طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

قاتل سوريا و«القوات اللبنانية» وخاصم «حزب الله» والحريري.. ثم تفاهم معهم جميعًا

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات
TT

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

لم تكن طريق رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون إلى قصر الرئاسة اللبنانية، المتوقع أن يدخلها بعد ظهر يوم الاثنين المقبل معبدة بالورد، بل بكثير من الصعوبات التي جعلت منها «حلما مستحيلا» لمدة 27 سنة. وهذا، قبل أن يتحقق هذا «المستحيل» بقبول رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري بترشيحه، فاتحًا له أبواب القصر المقفلة منذ 26 مايو (أيار) 2014 بعدما غادره الرئيس السابق ميشال سليمان من دون أن يتمكن البرلمان من انتخاب بديل له في سدة الرئاسة.
خاض ميشال عون في مسعاه لرئاسة لبنان حروبًا دموية قاسية، كما أجرى مصالحات تتحدى المنطق السياسي في أبسط صوره، لكن النتيجة أتت إيجابية بالنسبة إليه مع تذليل آخر العقبات أمام الحلم المستحيل، الذي من المقرر أن يتحول حقيقة في صناديق الاقتراع يوم الاثنين.
بدأ الحلم «العوني» بالرئاسة في سبتمبر (أيلول) 1989، عندما عيّنه الرئيس السابق أمين الجميل رئيسًا لـ«حكومة عسكرية» - استقال وزراؤها المسلمون الثلاثة فور إعلانها - مهمتها تولي الحكم مؤقتًا بعد فشل البرلمان في الانعقاد لانتخاب رئيس جديد للبلاد. وتولد هذا الوضع عن احتدام الخلافات الداخلية، وانهيار مبادرة أميركية - سورية بالتوافق على النائب مخايل الضاهر للرئاسة. يومذاك حذر الأميركيون القيادات المسيحية الرافضة انتخاب الضاهر بوضعها أمام معادلة تقول: «مخايل الضاهر أو الفوضى».
ودخلت البلاد في الفوضى الفعلية بعد فشل انتخاب رئيس جديد، واستقالة نصف وزراء الحكومة العسكرية (الأعضاء المسلمين) وبقاء حكومة الرئيس سليم الحص مسيطرة على أجزاء كبيرة من لبنان.

«حرب التحرير».. وسوريا
تسلم عون قيادة الشطر الشرقي من بيروت، وبزغ نجمه بوصفه أحد القادة المسيحيين البارزين، فانتقل للإقامة في القصر الجمهوري. ثم ما لبث أن فتح أبوابه أمام مناصريه مطلقا عليه اسم «بيت الشعب» حيث كانت تقام النشاطات المتضامنة معه، والداعمة لوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
ويورد كثير من القياديين السابقين في تيار عون وجود اتصالات بين عون والقيادة السورية، قبل وبعد، تعيينه رئيسا للحكومة العسكرية، تهدف إلى إقناعهم بالقبول به رئيسا للبلاد باعتباره حلا وسطا بين الأطراف المتنازعة.
ويورد إيلي محفوض، القيادي السابق في تيار عون، رواية مفادها أن عون أوفد أحد مساعديه إلى الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد حاملاً إلى الأسد رسالة يقول فيها: «إنني عسكري، وبهذه الصفة أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطًا صغيرًا في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عمومًا وللمسيحيين خصوصًا، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أرد لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا. ومن حق سوريا علينا أن نوفر لها أسباب الطمأنينة، وأن نشرّع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة إلى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها». ويتحدث محفوض عن «شبكة الموفدين المتعددة الأسماء، التي تبدأ سلسلتها بالوزيرين السابقين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزّي الذي تولى شخصيًا معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه في باريس إلى بيروت، كما تولى شخصيًا، وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية».
وفي حين أكد محفوض لـ«الشرق الأوسط» ثقته بهذه المعلومة من منطلق أن «أحدا لم ينفها»، من جهتها، نفت مصادر قيادية في «التيار الوطني الحر» وجود رسالة مماثلة نفيًا قاطعًا، قائلة إن الموضوع مختلق جملة وتفصيلا، ولافتة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن من أشاع هذه الأخبار قبل سنوات «معروف التوجهات والأهداف» حسب تعبيرها. وتضيف المصادر العونية أن «تاريخ العماد عون ناصع كالثلج.. أما الذين يختلقون الأخبار لتشويه صورته فهؤلاء تاريخهم وحاضرهم يشهد لفشلهم».
وبعد فشل كل محاولات التسوية السياسية، انتقل عون إلى الهجوم، معلنًا «حرب التحرير» ضد الوجود السوري في لبنان، مطلقًا حملة عسكرية عنيفة لم تؤد إلى تغييرات جغرافية، لكنها حملت كثيرا من الدمار والموت إلى طرفي خطوط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية. وفي وقت لاحق تبادل عون و«القوات» اللبنانية الاتهامات حول التسبب بالقصف الذي أوقع عشرات القتلى يوم اندلاع المواجهة العسكرية الأولى في مارس (آذار) 1989. إلا أن الثابت أنها كانت واحدة من الحلقات الدموية في الحرب الأهلية اللبنانية.
ولكن عجز هذه الحرب عن إحداث تغييرات بنيوية، أدّى في وقت لاحق إلى خروج النار من تحت الرماد في علاقة عون مع «القوات اللبنانية»، إذ قرّر عون توحيد البندقية في الشارع المسيحي وبسط سلطة المؤسسة العسكرية اللبنانية (أو الجزء الذي يقوده) على كامل هذه المناطق، فاصطدم مع «القوات اللبنانية» في عام 1990 بحرب دموية شرسة قلّ مثيلها في لبنان طوال الحرب الأهلية اللبنانية وأدت إلى مقتل المئات من الجانبين وسميت بـ«حرب الإلغاء».

