في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

يحلم بها المثقف العربي ويتظاهر بإدارة الظهر لها ويبالغ في انتقادها

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
TT

في مديح الجوائز الأدبية وكراهيتها.. تجربة شخصية

من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016
من احتفال البوكر في دورتها التاسعة للعام الحالي 2016

كل الجوائز الأدبية في العالم عرفت نوعًا من الخلاف؛ من «نوبل» التي تشرف عليها الأكاديمية السويدية، إلى جائزة «الطيب صالح»، مرورًا بـ«البوكر العربية»، و«كتارا»، و«ساويرس»، وعشرات الجوائز الأقل أهمية. في الغرب، تأتي المواقف من الجوائز بسِمات بلدانها، وطرق مثقفيها في التعبير عن خلافاتهم التي تعكس تقاليد وثقافات باتت راسخة. بين المثقفين العرب، تكتسب الاتفاقات والخلافات ملامح مجتمعاتهم، وتعبر عن موروثهم وراهنهم أيضًا.
منذ عام 1901 وحتى 1912، عكست اختيارات نوبل، المزاج السياسي للأكاديمية السويدية. ونتج عن ذلك رفض منح جائزة الأدب إلى الروسي ليو تولستوي، والمسرحي النرويجي هنريك ابسون، والروائي الفرنسي إميل زولا، والأميركي الساخر، مارك توين. وكان غياب تعاطف السويد تقليديا، مع روسيا - على ما تردد - سببا في عدم فوز أنطون تشيخوف أيضا. أما تحيز الأكاديمية لبلدها، فقاد إلى منح الجائزة للسويد نفسها، مرّات تفوق مجمل ما منحته لبلدان آسيا كلها، والقول ليس لي.
ولم يمر فوز البوريفي، ماريو فارغاس يوسّا، بـ«نوبل» عام 2010، من دون خلافات سببتها آراؤه السياسية. كما رفضت الأكاديمية السويدية، دعم البريطاني، سلمان رشدي، عام 1989، بعد فتوى الخميني، وأدى ذلك إلى احتجاج أعضاء في الأكاديمية واستقالتهم.
أما بريطانيا، ولديها أكثر من 60 جائزة، فلم تكن جائزتها الأبرز، «مان بوكر»، بعيدة عن الخلافات. فعندما أعلنت القائمة الطويلة العام الحالي، مدحها رئيس لجنة التحكيم، روبرت ماكفيرلين، ووصفها بـ«الأكثر تنوعا»، لوجود سبع نساء فيها، من بين ثلاث عشرة، وتوزعها على سبعة بلدان. وقال إن هذه الشمولية قد تعكس الرغبة في تجنب الخلافات الكثيرة؛ فقد وصفت ذات مرة بالنخبوية، وهي التي يفترض بها أن تمثل خمسين بلدا. وفي عام 1980، تنافس أديبان بريطانيان عملاقان. وأصر أحدهما، وهو أنطوني بيرغيس، الذي رشح عمله Earthy powers، على عدم حضور حفل التتويج، ما لم تضمن له لجنة التحكيم الفوز. لكن حتى حبك مؤامرة لتلبية طلب بيرغيس الغريب، لم يكن ممكنا. فبالإضافة إلى عدم أخلاقيته، فالقرار اتخذ قبل إعلان النتيجة بنصف ساعة فقط، وربح الجائزة منافسه وليم غولدنغ بعمله Rites of passage. وفي عام 1983، لجأت لجنة التحكيم، وعلى رأسها فاي ولدن، إلى التصويت، وانقسمت إلى فريقين: اثنان إلى جانب جي إم كويتزي، وعمله (Life and time of Michael k)، واثنان إلى جانب رواية سلمان رشدي shame، لكن رئيسة لجنة التحكيم، غيّرت رأيها الذي كان إلى جانب رشدي، قبل دقائق من إعلان النتيجة، ومنحته لكويتزي.
