خيانة ستالين.. وفرحة ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما

أطول يوم في تاريخ اليابان (2 من 3)

مظاهر الدمار والخراب على هيروشيما بعد إلقاء القنبة الذرية
مظاهر الدمار والخراب على هيروشيما بعد إلقاء القنبة الذرية
TT

خيانة ستالين.. وفرحة ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما

مظاهر الدمار والخراب على هيروشيما بعد إلقاء القنبة الذرية
مظاهر الدمار والخراب على هيروشيما بعد إلقاء القنبة الذرية

تناولت الحلقة الأولى دعوة الحكومة الأميركية لحكومة اليابان أن تعلن بشكل واضح وصريح التنازل غير المشروط، وأن تقدم التعهدات الصحيحة والملائمة لإثبات حسن النيات، وإلا سيكون الدمار السريع والشامل هو البديل. كان أمام الحكومة اليابانية أن تختار، في وقت قصير جدا، أن تبقى مرهونة لإرادة العسكريين المتشبثين برأيهم، الذين أوصلت استنتاجاتهم غير الذكية إمبراطورية اليابان إلى حافة الهلاك، أم أنها ستتبع طريق المنطق، خصوصا بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، ثم ناغازاكي.
في حلقة اليوم وأمام هذه اللحظات المصيرية، كان لابد من اللجوء إلى الإمبراطور لحسم الأمر، وهو أمر يحصل للمرة الأولى في تاريخ البلد.
مرة أخرى أخذ الجنرال توجو القيادة. الرجل المتعجرف ذو الثانية والستين، الميال إلى احتقار آراء الآخرين، كان أكثر انطلاقًا في الكلام حتى من رئيسه (رئيس الوزراء) كانتارو سوزوكي الذي تجاوز السابعة والسبعين من عمره، المتناعس، ثقيل السمع، يقول شيئا اليوم وعكسه غدًا، مرحبًّا بتسليط الأضواء على الآخرين بينما هو يتخذ طريقه في كسل إلى الاجتماعات التي لا تبدو لها نهاية ولا ينتج عنها شيء.
أكد توكو أنه طالما كان إعلان بوتسدام القاعدة الأساسية الوحيدة لمحادثات السلام، فمن المؤمل ألا يُعلن شيء منه للشعب إلى أن تكون الحكومة قادرة على اتخاذ موقف ثابت بطريقة أو بأخرى.
وزير الشؤون الاجتماعية تاداهيكو أوكادا قال إن البيان قد أذيع حول العالم، فلن يكون من الصعب على شعب اليابان أن يسمع عنه، وقبل أن يحدث هذا يجب أن يطلعوا عليه رسميًا عن طريق حكومتهم.
مدير دائرة المعلومات، هيروشي شيمومورا، وافق، مضيفًا أن التأجيل قد يعتبر في الخارج دليلا على خوف اليابان المفرط من الموقف. ثم اتجهت كل العيون إلى وزير الحرب الجنرال كوريتشيكا أنامي، الذي تحدث إلى الجيش وهو لا يزال يتمتع بأكبر نفوذ في البلد، رغم افتقاره لحماسة أسلافه.
إنه في السابعة والخمسين، وما زال يحتفظ بهيئة مهيبة، مزدانًا بنياشين الرماية والمبارزة، وبالنسبة للضباط الشباب يبدو بمظهر الشخص الموثوق به، والأبوي. كانوا واثقين من الاعتماد عليه لدى ذهابهم إلى الحرب، وفي الاجتماع أصرّ بعناد عزز من صورته هذه لديهم، على أن انتشار أخبار البيان الآن، يوجب على الحكومة أن تقرر شيئين: اعتراضها على صيغته، والموقف الذي تريد أن يتبناه الشعب الياباني إزاءه. أُثني على أنامي من قبل رؤساء الجيش والبحرية في الاجتماع.
