إسرائيل وسياسة العصا والجزرة في تعاملها مع الفلسطينيين

تحاول سحب البساط من تحت أرجل السلطة.. وخطة ليبرمان تعيد إلى الأذهان «روابط القرى»

زيت الزيتون أحد المنتجات الزراعية المهمة جدًا للاقتصاد الفلسطيني التي تتأثر بالأوضاع السياسية والخناق الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. وتقوم خطة ليبرمان على خلق مسار تواصل مع الفلسطينيين يتجاوز به السلطة الفلسطينية ويتضمن مكافآت اقتصادية للمناطق التي تلتزم بالأمن (إ.ب.أ)
زيت الزيتون أحد المنتجات الزراعية المهمة جدًا للاقتصاد الفلسطيني التي تتأثر بالأوضاع السياسية والخناق الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. وتقوم خطة ليبرمان على خلق مسار تواصل مع الفلسطينيين يتجاوز به السلطة الفلسطينية ويتضمن مكافآت اقتصادية للمناطق التي تلتزم بالأمن (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل وسياسة العصا والجزرة في تعاملها مع الفلسطينيين

زيت الزيتون أحد المنتجات الزراعية المهمة جدًا للاقتصاد الفلسطيني التي تتأثر بالأوضاع السياسية والخناق الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. وتقوم خطة ليبرمان على خلق مسار تواصل مع الفلسطينيين يتجاوز به السلطة الفلسطينية ويتضمن مكافآت اقتصادية للمناطق التي تلتزم بالأمن (إ.ب.أ)
زيت الزيتون أحد المنتجات الزراعية المهمة جدًا للاقتصاد الفلسطيني التي تتأثر بالأوضاع السياسية والخناق الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي. وتقوم خطة ليبرمان على خلق مسار تواصل مع الفلسطينيين يتجاوز به السلطة الفلسطينية ويتضمن مكافآت اقتصادية للمناطق التي تلتزم بالأمن (إ.ب.أ)

