طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

قاتل سوريا و«القوات اللبنانية» وخاصم «حزب الله» والحريري.. ثم تفاهم معهم جميعًا

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات
TT

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

طريق عون إلى الرئاسة اللبنانية: حروب.. مصالحات

لم تكن طريق رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون إلى قصر الرئاسة اللبنانية، المتوقع أن يدخلها بعد ظهر يوم الاثنين المقبل معبدة بالورد، بل بكثير من الصعوبات التي جعلت منها «حلما مستحيلا» لمدة 27 سنة. وهذا، قبل أن يتحقق هذا «المستحيل» بقبول رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري بترشيحه، فاتحًا له أبواب القصر المقفلة منذ 26 مايو (أيار) 2014 بعدما غادره الرئيس السابق ميشال سليمان من دون أن يتمكن البرلمان من انتخاب بديل له في سدة الرئاسة.
خاض ميشال عون في مسعاه لرئاسة لبنان حروبًا دموية قاسية، كما أجرى مصالحات تتحدى المنطق السياسي في أبسط صوره، لكن النتيجة أتت إيجابية بالنسبة إليه مع تذليل آخر العقبات أمام الحلم المستحيل، الذي من المقرر أن يتحول حقيقة في صناديق الاقتراع يوم الاثنين.
بدأ الحلم «العوني» بالرئاسة في سبتمبر (أيلول) 1989، عندما عيّنه الرئيس السابق أمين الجميل رئيسًا لـ«حكومة عسكرية» - استقال وزراؤها المسلمون الثلاثة فور إعلانها - مهمتها تولي الحكم مؤقتًا بعد فشل البرلمان في الانعقاد لانتخاب رئيس جديد للبلاد. وتولد هذا الوضع عن احتدام الخلافات الداخلية، وانهيار مبادرة أميركية - سورية بالتوافق على النائب مخايل الضاهر للرئاسة. يومذاك حذر الأميركيون القيادات المسيحية الرافضة انتخاب الضاهر بوضعها أمام معادلة تقول: «مخايل الضاهر أو الفوضى».
ودخلت البلاد في الفوضى الفعلية بعد فشل انتخاب رئيس جديد، واستقالة نصف وزراء الحكومة العسكرية (الأعضاء المسلمين) وبقاء حكومة الرئيس سليم الحص مسيطرة على أجزاء كبيرة من لبنان.

«حرب التحرير».. وسوريا
تسلم عون قيادة الشطر الشرقي من بيروت، وبزغ نجمه بوصفه أحد القادة المسيحيين البارزين، فانتقل للإقامة في القصر الجمهوري. ثم ما لبث أن فتح أبوابه أمام مناصريه مطلقا عليه اسم «بيت الشعب» حيث كانت تقام النشاطات المتضامنة معه، والداعمة لوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
ويورد كثير من القياديين السابقين في تيار عون وجود اتصالات بين عون والقيادة السورية، قبل وبعد، تعيينه رئيسا للحكومة العسكرية، تهدف إلى إقناعهم بالقبول به رئيسا للبلاد باعتباره حلا وسطا بين الأطراف المتنازعة.
ويورد إيلي محفوض، القيادي السابق في تيار عون، رواية مفادها أن عون أوفد أحد مساعديه إلى الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد حاملاً إلى الأسد رسالة يقول فيها: «إنني عسكري، وبهذه الصفة أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطًا صغيرًا في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عمومًا وللمسيحيين خصوصًا، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أرد لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا. ومن حق سوريا علينا أن نوفر لها أسباب الطمأنينة، وأن نشرّع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة إلى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها». ويتحدث محفوض عن «شبكة الموفدين المتعددة الأسماء، التي تبدأ سلسلتها بالوزيرين السابقين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزّي الذي تولى شخصيًا معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه في باريس إلى بيروت، كما تولى شخصيًا، وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية».
وفي حين أكد محفوض لـ«الشرق الأوسط» ثقته بهذه المعلومة من منطلق أن «أحدا لم ينفها»، من جهتها، نفت مصادر قيادية في «التيار الوطني الحر» وجود رسالة مماثلة نفيًا قاطعًا، قائلة إن الموضوع مختلق جملة وتفصيلا، ولافتة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن من أشاع هذه الأخبار قبل سنوات «معروف التوجهات والأهداف» حسب تعبيرها. وتضيف المصادر العونية أن «تاريخ العماد عون ناصع كالثلج.. أما الذين يختلقون الأخبار لتشويه صورته فهؤلاء تاريخهم وحاضرهم يشهد لفشلهم».
وبعد فشل كل محاولات التسوية السياسية، انتقل عون إلى الهجوم، معلنًا «حرب التحرير» ضد الوجود السوري في لبنان، مطلقًا حملة عسكرية عنيفة لم تؤد إلى تغييرات جغرافية، لكنها حملت كثيرا من الدمار والموت إلى طرفي خطوط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية. وفي وقت لاحق تبادل عون و«القوات» اللبنانية الاتهامات حول التسبب بالقصف الذي أوقع عشرات القتلى يوم اندلاع المواجهة العسكرية الأولى في مارس (آذار) 1989. إلا أن الثابت أنها كانت واحدة من الحلقات الدموية في الحرب الأهلية اللبنانية.
ولكن عجز هذه الحرب عن إحداث تغييرات بنيوية، أدّى في وقت لاحق إلى خروج النار من تحت الرماد في علاقة عون مع «القوات اللبنانية»، إذ قرّر عون توحيد البندقية في الشارع المسيحي وبسط سلطة المؤسسة العسكرية اللبنانية (أو الجزء الذي يقوده) على كامل هذه المناطق، فاصطدم مع «القوات اللبنانية» في عام 1990 بحرب دموية شرسة قلّ مثيلها في لبنان طوال الحرب الأهلية اللبنانية وأدت إلى مقتل المئات من الجانبين وسميت بـ«حرب الإلغاء».