في النهاية توصلوا إلى تسوية مفادها: بما أن الحكومة غير قادرة عمليًا على تجاهل الإعلان، ولا على نشره مع الاحتجاج عليه، إلى أن تعرف أين تقف، وافق المجلس في النهاية على إطلاق الأخبار بشكل ينطوي على بعض الغموض، بحيث يبدو كأنه قادم من أرض الأحلام وليس من بوتسدام. فموقف الحكومة من الإعلان يجب ألا يكون واضحا عند النشر، وعلى الصحف أن تقلل من شأن الموضوع قدر الإمكان، إذ كان مسموحًا بنشره معدلاً، لكن من دون أي تعليق عليه.
لقد عزمت الحكومة اليابانية على «تجاهل» الإعلان. ورغم إصرار أنامي على الاحتجاج عليه بلهجة قوية، فإن رئيس الوزراء سوزوكي اتفق مع وزير الخارجية توكو على ما أسماه «قتل الإعلان بصمت»، قال، وبهذه الكلمة التراجيدية المشهورة: «موكو ساتسو» وهي تعني أيضًا ابقَ هادئًا، حكيمًا، وبلا حركة. وهذا بلا شك كان المنطق الذي يفكر به سوزوكي، لكن لسوء الحظ بدا المعنى الآخر أكثر إثارة وإقناعًا، وعندما ظهرت الكلمة على الصفحات الأولى من صحف طوكيو في الصباح التالي، فُهمت على أن الحكومة تحتقر البيان، وفي الحقيقة ترفضه. وفسرت «موكو ساتسو» في واشنطن وبريطانيا وبقية أوروبا والدوائر الدبلوماسية الأميركية على أنها تعني «إنتاج أكبر الضرر».
جريدة أساهي شيمبون، وهي أكبر صحف طوكيو، فسرت إعلان بوتسدام في صباح ذلك السبت على أنه «ليس بذي قيمة». الشعب الياباني أُعلم بالبيان وأكد له في الوقت نفسه أن الحكومة وجدته غير مقبول، الأمر الذي كان مجلس الوزراء قد توصل إليه بصعوبة كبيرة ظهيرة ذلك اليوم. إلا أن الناس لم يعرفوا بهذا أكثر مما كانوا يعرفون ما كان يجري خلف الأبواب المغلقة للوزارات والدوائر الحكومية وخنادق القصر، وبهذا تعاملوا مع البيان باحتقار صامت، كما أخبرتهم الحكومة أن هذا أقصى ما يستحقه.
اليوم التالي، السبت، الـ28 من يوليو (تموز)، وافق رئيس الوزراء على لقاء صحافي في الساعة السابعة لمناقشة إعلان الحلفاء. وعلى كل الأسئلة المتوقعة والمهمة، ردّ سوزوكي أن إعلان بوتسدام لم يكن إلا الفكرة القديمة لإعلان القاهرة، ووضعت في قالب جديد. والحكومة اعتبرته «شيئا لا قيمة له». بعد ذلك أضاف فجأة: «نحن ببساطة سوف موكو ساتسو الإعلان» ثم أعلن أن الحكومة مصرّة على الاستمرار في الحرب حتى إحراز النصر.
كان وزير الخارجية توكو غاضبًا عندما سمع بيان رئيس الوزراء. احتج على أن البيان جاء متناقضًا بشكل فاضح مع القرار الذي وصل من مجلس الوزراء، وفي الوقت نفسه أدرك أنه لا يمكن عمل أي شيء: «من المستحيل الآن حمل رئيس الوزراء على التراجع عن تصريحه». كان الضرر قد وقع وانتهى الأمر.
تصريح سوزوكي نشر في صحف اليابان يوم 30 يوليو، وتناولته الصحافة في كل أرجاء العالم على أن اليابان غير مهتمة أصلاً حتى بمجرد رفض إعلان بوتسدام. ولوصف هذه اللحظة لاحقًا، قال سكرتير وزارة الحرب الأميركية هنري ستمسون: «إن الولايات المتحدة يمكنها فقط المباشرة لإثبات أن الإنذار الذي حمله إعلان بوتسدام يعني تمامًا ما أشار إليه، وهو إذا استمرت اليابان في الحرب فإن جميع قواتنا المسلحة، مؤَيدة بإصرارنا، سوف تعني الدمار الشامل لقوات الجيش الياباني، وفقط الدمار الشامل لأرض اليابان».