«حرب الإلغاء»
فتحت هذه الحرب الباب واسعًا أمام الإطاحة بعون. ذلك أن قائد «القوات»، سمير جعجع، انضم إلى الجهات الداعمة لـ«اتفاق الطائف» الذي توافق عليه النواب اللبنانيون في مدينة الطائف السعودية بدعم عربي ودولي غير مسبوق. وبقي عون وحيدًا في قصر بعبدا، وفي المنطقة الجنوبية من جبل لبنان التي انحصر فيها نفوذه العسكري.
ولما رفض عون الانصياع للتفاهمات الدولية، كان «الضوء الأخضر» للنظام السوري لاجتياح مناطق نفوذه صبيحة يوم 13 أكتوبر 1990 عندما وصلت طائرات السوخوي السورية لأول مرة إلى أجواء بيروت لتقصف القصر الجمهوري ومواقع الجيش الموالي لعون، ثم تتقدم القوات السورية والقوات العسكرية اللبنانية الموالية للرئيس إلياس الهراوي لتخترق مناطق نفوذه من ثلاثة اتجاهات.
لجأ عون إلى السفارة الفرنسية في بيروت، وأعطى من هناك أوامره لوحداته بأن تأخذ أوامرها من قائد الجيش الذي عينته حكومة الحص العماد إميل لحود. ومن السفارة انتقل بعد مفاوضات فرنسية - لبنانية - سورية إلى باريس للإقامة في المنفى، شرط عدم العودة إلى لبنان لفترة زمنية اختلفت الروايات حولها.

المنفى الفرنسي
أنهت العملية العسكرية وما سبقها من حروب، كل التواصل بين عون ودمشق، فانتقل من مقر إقامته في فرنسا لتنظيم الحملات على فرنسا وعلى ما يسمى «حزب الله» وانتقل إلى الولايات المتحدة لدعم قانون عرف بقانون «محاسبة سوريا» في الكونغرس الأميركي هدفه محاربة الوجود السوري في لبنان. وأكد النائب السابق غطاس خوري، أمام غرفة البداية في المحكمة الخاصة بلبنان، أن «القرار 1559 جاء على خلفية قرار الكونغرس الأميركي بمحاسبة سوريا. والعماد ميشال عون سعى للحصول على هذا القرار في محاولة لرفع الهيمنة السورية عن لبنان والعودة من المنفى». ونشر ناشطون معارضون لعون مؤخرًا تسجيلا صوتيا قديما له يصف فيه سوريا بالدولة الإرهابية وينتقد ما يسمى «حزب الله» الذي قال عنه إنه امتداد للسياسة الإيرانية.