«حرب الإلغاء»
فتحت هذه الحرب الباب واسعًا أمام الإطاحة بعون. ذلك أن قائد «القوات»، سمير جعجع، انضم إلى الجهات الداعمة لـ«اتفاق الطائف» الذي توافق عليه النواب اللبنانيون في مدينة الطائف السعودية بدعم عربي ودولي غير مسبوق. وبقي عون وحيدًا في قصر بعبدا، وفي المنطقة الجنوبية من جبل لبنان التي انحصر فيها نفوذه العسكري.
ولما رفض عون الانصياع للتفاهمات الدولية، كان «الضوء الأخضر» للنظام السوري لاجتياح مناطق نفوذه صبيحة يوم 13 أكتوبر 1990 عندما وصلت طائرات السوخوي السورية لأول مرة إلى أجواء بيروت لتقصف القصر الجمهوري ومواقع الجيش الموالي لعون، ثم تتقدم القوات السورية والقوات العسكرية اللبنانية الموالية للرئيس إلياس الهراوي لتخترق مناطق نفوذه من ثلاثة اتجاهات.
لجأ عون إلى السفارة الفرنسية في بيروت، وأعطى من هناك أوامره لوحداته بأن تأخذ أوامرها من قائد الجيش الذي عينته حكومة الحص العماد إميل لحود. ومن السفارة انتقل بعد مفاوضات فرنسية - لبنانية - سورية إلى باريس للإقامة في المنفى، شرط عدم العودة إلى لبنان لفترة زمنية اختلفت الروايات حولها.

المنفى الفرنسي
أنهت العملية العسكرية وما سبقها من حروب، كل التواصل بين عون ودمشق، فانتقل من مقر إقامته في فرنسا لتنظيم الحملات على فرنسا وعلى ما يسمى «حزب الله» وانتقل إلى الولايات المتحدة لدعم قانون عرف بقانون «محاسبة سوريا» في الكونغرس الأميركي هدفه محاربة الوجود السوري في لبنان. وأكد النائب السابق غطاس خوري، أمام غرفة البداية في المحكمة الخاصة بلبنان، أن «القرار 1559 جاء على خلفية قرار الكونغرس الأميركي بمحاسبة سوريا. والعماد ميشال عون سعى للحصول على هذا القرار في محاولة لرفع الهيمنة السورية عن لبنان والعودة من المنفى». ونشر ناشطون معارضون لعون مؤخرًا تسجيلا صوتيا قديما له يصف فيه سوريا بالدولة الإرهابية وينتقد ما يسمى «حزب الله» الذي قال عنه إنه امتداد للسياسة الإيرانية.

