فنزويلا: اختبار قوة في مواجهة تعبئة كثيفة بالشوارع ومادورو يتمسك بالرئاسة

فنزويلا: اختبار قوة في مواجهة تعبئة كثيفة بالشوارع ومادورو يتمسك بالرئاسة
TT

فنزويلا: اختبار قوة في مواجهة تعبئة كثيفة بالشوارع ومادورو يتمسك بالرئاسة

فنزويلا: اختبار قوة في مواجهة تعبئة كثيفة بالشوارع ومادورو يتمسك بالرئاسة

يدور اختبار قوة جديد اليوم (الأربعاء) في فنزويلا بين معارضة وسط اليمين والحكومة الاشتراكية، حيث تسعى الأولى إلى تعبئة كثيفة في الشارع، فيما يتمسك الرئيس نيكولاس مادورو بالسلطة محاولا استعادة زمام المبادرة.
تتفاقم الأزمة في هذا البلد النفطي الذي يعاني من تدهور اقتصادي حاد مع هبوط أسعار النفط، فيما يتبادل طرفا الأزمة الاتهامات بالقيام بـ«انقلاب». وقام مادورو الاثنين بمناورة أحدثت بلبلة في المشهد السياسي في هذا البلد، إذ توقف في طريق عودته من جولة في الشرق الأوسط، في روما لعقد لقاء لم يعلن عنه مسبقا مع البابا فرنسيس.
في غضون ذلك، التقى موفد من الفاتيكان في فنزويلا مسؤولين من المعارضة ومن الحكومة سعيا إلى إعادة فتح قناة الحوار بين الطرفين. وبعدما وافق البعض على عرض الحوار، سارع قادة في المعارضة إلى رفضه، ما كشف عن الانقسامات داخل «طاولة الوحدة الديمقراطية»، ائتلاف المعارضة الذي فاز في الانتخابات التشريعية في نهاية 2015.
صدر هذا الإعلان المفاجئ عن محادثات جارية، في ظل توتر شديد يسود هذا البلد بعدما علق المجلس الوطني الانتخابي آلية إجراء استفتاء من أجل إقالة الرئيس، كان يفترض أن تدخل مرحلتها الأخيرة هذا الأسبوع. وبعد قرار الهيئة الانتخابية، دعت المعارضة إلى مظاهرات ضخمة صباح الأربعاء للمطالبة برحيل الرئيس الذي انتخب عام 2013 لولاية تنتهي في 2019.
وكانت استراتيجية معارضي الشافيّة (نسبة إلى الرئيس الراحل هوغو شافيز 1999 - 2013) تقوم حتى الآن على تنظيم مظاهرات متتالية، وقد لقيت نجاحا متفاوتًا، غير أن المواطنين باتوا يخشون حصول تجاوزات وأعمال عنف، وقد أحبطت عزيمتهم.
وصعدت المعارضة ضغوطها الثلاثاء، فعقدت اجتماعا للبرلمان، الهيئة الوحيدة التي تسيطر عليها، للتصويت على مباشرة آلية لإقالة الرئيس الذي تتهمه بالقيام بـ«انقلاب».
وأقر النواب «فتح آلية ضد نيكولاس مادورو» تهدف إلى النظر في «مسؤوليته الجنائية والسياسية والتقصير في أداء واجبه»، وفق ما جاء في القرار. كما دعا البرلمان الرئيس إلى «الخضوع لتصويت الشعب» الثلاثاء المقبل.
لا يعرف بوضوح ما سيكون وقع مثل هذا التصويت من قبل برلمان لم يعد الرئيس يعترف به وأعلنته المحكمة العليا مخالفا للقانون لأنه يضم في صفوفه ثلاثة نواب مشتبه فيهم في قضايا تزوير، وقد جمدت كل مشاريع القوانين التي يصدرها منذ أن سيطرت المعارضة على الغالبية فيه في يناير (كانون الثاني)، واضعة حدا لهيمنة الشافيين عليه على مدى 17 عاما.
وان كان الدستور الفنزويلي لا ينص على آلية لإقالة الرئيس، إلا أنه يتضمن تدابير في حال الإخلال بالواجبات الرئاسية، بحسب ما أوضح خبراء في القانون.
وردا على مثل هذه الآلية التي ندد بها مادورو أيضا باعتبارها «انقلابا»، دعا الرئيس إلى عقد مجلس للدفاع الوطني الأربعاء الساعة 11.00 (15.00 ت غ)، حتى تتمكن «جميع السلطات العامة من تقييم الانقلاب البرلماني الذي تقوم به الجمعية الوطنية».
