدهشة وصادمة أيضًا، لمديح بعض المثقفين العرب للجوائز وكراهيتهم لها أيضًا**:
* في المديح
يقول ناقد فلسطيني، إن البوكر «جاءت بطموح أكثر اتساعًا (من جوائز سبقتها)، اعتمادًا على إمكانات مادية وجهاز إداري ذي خبرة، وارتباطا بجائزة أدبية بريطانية مرموقة. وبدت، في قبول أقرب إلى البداهة، جائزة الرواية العربية الأولى».
ويرى روائي عراقي، أن البوكر «أفادت السرد العربي كثيرًا». بينما تؤكد روائية مصرية، أن الجائزة «تطرح اسم الكتّاب الواصلين بقوة على الساحة العربية، وتساهم في الحراك الإبداعي».
ويشيد أكاديمي وروائي جزائري، بالنكهة المميزة للجوائز، والطعم الخاص للتكريمات. ويعتبر ذلك حقيقة «لا ينكرها من الكتاب إلا كذاب».
ولا يختلف شاعر وروائي سوري مع السابقين حول أهمية الجائزة، «من حيث تأثيرها، وانعكاساتها على الحياة الثقافية والنتاج الإبداعي العربي في مجال الرواية». ويقول روائي مصري إن البوكر «فتحت باب الجوائز بقوة، كما صنعت زخمًا كبيرًا للرواية». أما اللبناني، الذي قدَّم نفسه كـ«روائي ناشئ»، فعدّ البوكر «حلمًا يحلم كل روائي بالحصول عليه، لما في ذلك من قوة دفع»، فالجائزة تقدمه «للانطلاق نحو العالمية».
ويعتقد روائي عراقي آخر، بأنها «أحدثت حراكًا في عالم الرواية العربية، وساهمت في جذب عدد من القراء إلى الرواية، بعد أن اتسعت الهوة بين القارئ والكتاب، وهذا يحسب لها». ويذهب روائي وشاعر فلسطيني، أبعد من الآخرين، حين يعتبر البوكر «لاعبا مهما، وتمتلك دورا مركزيا في تشكيل الوعي والاهتمام بالرواية العربية. وتشكل مرشدا للقراء.. وهي تهيئ فرصة ظهور إعلامي، ومجالا للتسويق والتوزيع (...) قد لا يحظى بها كتاب أمضوا عشرات السنين في الكتابة».
ويرى روائي عراقي ثالث، أن البوكر «لعبت دورا كبيرا في تصدر الفن الروائي المشهد الإبداعي في العالم العربي، وحققت شهرة ونجومية للفائزين بها». ويقول روائي مصري آخر: «إن (البوكر) في غاية الأهمية، إذ إنها تلقي الضوء بقوة على الروايات التي تتضمنها قائمتاها الطويلة والقصيرة، فضلاً عن الرواية الفائزة. ولقد ساهمت في رواج الشكل الروائي من الكتابة الأدبية».
* في الكراهية
يقول الروائي العراقي الأول: إن «البوكر» تعتمد ترشيح الناشر لثلاث روايات، أي أنها تخضع لفهم الناشر المالي للفن الروائي، ومزاجه الشخصي، وعلاقاته الخاصة بالكتاب الروائيين، وحساباته الخاصة بالربح والخسارة. ثم هي تخضع لهيمنة لجان التحكيم ومفاهيمها النقدية الخاصة، التي كثيرًا ما تكون مثيرة للتساؤل والريبة. بينما يرى مسرحي وروائي سعودي، أن كل الجوائز «علاقات عامة ترويجية وتُعطى دون تقييم دقيق». ويرى آخر أن سعي الكثيرين إلى الجوائز، يعود إلى الفرصة التي تقدمها للعمل الفائز بالانتشار والترويج والعالمية.
ويقول: «أحب أن يترشح عملي لجائزة ما وأن يفوز». لكنه يكمل: «غير أنني أفضل غياب الجوائز لصالح (ما سماه) حرية تعبير ونشر غير محدودة». وينتقد الروائي المصري لجان التحكيم، ويقول إن عامل ضعفها الرئيسي هو ضعف لجان التحكيم نفسها. وقدم مثالاً على ذلك، بما ظهر في عام 2013، التي «شارك فيها ناقد عراقي لا يعرف معنى الرواية». ويدعو إلى قراءة الروايات بعدل ونزاهة. ثم ينتقد «المناطقية»، وتوزيع الرواية بين الدول.
ويختتم: «المصيبة ألا تحصد روايات ممتازة ما تستحقه». ويقول روائي سوري: «إن من حق أعضاء لجان التحكيم، الانطلاق من ذائقاتهم الأدبية والاحتكام إليها في خياراتهم. لكن عدم تبرير الاختيار بإقناع (إقناع مَن؟)، أو التبرير بطريقة عشوائية (بتقييم مَن)؟! يسيء إلى الذائقة نفسها، والانطباع الذي يخلفه، هو أنه ينطلق من قراءة انطباعية».. كيف توصل الروائي السوري إلى هذا الاستنتاج؟! أما مواطنته الروائية، فتفتي قائلة إن «آلية اختيار الأعمال الفائزة ليست آلية علمية». ولديها دليل قاطع على ذلك، هو وصول أعمال إلى القائمة القصيرة (يجمع القراء على رداءتها)». ولاحظت خلال بحثي في الموضوع أن نسبة من «مالكي الحقيقة» العارفين بالمحكّمين، القارئين لأفكارهم، المتحسسين لمشاعرهم لم يقرأ الأعمال التي يتحدث عنها. ومن قرأ، صار مصدرًا للقيم والمعايير النقدية وغير النقدية وحارسًا.