من الواضح أن القنبلة الذرية ستكون أبرز سلاح مناسب لمثل هذه الحالات. لكن اليابان ظلّت تنتظر خلال ذلك ردّ الاتحاد السوفياتي.
عندما أبرق السفير الياباني لدى الكرملين إلى توكو بأنه «لا مجال بأي حال» لإقناع الروس بدعم اليابان، ردّ عليه وزير الخارجية: «رغم رأيك، فعليك مواصلة تنفيذ التعليمات، محاولا الحصول على مساعي السوفيات الحميدة - في إنهاء الحرب - لتقتصر على الاستسلام غير المشروط». وكان توكو قد خدم لفترة سفيرا لدى موسكو، لذا لم يكن يجهل الذهنية التي يفكر بها السوفيات. كانت أسبابه الإصرار على متابعة هذه الجهود أنها قد تلقي بحفنة من القش على مستنقع محاولات إنهاء الحرب، التي ربما لخصت فيما قاله ذلك الوقت: «بغض النظر عن صعوبة ما يمكن أن ألاقيه في محاولة إقناع الجيش الياباني لإجراء محادثات مباشرة مع الأميركان أو البريطانيين، فليس لدي شكّ، حتى لو أنهم رفضوا الإصغاء، يجب أن نحاول التفاوض من خلال موسكو، إذ ليس ثمة مجال آخر لإنهاء الحرب».
لم يكن الجيش واثقا من إمكانية التوصل إلى تفاهم مع السوفيات. في منتصف يونيو (حزيران) توقّع أنامي أن الروس «سيهاجمون اليابان، تمامًا كما يستعد الأميركان لإنزال قواتهم على جزرنا»، وقد استمر في هذه النقطة إلى النهاية. قبل الاستسلام بأيام قليلة أخبر أنامي وزارة الداخلية بأن اليابان لو تأخرت فترة أطول لتشغل القوات الأميركية في كيوشو جنوب اليابان، فإن واشنطن ستكون خائفة من أن يحتل الروس أجزاء مهمة من شمال اليابان، مما يبقيها مترقبة للتوصل إلى معاهدة سلام، لذلك سوف تعرض امتيازات لصالحنا.
لكن القوات البحرية اليابانية كان رأيها أن السوفيات سوف يدخلون الحرب بعد معركة أوكيناوا، وهذا أحد الأسباب التي جعلت البحرية تطلب من القوات اليابانية اتخاذ موقف متشدّد، ينزل خسائر كبيرة في قوات العدو. لذلك، رغم أن الروس قد أعلنوا أنهم ما عادوا مهتمين باتفاقية الحياد بين الدولتين (اليابان والاتحاد السوفياتي) إضافة إلى ردّ موسكو لليابان الذي تضمن بشكل رئيسي العبارات المائعة والصمت، فإن مجلس الستة الكبار والإمبراطور نفسه ظلوا معلقين آمالهم على المساعي «الحميدة السوفياتية». كانت الأيام تمرّ، واليابان تنتظر ردّ ستالين.
في تلك اللحظة كان البلد يبدو كما لو أنه بأكمله مرتبكًا وذاهلاً. اليابانيون فهموا أنهم لن يخسروا الحرب، لذلك بدا التنازل أمرًا خسيسًا، والبديل الوحيد الشريف للانتصار هو الموت.
كان صعبًا ومستحيلاً التصديق بأن ما حدث قد حدث فعلاً: «كان خرابًا تامًا، وأمرًا لا يمكن تلافيه». الضريبة التي دُفعت ربما كان موقف الإمبراطور أكبر ثقلاً منها في حالة الصدمة التي عاشوها، لأن اليابانيين يؤمنون أنه ليس فقط منحدرا من سلالة مقدسة، إنما هو القدسية ذاتها، حيث يعتبر وجود اليابان من وجوده هو، مثلما استمر هذا الاعتقاد منذ زمن سحيق.
من الصعب التكهن عما يمكن أن يحدث لو أن قوات الحلفاء عرضت في تلك اللحظة تعهدات على النظام الياباني في شخص الإمبراطور، مؤكدة «إنهاء الحرب، وتنازل الجيش، ولن يُعطى الروس فرصة لدخول منشوريا». لكن هذه التكهنات لا قيمة لها؛ ففي حالة ذهولها اتبعت اليابان فقط الطريق الوحيد الذي بدا مفتوحًا ومرّت الليلة الأولى من أغسطس (آب) بلا أهمية وبلا أمل، باستثناء الانتظار والترقب والحذر. في 6 أغسطس جاء الردّ.