العودة.. وبدء «التفاهمات»
انتهت مرحلة مواجهة عون للنظام السوري وما يسمى «حزب الله» مع نهاية الوجود السوري في لبنان. فبعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005، وما تلاه من تداعيات أدت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان، عاد عون إلى لبنان بعد 15 سنة من الغياب. والتحق جمهور عون بصفوف تحالف «14 آذار» وشارك مع أنصاره في الاعتصامات المناوئة للنظام السوري، لكنه عاد ليفاجئ الجميع بتصريحات، قال فيها «إن مشكلتي مع سوريا انتهت وسنبني أفضل العلاقات (..) لا أحب الصليب المشطوب (شعار القوات)، هذا ضد المفاهيم المسيحية (..) رفيق الحريري أدخل لبنان في نفق اقتصادي لا نعرف أين ينتهي ومستقبلنا برسم القدر (..) رئاسة الجمهورية رمز وممنوع المسّ بالموقع رغم اختلافنا مع الرئيس الحالي».
وانتقل عون إلى الضفة الثانية، مفاجئًا الجميع بعد أقل من سنة من عودته إلى لبنان بتفاهم مع ما يسمى «حزب الله» الذي يعد الحليف الأول للنظام السوري و«رأس حربة» المواجهة في الفريق الموالي للنظام. وأقيم احتفال كبير عند خط التماس السابق بين ضاحيتي بيروت الشرقية والغربية، في كنيسة مار مخايل تخللها قطع قالب كبير من الحلوى. ويومذاك نصت هذه الورقة على أن «إقامة علاقات لبنانية - سورية وصحيحة تقتضي مراجعة التجربة السابقة باستخلاص ما يلزم من العبر والدروس ولتلافي ما علق بها من أخطاء وشوائب وثغر، وبما يمهد الطريق للنهوض بهذه العلاقات على أسس واضحة من التكافؤ والاحترام الكامل والمتبادل لسيادة الدولتين واستقلالهما على قاعدة رفض العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية».
بعدها، في «حرب تموز» 2006 التي خاضها، ما يسمى «حزب الله»، عسكريًا مع إسرائيل، بعد كمين استهدف خطف عسكريين إسرائيليين عبر الحدود، كان يخوضها إلى جانبه عون سياسيا وشعبيًا ولوجستيا. والمناطق التي ينتشر فيها أنصار عون تحوّلت إلى ملاجئ آمنة لأنصار الحزب الهاربين من القصف الإسرائيلي ما خفف عن الحزب من ثقل المواجهة، كما أن الغطاء المسيحي الذي وفّره عون للحزب لا يكاد يقل أهمية عن الحرب العسكرية. وهكذا، انتقل ما يسمى «حزب الله» وعون من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التحالف سريعًا، وتوطّدت العلاقات بين الطرفين بسرعة قياسية.
وسرعان ما أصبح عون مرشح ما يسمى «حزب الله» المفضل، ثم الوحيد لرئاسة لبنان. لكن هذا الدعم لم يكفه للوصول إلى سدة الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، على الرغم من الانتصار العسكري لما يسمى «حزب الله» في بيروت، التي اجتاحها الحزب في مايو (أيار) 2007. إذ أدت التوازنات الإقليمية والدولية ورفض قوى «14 آذار» الشديد لعون في الرئاسة، إلى الوقوف بوجه حلم عون، خصوصًا أن في «14 آذار» أكثر من طامح للرئاسة.

التطبيع مع الأسد
أما العلاقة مع سوريا، فقد أنهى عون كل الكلام الكبير الذي أطلقه بحق النظام وقادته بعبارة قال فيها إن خصومته مع سوريا هي في لبنان، وبما أن سوريا غادرت لبنان، فإني أرمي خصومتي معها. وتوج هذه المصالحة بزيارة إلى العاصمة السورية التقى خلالها رئيس النظام بشار الأسد في العام 2008 متوجا انعطافته السياسية الكبرى. واعتبر عون زيارته لدمشق «تأريخا لنهاية مرحلة قديمة وبداية مرحلة جديدة قائمة على تنقية الوجدانين السوري واللبناني بعد محطات سيئة تاريخيًا، ولا سيما بعد أن أجرى كل من الجانبين النقد الذاتي اللازم فقد سقطت كثير من مخاوفنا وتحفظاتنا إثر ورقة التفاهم مع (حزب الله)، وكذلك بالنسبة للقيادة السورية التي أجرت مراجعة ذاتية».
ومع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في مايو 2014. كانت طموحات عون الرئاسية تصطدم بأرقام التوازنات في البرلمان القائم. وقد زادت الأمور صعوبة مع تمديد ولاية هذا البرلمان مرتين، وفشل عون وحلفائه في الحصول على الأكثرية من خلال الانتخابات. وهذا ما يفسر معارضة عون الشديدة لتمديد ولاية البرلمان، لكن مضي حليفه ما يسمى «حزب الله» في التمديد أسقط إمكانية تعطيله، فكان أن أعلن رفضه التمديد وطعن به دستوريا، معلنا أن البرلمان أصبح غير شرعي.