وفي عام 2001، أطلقت الكاتبة الاسكوتلندية آي إل كينيدي، كلمات قاسية بحق «المان بوكر». واعتبرتها «كلاما فارغا». لم تتّهم لجنة التحكيم بالفساد، لكنّها قالت ما هو أسوأ: «إن ما تحكّم في اختيار الفائز، هو عقلية: مَنْ يعرف مَن، ومن ينام مع مَن، ومن يبتاع الحشيش لمن، ومن متزوج مِن مَن، ولمن الدور».
ومن أطرف الاعتراضات، ما حدث عام 1993، عندما هددت عضوتان في لجنة التحكيم، بالانسحاب احتجاجًا على ما وصفتاه بإيذاء رواية «Trainspotting» لايرفين ويلش، لمشاعرهما الأنثوية، إذ تضمنت كلاما سوقيا. في عام 2015، سيطر الأميركيون على القائمة الطويلة لـ«المان بوكر». فقد وصل إليها خمسة أميركيين، بينما لم يصل من الإنجليز سوى ثلاثة. ووصل واحد لكل من آيرلندا، ونيجيريا، والهند، ونيولاند، وجامايكا. ووصف الوكيل الأدبي المعروف، ديفيد غودوين، النتيجة بأنها «تراجيديا بالفعل». ووصف آخرون تغيير قانون الجائزة وتوسيعها لتشمل مشاركة دول أخرى ناطقة بالإنجليزية، بـ«الخاطئ الذي من شأنه أن يغير هوية الجائزة».
* البوكرابيا
في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، أعلنت القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»، وأحب أن أسميها «بوكرابيا» (وهذا ليس موقفًا) وبينها روايتي «السيدة من تل أبيب». واندلع جدل إعلامي واسع حول النتائج، اتخذ منحى دراميًا، صبيحة يوم إعلان القائمة القصيرة في بيروت، إذ فتح النهار عينيه على استقالة المصرية عضو لجنة التحكيم، د. شيرين أبو النجا، محتجة على «غياب المعايير النقدية». وقالت، مخالفة تقاليد عمل لجان التحكيم وأمانتها، إنها تعترض على روايتي ربيع جابر «أميركا»، وربعي المدهون «السيدة من تل أبيب». الأولى لأسباب فنيّة، والثانية لأنها «تكرّس صفحات لمديح زعيم عربي راحل». ولم يكن ما أشارت إليه حقيقة، سوى سطور قليلة وردت على لسان بطل روايتي وليد دهمان، عبّرت عن إعجابه بتجمع سكني لافت في بيت لاهيا، في قطاع غزة، ينتصب وسط خراب بشع أحدثته قذائف الدبابات الإسرائيلية. وقد قيل له إنها «مدينة الشيخ زايد، التي بُنِيت بتبرعات من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإسكان أسر شهداء وجرحى ومعوقّين»، وكان واحدًا من أجمل مشاهد الرواية.
ومع فوز «مصائر»، وهي أول رواية فلسطينية تنال الجائزة، اندلعت بين مواقع ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، معارك «حرب وسلام»، اتسمت بالعنف اللفظي الجارح، الذي قابله ترحيب كبير واحتفاء، وكتابات نقدّية ومراجعات موضوعية، لم تخلُ، بالطبع، من ملاحظات تقع في خانة الاختلاف، وتستحق المناقشة.
* هنا بعض العناوين
يكتب ناقد فلسطيني: «المدهون يكتب الرواية الفلسطينية الشاملة، التي أضافت إلى الثلاثي غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي، بعدًا جديدًا». فيكتب صحافي مصري: «كيف تكون روائيا فاشلا وتحصل على (البوكر)». ويصف وزير الثقافة، د. إيهاب بسيسو «مصائر»، قبل الفوز، بـ«التجربة الروائية المميزة التي تنحت سردًا خاصًا ومغايرًا حول فلسطين والنكبة»، ويعدّها «رواية ذكية، مغامرة، جريئة، ومحرضة على الأسئلة، ولا تركض خلف الشعار»، ويعتبرها الرئيس محمود عباس، ووزارة الثقافة الفلسطينية، «إنجازًا مهمًا»، ويكرم صاحبه، فتلطم فلسطينية خديها صارخة: «مصائر المدهون.. النكبة ونكبة (البوكر)».