في الساعة الثامنة التقطت محطة رادار هيروشيما اثنتين من طائرات B29. كان الإنذار قد أطلق في المحطة، والطائرات حلقت على مسافة مرتفعة جدًا؛ وقد أعلن الراديو أنها كانت في طلعات استطلاعية، بينما معظم سكان هيروشيما (ربع مليون) لم يبالوا ولم يتوجهوا إلى الملاجئ، ولم يتوقعوا قصفًا، وكثير منهم راح يحدق في السماء بينما الطائرتان تناوران.
من الطائرة القائدة انفتح باب حفظ القنابل.
في الساعة الثامنة والربع و17 ثانية شاهد كثير من الناس عناقيد من المظلات تنقذف من إحدى الطائرتين. في الثانية التالية تحوّل الجو إلى سطوع أبيض يعمي النظر... وأربع وستون ألف شخص بين ميت أو على وشك الموت.
هذا إذن كان الردّ على انتظار اليابان. لم يأتِ، كما كان متوقعًا من الاتحاد السوفياتي، إنما من الولايات المتحدة، حيث سدّدت القسط الأول من تهديدها: «الدمار الكلي الشامل» لليابان.
وصلت الرسالة الإخبارية الأولى لوكالة أنباء «دومي» إلى طوكيو تقريبًا عند الظهر، إلا أن التفاصيل عن حجم الكارثة وطبيعتها وصلت بعد ذلك في وقت متأخر، على شكل تقرير من مقر رئاسة الجيش الثاني، عبر قاعدة كورو البحرية، مع ذلك ظلت التفاصيل شحيحة، وكل ما علمته طوكيو أن عددًا قليلاً جدًا من طائرات العدو أحدث أضرارًا هائلة باستعمال قنابل من نوع مجهول.
في الصباح التالي، عند الفجر، كان اللفتنانت جنرال توراشيرو كاوابي، نائب رئيس الجيش العام، أول من استقبل الرسالة الموجزة، التي أعملته أن هيروشيما قد مُسحت خلال لحظة انفجار خاطف بقنبلة واحدة. فيما بعد قال كوابي إنه يشك بأنها قنبلة ذرية. رفاقه الضباط لم يكونوا في شك من هذا.
الحكومة في طوكيو التقطت بثًّا من واشنطن أكد شكوك كوابي. «أنفقنا بليوني دولار» قال الرئيس ترومان: «حصلنا على أعظم إنجاز علمي في التاريخ وانتصرنا».
أضاف: «إذا كان اليابانيون لم يقبلوا إنذارنا فليتوقعوا أن تمطر عليهم السماء دمارًا لم تشهده الأرض من قبل أبدًا».
لم يعد لدى طوكيو أي سؤال حول ما حدث في هيروشيما.
«لقد أصبح مصدر القوة من الغرب وليس من الشرق». كما قال ترومان، وتستطيع هذه القوة أن تخسف الأرض في المشرق فوق الجالسين على عرش سليل أماتيراسوا وكيكامي، إله الشمس. بيدَ أن طوكيو كانت غير مكترثة بشكل يثير الاستهجان. لقد تطلّب الموقف ردًّا عنيفًا، ولا تزال البلادة الغريبة التي سيطرت على العاصمة اليابانية مستمرة في شلّ حركة الرجال الذين يتوجب عليهم صنع القرار.
في اليوم التالي، 7 أغسطس، أصدر الجيش بلاغًا رسميًا جاء فيه أن الهجوم على هيروشيما من قبل «عدد صغير» من طائرات B29 سبب «أضرارًا بالغة» وقد استخدم في القصف «نوع جديد» من القنابل. «التفاصيل»، قال الجيش: «الآن تحت التحري..».