بدأت الحكومة الإسرائيلية بمنح تسهيلات لفلسطينيين في الضفة الغربية مع استمرار حرمان ومعاقبة آخرين، ضمن خطة وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الشهيرة «العصا والجزرة»، التي عارضتها السلطة الفلسطينية، محذرة من التعامل معها. وصادق المجلس الأمني والسياسي المصغر «الكابنيت» قبل أسبوعين على سلسلة طويلة من الخطط الهيكلية وتصاريح البناء للفلسطينيين في الأماكن المصنفة «ج» في الضفة الغربية، التي تسيطر عليها إسرائيل وفق اتفاق أوسلو، وطالما منعت الفلسطينيين من البناء فيها. وقالت مصادر إسرائيلية إن القرار الذي يعد الأول من نوعه منذ عدة سنوات، أحيط بالكتمان التام، ولم ير النور تجنبًا لضغوط سياسية من قبل قيادة اليمين في إسرائيل. وجاءت «التسهيلات» في مناطق محددة في الضفة، في وقت واصلت فيه إسرائيل تضييق الخناق على مناطق أخرى، وشددت الخناق على قطاع غزة، في محاولة لتحويل خطة ليبرمان الجديدة إلى سياسة عملية.
وتقوم خطة ليبرمان على خلق مسار تواصل مع الفلسطينيين يتجاوز به السلطة الفلسطينية، ويتضمن مكافآت اقتصادية للمناطق التي تلتزم بالأمن وعقوبات على تلك التي يخرج منها منفذو عمليات.
وكان ليبرمان عرض خطته القائمة على تقسيم الضفة الغربية إلى «مناطق ساخنة»، أشير إليها باللون الأحمر، وهي المناطق التي انطلق منها أكبر عدد من منفذي العمليات العسكرية مقابل «مناطق باردة» أشير إليها باللون الأخضر، وهي هادئة، إذ تحظى «المناطق الباردة»، وفقًا لليبرمان، بتسهيلات تتمثل في توسيع مخططات البناء والتطوير، وإنشاء مناطق اقتصادية، وممرات تجارية بين المدن، وإقامة ملاعب رياضية وحدائق ومدن ملاهٍ، وزيادة عدد تصاريح العمل. وذلك مقابل زيادة نشاط الجيش الإسرائيلي في المناطق الساخنة وإلغاء تصاريح العمل لأبناء عائلات منفذي العمليات، وإلغاء تصاريح الشخصيات الهامة للمسؤولين الفلسطينيين الشركاء في «التحريض»، وهدم منازل فلسطينية غير قانونية.
ومن أجل تسويق خطته، راح ليبرمان يلتقي فلسطينيين بمعزل عن السلطة ويشجع إسرائيليين على لقاء فلسطينيين، متحديًا السلطة التي حذرت من أي لقاءات ضمن خطة ليبرمان التي تأخذ بعدًا اقتصاديًا. وكان أكثر الذين التقوا بإسرائيليين هم رجال أعمال يتطلعون إلى تعاون أكبر. وقال أحدهم لـ«الشرق الأوسط»، طالبًا عدم ذكر اسمه، إنه بغض النظر عن الطريقة التي يفكر بها ليبرمان، فإن كل شيء مرتبط بإسرائيل. وأضاف: «كل شيء مرهون بالإسرائيليين، الاستيراد والتصدير وحركة البضائع والأفراد». وتابع: «لا يمكن أن ينجح أي مشروع اقتصادي كبير دون التنسيق مع الإسرائيليين، وإلا لماذا تضطر السلطة نفسها للتنسيق مع الإسرائيليين حول كل كبيرة وصغيرة». وعلى مدى أسابيع، التقى فلسطينيون معنيون بتحسين الوضع الاقتصادي مع رجال ليبرمان. وجاهر ليبرمان نفسه بأنه شخصيًا التقى وسيلتقي فلسطينيين دون موافقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وزعم وزير الأمن الإسرائيلي بأن رجال الأعمال الفلسطينيين الذين التقى موظفوه معهم يقولون إنه يجب التخلص من عباس، لأنه يقف في وجه التطور الاقتصادي. وقال ليبرمان في إيجازات مغلقة مع صحافيين إسرائيليين، لتوضيح خطته الخاصة بالتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية: «حين كنا نسألهم ماذا يحتاج الاقتصاد الفلسطيني؟ كان جوابهم واحدًا وهو التخلص من أبو مازن». وأكد ليبرمان أنه لا يعتقد على الرغم من ذلك أن على إسرائيل أن تساهم في إنهاء حكم عباس، وبالمقابل ليست بحاجة إلى أن تلوم نفسها بشأن الظروف في الأراضي الفلسطينية. وتابع: «الأمور لا تتعلق بنا فقط.. كلما استمر نظام الفساد والعجز في السلطة، سيواصل الوضع الاقتصادي ركوده». وكانت وزارة الأمن الإسرائيلية، أعدت قائمة من 100 شخصية فلسطينية من أجل الحوار معهم. ولم يتوقف الأمر على لقاءات رفيعة، بل راح مسؤولون على مستوى محلي ومقاولون على مستوى أصغر يبنون جسورًا للتواصل مع إسرائيليين، بينهم مستوطنون.