يضم المجلس الذي نص عليه الدستور الفنزويلي، إلى الرئيس، ممثلين عن السلطتين التشريعية والقضائية ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية. لكن بمعزل عن رئيس البرلمان هنري راموس آلوب الذي لم يعلن بعد أن كان ينوي المشاركة في الاجتماع، فإن أعضاء المجلس الآخرين يعتبرون مقربين من الحكومة.
وعمدت المعارضة مساء الخميس إلى تليين موقفها بشأن «الاجتماع الموسع» للحوار المقرر عقده الأحد في جزيرة مارغاريتا (شمال) وقد أعلن مادورو أنه سيشارك فيه. وبعدما رفض معارضو الشافية حضور الاجتماع، عادوا واشترطوا من أجل ذلك تغيير موقعه وعقده في العاصمة بدل جزيرة مارغاريتا.
وتحمل المعارضة رئيس الدولة، الوريث السياسي لهوغو شافيز، مسؤولية الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تسببت بانقطاع 80 في المائة من المواد الغذائية، وبتضخم سجل أعلى نسبة في العالم بلغت 475 في المائة هذه السنة، على أن تصل إلى 1660 في المائة في 2017 بحسب توقعات صندوق النقد الدولي. كما يعارض الشعب الفنزويلي الرئيس، وأبدى أكثر من 60 في المائة من المواطنين استعدادهم للتصويت من أجل إقالته.
من ناحية أخرى، صوت البرلمان الفنزويلي لصالح محاكمة الرئيس نيكولاس مادورو سياسيا، عقب جلسة برلمانية خاصة مساء الثلاثاء في العاصمة كاراكاس.
وأعلنت الجمعية الوطنية (البرلمان) أنه من المنتظر في إطار هذه الإجراءات النظر في مسؤولية الرئيس عن «خروقات للدستور، وانتهاكات لحقوق الإنسان- وتعديات على الديمقراطية، والأزمة الاقتصادية بالبلاد».
ومن المنتظر أن يقدم الرئيس رده على البرلمان الأسبوع المقبل.
وكانت المحكمة العليا في البلاد قضت في يناير، أن القرارات الصادرة عن البرلمان الفنزويلي باطلة، حتى يتم عزل 3 سياسيين متهمين بتزوير الانتخابات من البرلمان.
ومن جانبه، رفض مادورو نتيجة التصويت واتهم النواب بتنفيذ انقلاب برلماني.
وقال مادورو إنه «في فنزويلا، لم يحدث انقلاب برلماني من قبل، ولن نسمح بحدوثه، ويجب أن يفهم السياسيون اليمينيون ذلك في كل مكان»، ويلقي الرئيس باللائمة على الرئيس الأميركي باراك أوباما في محاولة عزله من منصبه.
وقال رئيس البرلمان في فنزويلا هنري راموس في نهاية الجلسة: «تشهد فنزويلاً انتهاكًا خطيرًا للمبادئ الديمقراطية».
ودعا أنصار المعارضة إلى تنظيم مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد اليوم الأربعاء.
وتلا وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز بيانًا باسم القوات المسلحة، تنفي فيه حدوث أي انقلاب عسكري مثلما أعلن البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة.
واتهم الوزير البرلمان بمحاولة «التحريض على العصيان أو الانشقاق»، وأضاف خلال البيان الذي بثه التلفزيون الرسمي: «لم يحدث استخدام للقوة يستلزم تطبيق المادة 333 من الدستور».
واعتبر بادرينو أن البرلمان، الذي أعلن تعليق العمل بالدستور بعد إلغاء عملية الاستفتاء الرئاسي، يسعى إلى «الإضرار بشكل جسيم بالمؤسسية لإسقاط الحكومة المنتخبة شرعيًا».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...