ونقرأ لناقد أدبي وفني مصري: «(مصائر).. رواية العودة إلى فلسطين والبقاء هناك». ويكتب ناقد وروائي فلسطيني: «الطريق أصبحت سالكة للتطبيع». ويكتب فلسطيني: «(مصائر).. رواية تختصر الماضي والحاضر وأمنيات المستقبل». فيكتب مصري: «(مصائر) المدهون وصهينة التّاريخ الفلسطيني».
ونال لجنة التحكيم انتقادات كثيرة. فاتهمت باعتماد معايير سياسية وأخرى إقليمية في اختيار «مصائر». وهي تهمة مزدوجة تتكرر، سنويًا، مع إعلان نتائج كل دورة. الطريف في الأمر، أن أحد «الانتقاديين» السابقين، سرق فقرات كاملة من «الدراسة الأكاديمية» - إياها - لدعم مقاله، ولم يُشِر إلى مصدرها. فيما سرق آخر من مقالين آخرين فقرات كاملة، وحاك مقالاً ثالثًا. ولعب الشعبويون الغوغائيون هؤلاء، على حساسية الفلسطينيين والعرب لموضوع «الهولوكوست» - وهي حساسية مفهومة - واتهموني بـ«المساواة بين نكبة 1948 والهولوكوست»، و«إسقاط حق العودة» (في الرواية جميع الأبطال يعودون، بمن فيهم إيفانا التي توصي بحرق جثتها وإعادة نصف رمادها إلى عكا).
ولم يدرك هؤلاء «الانتقاديون» أنهم يلتقون مع إسرائيل وأنصارها في العالم. فما اعتبره أغلبهم «تطبيعًا»، و«إسقاطًا لحق العودة»، و«تقليلاً من نكبة 1948»، اعتبره نفر من أنصار إسرائيل، شكلاً من أشكال «العداء للسامية»، وكراهية إسرائيل. وشنوا حملة صحافية عنيفة ضدي، خلال مشاركتي في مهرجان برلين للأدب العالمي، عنوانها: «كراهية إسرائيل، وعدم الاعتراف بها، ومساواة النكبة (التي تعني تدمير إسرائيل بمفهومهم) بالهولوكوست».
في استفتاء نشره أحد المواقع الإلكترونية، وفي مقالات نشرتها صحف عربية، صور مدهشة وصادمة أيضًا، لمديح بعض المثقفين العرب للجوائز وكراهيتهم لها أيضًا**:
* في المديح
يقول ناقد فلسطيني، إن البوكر «جاءت بطموح أكثر اتساعًا (من جوائز سبقتها)، اعتمادًا على إمكانات مادية وجهاز إداري ذي خبرة، وارتباطا بجائزة أدبية بريطانية مرموقة. وبدت، في قبول أقرب إلى البداهة، جائزة الرواية العربية الأولى».
ويرى روائي عراقي، أن البوكر «أفادت السرد العربي كثيرًا». بينما تؤكد روائية مصرية، أن الجائزة «تطرح اسم الكتّاب الواصلين بقوة على الساحة العربية، وتساهم في الحراك الإبداعي».
ويشيد أكاديمي وروائي جزائري، بالنكهة المميزة للجوائز، والطعم الخاص للتكريمات. ويعتبر ذلك حقيقة «لا ينكرها من الكتاب إلا كذاب».
ولا يختلف شاعر وروائي سوري مع السابقين حول أهمية الجائزة، «من حيث تأثيرها، وانعكاساتها على الحياة الثقافية والنتاج الإبداعي العربي في مجال الرواية». ويقول روائي مصري إن البوكر «فتحت باب الجوائز بقوة، كما صنعت زخمًا كبيرًا للرواية». أما اللبناني، الذي قدَّم نفسه كـ«روائي ناشئ»، فعدّ البوكر «حلمًا يحلم كل روائي بالحصول عليه، لما في ذلك من قوة دفع»، فالجائزة تقدمه «للانطلاق نحو العالمية».