هنا نص، لروائي عربي معروف، يختصر كل ما سبق: «أي رواية من الروايات الفائزة بجائزة (البوكر)، لم تكن لتستحق، من وجهة نظري، أن تفوز بجائزة. فرواية (واحة الغروب) جميلة، لكنها أقل من أن تفوز بجائزة. و(عزازيل) عميقة، لكنها رواية هجائية وغير مهذبة تجاه بعض الأفكار (...) و(ترمي بشرر) تتبنى مفهومًا باليًا للفن الروائي (الكشف والتعرية). ورواية (طوق الحمام) منفوخة، ولغتها غير فاعلة ولا تفي بالفكرة بأحسن ما يكون. ورواية (دروز بلغراد) لغتها ضعيفة جدًا، وأخطاؤها في التركيب تغثّ القارئ. أما (ساق البامبو)، و(فرنكشتاين في بغداد)، فهما مثالان واضحان على الرواية التي لا تعي ما تريد أن تقول، وكاتباها مثالان جليان للجيل العربي الذي يكتب من دون أي تصور للرواية. إنه يكتب فقط من دون أن يكون له تصور واضح عما يكتبه. ما كان لهذه الروايات أن تفوز لو أن المحكّمين كانوا على قدر كافٍ من التأهيل لقراءة الرواية».
حقًا، يحتاج إلى 45 محكمًا، كانوا، حتى الدورة الأخيرة لـ«البوكر»، أعضاء لجان تحكيم فيها، بينهم، على الأقل، نقاد معروفون، وأكاديميون، ومحررو صفحات ثقافية، وشعراء، وأساتذة جامعة، إلى دورات تأهيل وتدريب، يشرف عليها «الانتقاديون».
واستنتج: «مقابل عقلانية الانتقادات في الغرب، التي يضبطها قانون ينزل عقوبات ويفرض غرامات، على التطاول والذم والشتم والتشهير، تركض في شوارع العرب الثقافية، فوضى أخلاقية لا يضبطها قانون، تسمح بشخصنة الأمور، و(دعوشتها)، واستباحة السمعة والمكانة، خصوصًا في المواقع الإلكترونية المنتشرة مثل العشوائيات، وفي ظل (ديمقراطية) صفحات التواصل الاجتماعي».
الكتّاب بشر، ولجان التحكيم بشر، لهم أهواؤهم وميولهم وذائقاتهم المختلفة، وسلبياتهم، وكذلك النقاد والحركة النقدية، والقراء أيضًا. لا عدالة مطلقة، ولا لجان تحكيم من جنس الملائكة. لكن شيئًا من العقلانية مطلوب، لتجاوز الانتقادات والملاحظات التي لا يخلو بعضها من صحة. ومع ذلك، أقول إن المرشحين الستة لـ«البوكر» عام 2010، استقبلوا النتيجة بشكل عادي، ورحبوا بالفائز في حينها، عبده خال عن روايته «ترمي بشرر». بينما نشأت صداقة مدهشة بين المرشحين الستة هذا العام، جورج يرق، وطارق بكاري، ومحمد ربيع، ومحمود شقير، وشهلا العجيلي، وربعي المدهون، وكل منهم تمنى الفوز للآخر بصدق. والتقيت رئيس الأمانة العامة د. ياسر سليمان، ورئيسة لجنة التحكيم، الدكتورة أمينة ذيبان وبقية أعضاء اللجنة، فرادى، صبيحة يوم إعلان النتيجة، وقد حافظوا جميعهم على سرية قرار اللجنة، الذي تبين، بعد ذلك، أنهم اتخذوه بالإجماع. حقًا، إن ما يجري داخل لجان الجائزة، بعيد تماما جدا عما يجري خارجها. وما تخطئه في اختيارها أدنى من مستوى جرائم بعض المثقفين وأقل تأثيرًا. في مقال له في «الجزيرة. نت»، كتب الروائي السوداني، أمير تاج السر: «(البوكر) حبيبة الجميع وجائزة الجميع المفضلة، وحتى من ينتقدها في العام الذي لا تدخل فيه رواية له في القوائم، يأتي ويمتدح سلالتها كلها حين يدخل عمل آخر له في دورة ثانية». أنا أتمسك بما كتبه أمير.
* المقال اعتمد على نص محاضرة أُلقِيَت في مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في المنامة بالبحرين في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2016



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر. يتساءل القصاص

في الكتاب لماذا لا تكون

لنا حداثتنا الخاصة

النابعة من تربتنا وتراثنا وهما ليسا فقيرين؟


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».