والأسبوع الماضي شارك أكثر من 100 مسؤول ومحلي ومقاول مستوطنين من اليهود في مستوطنة إفرات جنوب مدينة بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة احتفالاتهم بعيد العرش اليهودي، إذ قاموا بزيارة العريشة الخاصة برئيس مجلس مستوطنة إفرات، عوديد رفيف بمناسبة عيد العرش. وقال أحد الذين شاركوا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نعمل معهم وذهبنا في زيارة عادية، لكن وسائل الإعلام ضخمت الأمر». وهذا يعني أن مثل هذه الزيارات متكررة.
وهذه الخطوة غير المألوفة التي أغضبت السلطة ورفضتها واعتقلت بعض من شارك فيها، أطلقت مخاوف من تعاون إسرائيلي فلسطيني أكبر ضمن خطة ليبرمان التي وصفت السلطة كل من سيتعامل معها بأنه سيعد «جاسوسًا».
وتعيد الخطة للذاكرة الفلسطينية محاولة تشكيل إسرائيل قيادة بديلة للشعب الفلسطيني في السبعينات، عرفت باسم روابط القرى، وفشلت آنذاك. وطالما حذر المسؤولون الفلسطينيون من إعادة إحياء هذه الروابط. وقال القيادي الفلسطيني واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير: «طالما بحثت إسرائيل عن عناوين أخرى غير شرعية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «إنهم منذ البداية يريدون روابط قرى وكانوا يعتقدون أنهم سيحولون السلطة إلى قوات لحد». وتابع: «بعد عشرات الأعوام من النضال المستمر لا يغري الشعب الفلسطيني أن تمنحه جزرًا ولا يخيفه التلويح بالعصا». وأردف: «مثلما فشلت روابط القرى سيفشل ليبرمان». لكن ليبرمان لا يبدو أنه يكترث بموقف السلطة الرسمي، بل ذهب بعيدًا إلى عرض خطته قبل أيام قليلة فقط على قطاع غزة.
وقال ليبرمان عن حماس في غزة: «إذا فرضوا على إسرائيل الحرب المقبلة، فستكون الحرب الأخيرة بالنسبة لهم. وأود التوضيح مرة أخرى، ستكون بالنسبة لهم المواجهة الأخيرة، حيث سندمرهم بالكامل، ولكن إذا أوقفوا أنفاقهم ونشاطهم بتلك الأنفاق وإطلاق صواريخهم ضدنا، نحن سنكون أوائل المستثمرين في مينائهم ومطارهم ومنطقتهم الصناعية». وتابع: «سيكون بالإمكان أن نرى في يوم من الأيام غزة سنغافورة أو هونغ كونغ الجديدة». ويرى مراقبون أن ليبرمان يخطط لأبعد من مجرد التعاون مع فلسطينيين متجاوزًا السلطة. ويتصرف مسؤول الإدارة المدنية الإسرائيلية، أو ما يعرف في إسرائيل بمنسق أعمال الحكومة، الميجور جنرال يؤاف مردخاي هذه الأيام، مثل حاكم فعلي للفلسطينيين.
وكان مردخاي سافر قبل أسابيع إلى مؤتمر الدول المانحة في نيويورك لمناقشة هذه الدول فيما تحتاجه السلطة الفلسطينية من دعم، وآليات ذلك، والمسائل التي يجب التركيز عليها من وجهة نظر إسرائيل لدعم اقتصاد الفلسطينيين. ومردخاي نفسه هو الذي فتح قبل أشهر قليلة، صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مباشرة مع الشعب الفلسطيني، ملقيًا عليهم محاضرات أمنية، وباثًا بيانات مختلفة، ومناديًا إياهم بزيارة مباشرة لمكاتب الإدارة المدنية من أجل الحصول على تصاريح جديدة، وإلغاء المنع الأمني، والتنقل بين الضفة وغزة وإلى إسرائيل، في تجاوز واضح ومباشر لدور السلطة الفلسطينية.
وليس سرًا أن مثل هذه النداءات لقيت آذانًا صاغية، إذ «يحج» مئات من الفلسطينيين إلى مكاتب المخابرات الإسرائيلية من أجل تسوية أوضاعهم، دون أدنى اهتمام بما يعنيه ذلك أو كيف تمكن قراءته وفي أي سياق. ولا تحرك السلطة ساكنًا لمواجهة هذا الأمر، غير تحذيرات متكررة بأن الوضع الحالي لا يمكن له أن يستمر مراهنة على الوعي الوطني. لكن على الأرض يستمر الوضع كما هو دون أن يستطيع أحد أن يجيب على سؤال: إلى أين؟



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».