ويعتقد روائي عراقي آخر، بأنها «أحدثت حراكًا في عالم الرواية العربية، وساهمت في جذب عدد من القراء إلى الرواية، بعد أن اتسعت الهوة بين القارئ والكتاب، وهذا يحسب لها». ويذهب روائي وشاعر فلسطيني، أبعد من الآخرين، حين يعتبر البوكر «لاعبا مهما، وتمتلك دورا مركزيا في تشكيل الوعي والاهتمام بالرواية العربية. وتشكل مرشدا للقراء.. وهي تهيئ فرصة ظهور إعلامي، ومجالا للتسويق والتوزيع (...) قد لا يحظى بها كتاب أمضوا عشرات السنين في الكتابة».
ويرى روائي عراقي ثالث، أن البوكر «لعبت دورا كبيرا في تصدر الفن الروائي المشهد الإبداعي في العالم العربي، وحققت شهرة ونجومية للفائزين بها». ويقول روائي مصري آخر: «إن (البوكر) في غاية الأهمية، إذ إنها تلقي الضوء بقوة على الروايات التي تتضمنها قائمتاها الطويلة والقصيرة، فضلاً عن الرواية الفائزة. ولقد ساهمت في رواج الشكل الروائي من الكتابة الأدبية».
* في الكراهية
يقول الروائي العراقي الأول: إن «البوكر» تعتمد ترشيح الناشر لثلاث روايات، أي أنها تخضع لفهم الناشر المالي للفن الروائي، ومزاجه الشخصي، وعلاقاته الخاصة بالكتاب الروائيين، وحساباته الخاصة بالربح والخسارة. ثم هي تخضع لهيمنة لجان التحكيم ومفاهيمها النقدية الخاصة، التي كثيرًا ما تكون مثيرة للتساؤل والريبة. بينما يرى مسرحي وروائي سعودي، أن كل الجوائز «علاقات عامة ترويجية وتُعطى دون تقييم دقيق». ويرى آخر أن سعي الكثيرين إلى الجوائز، يعود إلى الفرصة التي تقدمها للعمل الفائز بالانتشار والترويج والعالمية.
ويقول: «أحب أن يترشح عملي لجائزة ما وأن يفوز». لكنه يكمل: «غير أنني أفضل غياب الجوائز لصالح (ما سماه) حرية تعبير ونشر غير محدودة». وينتقد الروائي المصري لجان التحكيم، ويقول إن عامل ضعفها الرئيسي هو ضعف لجان التحكيم نفسها. وقدم مثالاً على ذلك، بما ظهر في عام 2013، التي «شارك فيها ناقد عراقي لا يعرف معنى الرواية». ويدعو إلى قراءة الروايات بعدل ونزاهة. ثم ينتقد «المناطقية»، وتوزيع الرواية بين الدول.
ويختتم: «المصيبة ألا تحصد روايات ممتازة ما تستحقه». ويقول روائي سوري: «إن من حق أعضاء لجان التحكيم، الانطلاق من ذائقاتهم الأدبية والاحتكام إليها في خياراتهم. لكن عدم تبرير الاختيار بإقناع (إقناع مَن؟)، أو التبرير بطريقة عشوائية (بتقييم مَن)؟! يسيء إلى الذائقة نفسها، والانطباع الذي يخلفه، هو أنه ينطلق من قراءة انطباعية».. كيف توصل الروائي السوري إلى هذا الاستنتاج؟! أما مواطنته الروائية، فتفتي قائلة إن «آلية اختيار الأعمال الفائزة ليست آلية علمية». ولديها دليل قاطع على ذلك، هو وصول أعمال إلى القائمة القصيرة (يجمع القراء على رداءتها)». ولاحظت خلال بحثي في الموضوع أن نسبة من «مالكي الحقيقة» العارفين بالمحكّمين، القارئين لأفكارهم، المتحسسين لمشاعرهم لم يقرأ الأعمال التي يتحدث عنها. ومن قرأ، صار مصدرًا للقيم والمعايير النقدية وغير النقدية وحارسًا.