في 8 أغسطس، نصح وزير الخارجية الإمبراطور بأن على اليابان أن تقبل إعلان بوتسدام بأسرع وقت ممكن، عندئذ أصدر الإمبراطور أمرًا له ليخبر رئيس الوزراء بأنه على ضوء السلاح الجديد الذي استخدمه الحلفاء، فإن اليابان الآن بلا قوة للاستمرار في الحرب، ويجب بذل كل جهد لإنهاء هذه الحرب من دون تأخير. على اليابان أن تتقبل هذا الأمر الصعب.
بناء على ما قاله الماركيز كيدو، كاتم أسرار الإمبراطور، إن صاحب الجلالة قال إن أمنه الخاص يأتي في الدرجة الثانية من مسألة وقف الحرب حالاً. وأصرّ على أن مأساة هيروشيما يجب ألا تتكرر. عندئذ دعا سوزوكي إلى اجتماع طارئ للمجلس الأعلى للحرب، لكن الاجتماع أجل لأن أحد أعضائه كان محجوزًا في مهمة بمكان ما.
خلال ذلك، حاول الجيش التعتيم على إذاعة العدو في مانيللا وأوكيناوا، كما حاول إحباط جهود العدو لقذف منشورات فوق طوكيو تعّبر عن رغبة الحلفاء في إنهاء الحرب من دون تدمير اليابان. في كل الأحوال، ادعى الجيش أنه ليس من الممكن عمليًا، حتى بالنسبة للأميركيين، تصنيع واستخدام السلاح الذري، لأنه أمر مستبعد وخطير. في الوقت نفسه سجلت الحكومة ملف احتجاج رسمي لدى سويسرا ضد حكومة الولايات المتحدة.
بعد ظهر اليوم نفسه، طُلب من السفير الياباني في موسكو المثول في مكتب مولوتوف. اختصر مولوتوف الطريق أمام محاولات السفير ساتو جعل اللقاء وديًا، بأن قرأ عليه الموجز الذي ينتهي بالكلمات التالية: «...حكومة الاتحاد السوفياتي ستعتبر نفسها في حالة حرب مع اليابان».
خلال ساعتين دخل الجيش الأحمر منشوريا، وبدأ هجومًا منظّمًا لإبادة جيش اليابان الـ(كوانتوك). لقد اعتبر اليابانيون تصرف السوفيات غير شرعي ولا يغتفر، لأن الاتحاد السوفياتي واليابان ما زالا ضمن اتفاقية الحياد التي تنتهي في أبريل (نيسان) 1946. إلا أن ستالين جعل تصرفه مشروعًا بمساعدة ترومان، وعلمت حكومة سوزوكي الآن أن البديل للاستسلام غير المشروط هو فعلاً وبلا أدنى شكّ الدمار. وبدا أن فرصة هذا الدمار الشامل هو تمامًا ما أراده الجيش. إن هدوء صبيحة ذلك الخميس الحار، الرطب والمتقد من التاسع من أغسطس، بدت لوزير الخارجية توكو مثل ماء بارد يراه من بعيد رجال عطشى يموتون في الصحراء.
في الساعة الثامنة صباح 9 أغسطس، كان توكو في بيت رئيس الوزراء سوزوكي في كويشيكاوا شمال وسط طوكيو، حين طلب من رئيس الوزراء وبحدّة أن يُعقد المجلس الأعلى للحرب الذي أجل، وعلى الفور. لقد ضاع كثير من الوقت الثمين: «الحرب يجب أن تنتهي بأسرع وقت ممكن».
وافق سوزوكي، وقال لهيساتسون ساكوميزو، سكرتير رئيس الوزراء: «ليأخذ مجلس الوزراء مسؤولية قيادة البلد لإنهاء الحرب». في الظروف الطبيعية، وبعد الأخطاء المخزية لمحاولات حكومته في استخدام مساعي السوفيات الحميدة، كان المفروض أن يقدم استقالته هو وحكومته، لكن ظروف اليابان، وبأي شكل، كانت صبيحة ذاك الخميس أبعد من الطبيعي، وبدا سوزوكي مصرّا على تجنيب أكبر عدد من اليابانيين الموت.