العودة.. وبدء «التفاهمات»
انتهت مرحلة مواجهة عون للنظام السوري وما يسمى «حزب الله» مع نهاية الوجود السوري في لبنان. فبعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005، وما تلاه من تداعيات أدت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان، عاد عون إلى لبنان بعد 15 سنة من الغياب. والتحق جمهور عون بصفوف تحالف «14 آذار» وشارك مع أنصاره في الاعتصامات المناوئة للنظام السوري، لكنه عاد ليفاجئ الجميع بتصريحات، قال فيها «إن مشكلتي مع سوريا انتهت وسنبني أفضل العلاقات (..) لا أحب الصليب المشطوب (شعار القوات)، هذا ضد المفاهيم المسيحية (..) رفيق الحريري أدخل لبنان في نفق اقتصادي لا نعرف أين ينتهي ومستقبلنا برسم القدر (..) رئاسة الجمهورية رمز وممنوع المسّ بالموقع رغم اختلافنا مع الرئيس الحالي».
وانتقل عون إلى الضفة الثانية، مفاجئًا الجميع بعد أقل من سنة من عودته إلى لبنان بتفاهم مع ما يسمى «حزب الله» الذي يعد الحليف الأول للنظام السوري و«رأس حربة» المواجهة في الفريق الموالي للنظام. وأقيم احتفال كبير عند خط التماس السابق بين ضاحيتي بيروت الشرقية والغربية، في كنيسة مار مخايل تخللها قطع قالب كبير من الحلوى. ويومذاك نصت هذه الورقة على أن «إقامة علاقات لبنانية - سورية وصحيحة تقتضي مراجعة التجربة السابقة باستخلاص ما يلزم من العبر والدروس ولتلافي ما علق بها من أخطاء وشوائب وثغر، وبما يمهد الطريق للنهوض بهذه العلاقات على أسس واضحة من التكافؤ والاحترام الكامل والمتبادل لسيادة الدولتين واستقلالهما على قاعدة رفض العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية».
بعدها، في «حرب تموز» 2006 التي خاضها، ما يسمى «حزب الله»، عسكريًا مع إسرائيل، بعد كمين استهدف خطف عسكريين إسرائيليين عبر الحدود، كان يخوضها إلى جانبه عون سياسيا وشعبيًا ولوجستيا. والمناطق التي ينتشر فيها أنصار عون تحوّلت إلى ملاجئ آمنة لأنصار الحزب الهاربين من القصف الإسرائيلي ما خفف عن الحزب من ثقل المواجهة، كما أن الغطاء المسيحي الذي وفّره عون للحزب لا يكاد يقل أهمية عن الحرب العسكرية. وهكذا، انتقل ما يسمى «حزب الله» وعون من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التحالف سريعًا، وتوطّدت العلاقات بين الطرفين بسرعة قياسية.
وسرعان ما أصبح عون مرشح ما يسمى «حزب الله» المفضل، ثم الوحيد لرئاسة لبنان. لكن هذا الدعم لم يكفه للوصول إلى سدة الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، على الرغم من الانتصار العسكري لما يسمى «حزب الله» في بيروت، التي اجتاحها الحزب في مايو (أيار) 2007. إذ أدت التوازنات الإقليمية والدولية ورفض قوى «14 آذار» الشديد لعون في الرئاسة، إلى الوقوف بوجه حلم عون، خصوصًا أن في «14 آذار» أكثر من طامح للرئاسة.

التطبيع مع الأسد
أما العلاقة مع سوريا، فقد أنهى عون كل الكلام الكبير الذي أطلقه بحق النظام وقادته بعبارة قال فيها إن خصومته مع سوريا هي في لبنان، وبما أن سوريا غادرت لبنان، فإني أرمي خصومتي معها. وتوج هذه المصالحة بزيارة إلى العاصمة السورية التقى خلالها رئيس النظام بشار الأسد في العام 2008 متوجا انعطافته السياسية الكبرى. واعتبر عون زيارته لدمشق «تأريخا لنهاية مرحلة قديمة وبداية مرحلة جديدة قائمة على تنقية الوجدانين السوري واللبناني بعد محطات سيئة تاريخيًا، ولا سيما بعد أن أجرى كل من الجانبين النقد الذاتي اللازم فقد سقطت كثير من مخاوفنا وتحفظاتنا إثر ورقة التفاهم مع (حزب الله)، وكذلك بالنسبة للقيادة السورية التي أجرت مراجعة ذاتية».
ومع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في مايو 2014. كانت طموحات عون الرئاسية تصطدم بأرقام التوازنات في البرلمان القائم. وقد زادت الأمور صعوبة مع تمديد ولاية هذا البرلمان مرتين، وفشل عون وحلفائه في الحصول على الأكثرية من خلال الانتخابات. وهذا ما يفسر معارضة عون الشديدة لتمديد ولاية البرلمان، لكن مضي حليفه ما يسمى «حزب الله» في التمديد أسقط إمكانية تعطيله، فكان أن أعلن رفضه التمديد وطعن به دستوريا، معلنا أن البرلمان أصبح غير شرعي.