هنا نص، لروائي عربي معروف، يختصر كل ما سبق: «أي رواية من الروايات الفائزة بجائزة (البوكر)، لم تكن لتستحق، من وجهة نظري، أن تفوز بجائزة. فرواية (واحة الغروب) جميلة، لكنها أقل من أن تفوز بجائزة. و(عزازيل) عميقة، لكنها رواية هجائية وغير مهذبة تجاه بعض الأفكار (...) و(ترمي بشرر) تتبنى مفهومًا باليًا للفن الروائي (الكشف والتعرية). ورواية (طوق الحمام) منفوخة، ولغتها غير فاعلة ولا تفي بالفكرة بأحسن ما يكون. ورواية (دروز بلغراد) لغتها ضعيفة جدًا، وأخطاؤها في التركيب تغثّ القارئ. أما (ساق البامبو)، و(فرنكشتاين في بغداد)، فهما مثالان واضحان على الرواية التي لا تعي ما تريد أن تقول، وكاتباها مثالان جليان للجيل العربي الذي يكتب من دون أي تصور للرواية. إنه يكتب فقط من دون أن يكون له تصور واضح عما يكتبه. ما كان لهذه الروايات أن تفوز لو أن المحكّمين كانوا على قدر كافٍ من التأهيل لقراءة الرواية».
حقًا، يحتاج إلى 45 محكمًا، كانوا، حتى الدورة الأخيرة لـ«البوكر»، أعضاء لجان تحكيم فيها، بينهم، على الأقل، نقاد معروفون، وأكاديميون، ومحررو صفحات ثقافية، وشعراء، وأساتذة جامعة، إلى دورات تأهيل وتدريب، يشرف عليها «الانتقاديون».
واستنتج: «مقابل عقلانية الانتقادات في الغرب، التي يضبطها قانون ينزل عقوبات ويفرض غرامات، على التطاول والذم والشتم والتشهير، تركض في شوارع العرب الثقافية، فوضى أخلاقية لا يضبطها قانون، تسمح بشخصنة الأمور، و(دعوشتها)، واستباحة السمعة والمكانة، خصوصًا في المواقع الإلكترونية المنتشرة مثل العشوائيات، وفي ظل (ديمقراطية) صفحات التواصل الاجتماعي».
الكتّاب بشر، ولجان التحكيم بشر، لهم أهواؤهم وميولهم وذائقاتهم المختلفة، وسلبياتهم، وكذلك النقاد والحركة النقدية، والقراء أيضًا. لا عدالة مطلقة، ولا لجان تحكيم من جنس الملائكة. لكن شيئًا من العقلانية مطلوب، لتجاوز الانتقادات والملاحظات التي لا يخلو بعضها من صحة. ومع ذلك، أقول إن المرشحين الستة لـ«البوكر» عام 2010، استقبلوا النتيجة بشكل عادي، ورحبوا بالفائز في حينها، عبده خال عن روايته «ترمي بشرر». بينما نشأت صداقة مدهشة بين المرشحين الستة هذا العام، جورج يرق، وطارق بكاري، ومحمد ربيع، ومحمود شقير، وشهلا العجيلي، وربعي المدهون، وكل منهم تمنى الفوز للآخر بصدق. والتقيت رئيس الأمانة العامة د. ياسر سليمان، ورئيسة لجنة التحكيم، الدكتورة أمينة ذيبان وبقية أعضاء اللجنة، فرادى، صبيحة يوم إعلان النتيجة، وقد حافظوا جميعهم على سرية قرار اللجنة، الذي تبين، بعد ذلك، أنهم اتخذوه بالإجماع. حقًا، إن ما يجري داخل لجان الجائزة، بعيد تماما جدا عما يجري خارجها. وما تخطئه في اختيارها أدنى من مستوى جرائم بعض المثقفين وأقل تأثيرًا. في مقال له في «الجزيرة. نت»، كتب الروائي السوداني، أمير تاج السر: «(البوكر) حبيبة الجميع وجائزة الجميع المفضلة، وحتى من ينتقدها في العام الذي لا تدخل فيه رواية له في القوائم، يأتي ويمتدح سلالتها كلها حين يدخل عمل آخر له في دورة ثانية». أنا أتمسك بما كتبه أمير.
* المقال اعتمد على نص محاضرة أُلقِيَت في مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في المنامة بالبحرين في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2016



«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.


موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.