التعطيل.. برلمانيًا
كان التعطيل، سلاح عون والحزب في مواجهة الأكثرية البسيطة التي تمتلكها قوى «14 آذار» في البرلمان. فغياب نوابهما عن الجلسات أفقدها النصاب القانوني (ثلثا أعضاء البرلمان) ما أدى إلى فراغ دستوري جديد في البلاد استمر حتى اليوم تحت عنوان واحد: انتخاب الرئيس القوي في بيئته (المسيحية).
ولم يكتف عون بالتعطيل، بل فتح باب الحوار مع رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري الذي عقد معه اجتماعات كثيرة، احتفل معه في إحداها بعيد مولده (عون) مع قالب حلوى كبير، وسرى كلام عن تقارب بين الطرفين. ويبدو أن هذا التقارب هو ما أزعج قائد «القوات» سمير جعجع الذي سارع إلى إعلان ترشيح نفسه للرئاسة قاطعا الطريق أمام حليفه (الحريري) واحتمالات التقارب مع عون.
لم ييأس عون، فاستمر مع حليفه بتعطيل جلسات الرئاسة، وأدت محاولة الحريري التفاهم مع النائب سليمان فرنجية المتحالف مع ما يسمى «حزب الله» والنظام السوري، إلى إثارة حفيظة جعجع. ورشح الحريري فرنجية، بعدما فشل في التفاهم مع عون «المتشدد»، فكانت الأمور في صالح الأخير الذي فتح حوارا مع جعجع قاده النائب إبراهيم كنعان من جهة عون، ومستشار جعجع ملحم رياشي، وانتهى إلى إعلان ورقة نوايا مع «القوات»، ومن ثم إعلان تبني «القوات» ترشيح عون للرئاسة في احتفال كبير تخلله أيضا قطع قالب من الحلوى.

«الحلف المسيحي»
ونصت «ورقة النوايا» بين الحليفين الجديدين على ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي، وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول، ولا سيما العربية منها مما يحصن الوضع الداخلي اللبناني سياسيا وأمنيًا ويساعد على استقرار الأوضاع، وكذلك اعتبار إسرائيل دولة عدوة والتمسك بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ورفض التوطين واعتماد حل الدولتين ومبادرة بيروت 2002، والحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين وأن يبقى الحق في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولا تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية العليا».
ورأى الطرفان المسيحيان أن «إعلان النوايا هذا، يهدف إلى وضع المبادئ الديمقراطية ومعاييرها أساسا لتنظيم علاقتهما، ويؤكد إبقاء المبادئ الدستورية والميثاقية فوق سقف التنافس السياسي، كما يؤكد إرادتهما ورغبتهما في العمل المشترك والتواصل في جميع المجالات والمواقع الممكنة لتنفيذ التزاماتهما المنوه عنها أعلاه ويعتزمان العمل على تفعيل إنتاجية اتفاقاتهما حيث يتفقان، والتنافس من دون خصام حيث يختلفان، كما يتعهدان بالتواصل الدائم والتباحث المستمر للتفاهم على كل المواضيع ذات الشأن العام والوطني».
مع إعلان «القوات» تأييد ترشيح عون، بقيت أمام الأخير عقبة وحيدة هي رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي يترأس أكبر كتلة برلمانية تضم (33 نائبا). ورغم سنوات من الشتائم المتبادلة والانتقادات المتواصلة بين الطرفين، فإنهما تلاقيا عند ما يفتح الطريق أمام عون للرئاسة. فعون يحتاج إلى أصوات الحريري، والحريري يحتاج إلى حضور نواب عون الجلسة. وأدى استمرار التعطيل والفراغ الرئاسي إلى شبه انهيار في مؤسسات الدولة، فالحكومة تعمل بأقل من ربع طاقتها والبرلمان مشلول، والوضع الاقتصادي يتجه نحو الانهيار.
ورغم أن اتفاق عون - الحريري، لم يكن مكتوبًا، فإن تسريبات صحافية قالت إنه يتضمن مجموعة من النقاط، أبرزها تعيين قائد الجيش على أن يكون شخصية غير مستفزّة لما يسمى «حزب الله» ثم الاتفاق على عدم مقاربة موضوع سلاح ما يسمى «حزب الله» على اعتبار أنه بند سابق على طاولة الحوار ويحلّ ضمن بند الاستراتيجية الدفاعية. على أن يكون البيان الوزاري للحكومة الجديدة، خصوصًا في الشق المتعلق بالمقاومة، مشابها لما اعتمد في البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام.
وفي المحصلة، احتاج عون الذي يصفه خصومه بأنه «نزق وعصبي وعنيد» إلى كثير من الدبلوماسية لاسترضاء أقوى خصومه وصولا إلى الحلم الكبير.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.