التعطيل.. برلمانيًا
كان التعطيل، سلاح عون والحزب في مواجهة الأكثرية البسيطة التي تمتلكها قوى «14 آذار» في البرلمان. فغياب نوابهما عن الجلسات أفقدها النصاب القانوني (ثلثا أعضاء البرلمان) ما أدى إلى فراغ دستوري جديد في البلاد استمر حتى اليوم تحت عنوان واحد: انتخاب الرئيس القوي في بيئته (المسيحية).
ولم يكتف عون بالتعطيل، بل فتح باب الحوار مع رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري الذي عقد معه اجتماعات كثيرة، احتفل معه في إحداها بعيد مولده (عون) مع قالب حلوى كبير، وسرى كلام عن تقارب بين الطرفين. ويبدو أن هذا التقارب هو ما أزعج قائد «القوات» سمير جعجع الذي سارع إلى إعلان ترشيح نفسه للرئاسة قاطعا الطريق أمام حليفه (الحريري) واحتمالات التقارب مع عون.
لم ييأس عون، فاستمر مع حليفه بتعطيل جلسات الرئاسة، وأدت محاولة الحريري التفاهم مع النائب سليمان فرنجية المتحالف مع ما يسمى «حزب الله» والنظام السوري، إلى إثارة حفيظة جعجع. ورشح الحريري فرنجية، بعدما فشل في التفاهم مع عون «المتشدد»، فكانت الأمور في صالح الأخير الذي فتح حوارا مع جعجع قاده النائب إبراهيم كنعان من جهة عون، ومستشار جعجع ملحم رياشي، وانتهى إلى إعلان ورقة نوايا مع «القوات»، ومن ثم إعلان تبني «القوات» ترشيح عون للرئاسة في احتفال كبير تخلله أيضا قطع قالب من الحلوى.

«الحلف المسيحي»
ونصت «ورقة النوايا» بين الحليفين الجديدين على ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي، وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول، ولا سيما العربية منها مما يحصن الوضع الداخلي اللبناني سياسيا وأمنيًا ويساعد على استقرار الأوضاع، وكذلك اعتبار إسرائيل دولة عدوة والتمسك بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ورفض التوطين واعتماد حل الدولتين ومبادرة بيروت 2002، والحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين وأن يبقى الحق في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولا تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية العليا».
ورأى الطرفان المسيحيان أن «إعلان النوايا هذا، يهدف إلى وضع المبادئ الديمقراطية ومعاييرها أساسا لتنظيم علاقتهما، ويؤكد إبقاء المبادئ الدستورية والميثاقية فوق سقف التنافس السياسي، كما يؤكد إرادتهما ورغبتهما في العمل المشترك والتواصل في جميع المجالات والمواقع الممكنة لتنفيذ التزاماتهما المنوه عنها أعلاه ويعتزمان العمل على تفعيل إنتاجية اتفاقاتهما حيث يتفقان، والتنافس من دون خصام حيث يختلفان، كما يتعهدان بالتواصل الدائم والتباحث المستمر للتفاهم على كل المواضيع ذات الشأن العام والوطني».
مع إعلان «القوات» تأييد ترشيح عون، بقيت أمام الأخير عقبة وحيدة هي رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي يترأس أكبر كتلة برلمانية تضم (33 نائبا). ورغم سنوات من الشتائم المتبادلة والانتقادات المتواصلة بين الطرفين، فإنهما تلاقيا عند ما يفتح الطريق أمام عون للرئاسة. فعون يحتاج إلى أصوات الحريري، والحريري يحتاج إلى حضور نواب عون الجلسة. وأدى استمرار التعطيل والفراغ الرئاسي إلى شبه انهيار في مؤسسات الدولة، فالحكومة تعمل بأقل من ربع طاقتها والبرلمان مشلول، والوضع الاقتصادي يتجه نحو الانهيار.
ورغم أن اتفاق عون - الحريري، لم يكن مكتوبًا، فإن تسريبات صحافية قالت إنه يتضمن مجموعة من النقاط، أبرزها تعيين قائد الجيش على أن يكون شخصية غير مستفزّة لما يسمى «حزب الله» ثم الاتفاق على عدم مقاربة موضوع سلاح ما يسمى «حزب الله» على اعتبار أنه بند سابق على طاولة الحوار ويحلّ ضمن بند الاستراتيجية الدفاعية. على أن يكون البيان الوزاري للحكومة الجديدة، خصوصًا في الشق المتعلق بالمقاومة، مشابها لما اعتمد في البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام.
وفي المحصلة، احتاج عون الذي يصفه خصومه بأنه «نزق وعصبي وعنيد» إلى كثير من الدبلوماسية لاسترضاء أقوى خصومه وصولا إلى الحلم الكبير.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.