بعد ذلك توجه توكو لرؤية وزير البحرية، الأدميرال يوناي، الذي وافق كما في السابق على أنْ ليس لليابان خيار غير استئناف محادثات السلام. وداخل الوزارة ظل توكو يتساءل عن موقف كابتن البحرية، الأمير تكاماتسو، الذي لم يكن ردّه مشجعًا، فقال وزير الخارجية إنه مقتنع بأن الوقت متأخر جدًا لمناقشة حقيقة أفضل مما طُرح في إعلان بوتسدام، وبينما هو يفعل كل ما باستطاعته شعر أن اليابان لا يمكنها الإصرار على شيء يصون الدولة الوطنية.
خلال ذلك، كان الإمبراطور، رمز الدولة، والرجل الذي أعطى لها الوجود والمعنى، قد تشاور مع اللورد كيوتو كاتم الأسرار، وطلب منه أن يحاول التأثير من جديد على رئيس الوزراء سوزوكي، مؤكدًا رغبة جلالته في التعجيل بإنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن. كان سوزوكي قد دخل منذ حين للقصر، فوافق على استدعاء مجلس الحرب الأعلى ومجلس الوزراء لعقد اجتماع طارئ ومشترك، بحضور رئيس الوزراء السابق الذي يُدعى (جوشن) أي كبير رجال الدولة، حيث يُعتبر جزء من واجباته تقديمَ المشورة للعرش من وقت لآخر.
الساعة 11 من صباح اليوم نفسه، سقطت ثاني قنبلة ذرية في العالم فوق ناغازاكي، وهي إحدى مدن أقصى الشرق في اليابان وفوق جزيرة كيوشو، وقد حدث الانفجار قبل نصف ساعة فقط من دعوة المجلس الأعلى للحرب من جديد لمتابعة مناقشاته غير المتروية والبطيئة التي كانت تجري في القصر الإمبراطوري بطوكيو، وهو يبعد نحو 600 ميل عن المكان الذي تحلق فيه الطائرات.
افتتح رئيس الوزراء الاجتماع بالقول إنه على ضوء مستجدات هيروشيما، واحتلال الاتحاد السوفياتي لمنشوريا، يبدو واضحًا استحالة مواصلة اليابان للحرب. «إنني أعتقد...». قال سوزوكي: «ليس لدينا بديل سوى قبول إعلان بوتسدام، وأنا أحبّ الآن الاستماع إلى آرائكم».
مجلس الحرب الأعلى ظلّ صامتًا.
أخيرًا كسر الأدميرال ميتسوماسا يوناي السحر الذي كان مخيمًا على المجلس. كان يوناي رجلا هادئًا، دمثًا وله ابتسامة لطيفة، وقد كان رئيسًا للوزراء عام 1940 ثم أرغم على الاستقالة بسبب معارضته التحالف مع ألمانيا وإيطاليا. كان واعيًا مثل سوزوكي وتوكو للخطر الجسيم من وراء مقتل الضباط الشبان الذين تلتهمهم نيران الحرب.
«لن ننجز شيئا». قال يوناي: «ما لم نتحدث. هل نتقبل إنذار العدو غير المشروط؟ هل لدينا ما نطرحه من شروط؟ إذا كان كذلك، فمن الأفضل مناقشتها الآن».
بدأ الأعضاء الآخرون في المجلس بإيضاح مواقفهم، وقد ظهرت بسرعة موافقتهم الإجماعية على نقطة واحدة: «صيانة الكيان الإمبراطوري للبلد». بعد ذلك ظهر انقسام حاد، أصبح مألوفًا وأكثر حدّة بمرور الأيام.
سوزوكي، وتوكو، ويوناي فضلوا قبول إنذار الحلفاء مع شرط واحد يتعلق بالدولة الإمبراطورية، الثلاثة الآخرون - وزير الحرب أنامي واثنان من رؤساء الأجهزة، أوميزو للجيش، وتويودا للبحرية - أرادوا طرح شروط أخرى وهي: تقديم أقل عدد من القوات اليابانية التي تحتل بلدانا أخرى لمحاكمتهم بوصفهم مجرمي حرب من قبل اليابانيين أنفسهم وليس العدو، ويقوم بعض الضباط اليابانيين بتسريح عدد من الجنود. أنامي ورئيسا الأجهزة كانوا غير قادرين كما يبدو على قبول فكرة الهزيمة أو الاستسلام، لأنها ضد قناعتهم، لذلك انتهى هذا الطرح إلى رفض حقيقة الهزيمة والاستسلام.
ردّ توكو بقوة: إن موقف اليابان في غاية الخطر، وحتى لو حاولت اليابان طرح عدد من الشروط، فإن الحلفاء وفي كل الاحتمالات سيرفضون مناقشتها. فردّ الجنرال أوميزو رئيس جهاز القوات المسلحة هو الآخر بقوة قائلاً إن اليابان لم تفقد الحرب بعد، وإذا غزا العدو أرضنا فإن الجنود اليابانيين ما زالوا قادرين على منعه، وربما حتى إلحاق الخيبة به، والثمن في خسائر العدو سيكون هائلاً. عندها قال توكو، حتى إذا فشلت أول محاولة، فإن قوة اليابان في الدفاع عن نفسها ستكون أكثر ضعفًا، والهجوم الثاني للعدو بالتأكيد لن يفشل، ثم أضاف: «يجب أن يُقبل إعلان بوتسدام الآن، ومطالبنا لن تكون أكثر من صيانة البيت الإمبراطوري».
في الساعة الواحدة عقد المجلس الأعلى جلسة لمدة ساعتين، وكانت أخبار قصف ناغازاكي قد وصلت، ثم وصلت الحقيقة الأخرى عن سقوط منشوريا بأيدي السوفيات، بينما ظلّ المجلس غير قادر على الوصول إلى اتفاق. وضح الخط الفاصل بين الفريقين، إذ وقف كل ثلاثة في جانب، فعرض سوزوكي أن يُفضّ الاجتماع ليعاد عقده لاحقًا بعد انعقاد مجلس الوزراء بعد ظهر اليوم نفسه، وبذلك، وعلى هذه الصورة انتهت جلسات الخميس التي عقدها مجلس الستة الكبار لاتخاذ قرار بشأن الحرب.
في واشنطن تحدث الرئيس ترومان في الراديو معلنًا: «سوف نستمر باستخدامها حتى تدمير قوة اليابان نهائيًا وإنهاء قدرتها على الاستمرار في الحرب. ولن يوقفنا غير استسلام اليابان».
في الوقت الذي فضّ فيه الستة الكبار اجتماعهم، دُعي هيروشي شيموورا، مدير دائرة المعلومات، إلى مقابلة رسمية مع الإمبراطور. وكانت المقابلة بناءً على طلب قدمه سكرتير شيمومورا إلى وزارة شؤون القصر الإمبراطوري. استمرت المقابلة ساعتين كاملتين، مع أن العادة ألا تأخذ المقابلات مع الإمبراطور أكثر من 30 دقيقة فقط، وبانتهاء اللقاء قال شيمومورا لسكرتيره مع ابتسامة ارتياح: «كل شيء جرى على ما يرام. وافق الإمبراطور على إذاعة بيان يخبر فيه الأمّة فيما إذا كنا سنحارب أو نسالم».
إذا كان الإمبراطور سيذيع هذا البيان فعلاً، ستكون تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها اليابانيون صوت الإمبراطور.
إذا عدنا إلى اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد بعد ظهر الخميس الساعة 2:30 في المقر الرسمي لرئيس الوزراء، فقد افتتحه وزير الخارجية توكو بتناول موضوع إعلان السوفيات الحرب على اليابان، متضمنًا محاولات الحكومة اليابانية لإقناع موسكو بالتوسط. بعد ذلك وصف توكو طبيعة الكارثة بأنها تجاوزت حدود هيروشيما وناغازاكي. أما وزير البحرية ووزير الحرب فحين سألهما رئيس الوزراء عن رأيهما كررا ما قالاه نفسه: «نحن ربما نكسب أول معركة لليابان...». قال الأدميرال يوناي: «إلا أننا لن نكسب الثانية. الحرب خُسرت بالنسبة لنا، لذلك يجب نسيان مسألة حفظ ماء الوجه، علينا أن نستسلم بأقصى سرعة ممكنة، ومنذ هذه اللحظة يجب التفكير بأهمية إنقاذ بلدنا».



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».