حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

اختفى حليفها الإخواني الكبير.. والبديل الإيراني يفرض شروطا معقدة

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية
TT

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

حماس في مهب المتغيرات المصرية وأخطائها الذاتية

* ما رفضه مبارك من اقتطاع لأراض في سيناء قبله مرسي سرا ووجدت فيه حماس حلا مثاليا يقود إلى دويلة مستقلة تعيش في ظل رعاية إخوانية
* لم تكن المقاومة عند حماس سوى بقاء في السلطة وتفاهم مع إسرائيل على عدم إطلاق الصواريخ. ومع وصول مرسي إلى الرئاسة باتت حماس ترى الأمور بعيون الطرف المنتصر بلا حدود
* في ظل «الإخوان» ضمنت مصر وقف حماس إطلاق الصواريخ مما اعتبر تغيرا جوهريا في سياستها تجاه غزة واقترابا من مسؤوليتها عن شؤون القطاع كبديل لإسرائيل
* سهلت الأنفاق السرية التواصل الدائم بين الجماعات التكفيرية والسلفية الجهادية وحماس في قطاع غزة والتعاون على مستوى التدريب وتهريب الأسلحة والذخائر

لم تكن العلاقة بين مصر وحركة حماس في قطاع غزة، قبل سقوط مبارك أو بعده، ودية إلا نادرا. والاستثناء كان عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي استغرق عاما، منذ تنصيبه رئيسا في 30 يونيو (حزيران) 2012 حتى عزله في 3 يوليو (تموز) 2013. عام يحلو لمراقبين وصفه بعام حماس الذهبي. فأنفاق التهريب تعمل بكفاءة نادرة في تهريب كل السلع المصرية المدعومة، والمسروقات من السيارات الحديثة التي يملكها مصريون، إلى قطاع غزة. ومن الأنفاق، يأتي إلى مصر جهاديون تكفيريون، وأسلحة مختلفة الأشكال والأنواع، وخبرات في تصنيع المتفجرات عن بعد، وسيارات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة، وغيرها مما يدخل في باب تهديد الأمن القومي لأي دولة.
بينما كانت حكومة حماس التي تسيطر على غزة تحصل الأموال تحت صفة جمارك على المهربات من مصر، وأموال أخرى مقابل التصريح بحفر نفق وعمله وخدمته، مما كان يدر عليها ما يقرب من 400 مليون دولار سنويا - كانت مصر تتلقى التهديدات وتواجه الإرهاب والترويع، بل والتدخل في شؤونها الداخلية.
بالقطع، لدى حماس تفسير ودافع لبقاء هذه الأنفاق بخيرها وشرها، وحتى زيادة أعدادها؛ فهي النافذة الكبرى المتاحة لمواجهة الحصار الإسرائيلي، المتمثل في غلق المعابر الستة التي تربط القطاع بإسرائيل، التي يفترض القانون الدولي أنها دولة احتلال مسؤولة عن توفير أسباب الحياة للقطاع المحتل.
وكما هو معروف، فإن الأمور، خاصة ما يتعلق منها بإسرائيل، لا تسير أبدا وفق القانون الدولي، بل وفق الأهواء الدولية، والمتغيرات والمعادلات على الأرض. ساعدت على ذلك، رغبة تل أبيب، ومن خلفها واشنطن، في التخلص النهائي من عبء الاحتلال، من خلال إلقاء عبء توفير الاحتياجات المعيشية على مصر، في مرحلة أولى. ثم في مرحلة ثانية طرح تصور يقضي باقتطاع جزء من الأراضي المصرية في شمال سيناء الملاصقة للحدود الجنوبية لقطاع غزة، ومبادلته بجزء أقل من أراض تخضع لإسرائيل في صحراء النقب يضم إلى الأراضي المصرية، على أن يتحول القطاع بعد إلحاق الأراضي المصرية به، إلى دويلة فلسطين، وينتهي بذلك الصراع التاريخي!
وهنا، تتعدد التقارير والدراسات التي تشير إلى أن الرئيس الأسبق، حسني مبارك، رفض هذا الطرح الاستعماري بشدة وأغلق أي حديث حوله. لكن هذا الطرح، قبل بشكل سري، من قبل الرئيس الإخواني وجماعته، وبدعم أميركي كبير. ولما كانت حماس جزءا من جماعة الإخوان الكبرى، فالمرجح أنها وجدت في هذا التصور حلا مثاليا، أو لنقل مناسبا، للتحول إلى دويلة مستقلة تعيش في رعاية مصر الإخوانية.
الأنفاق.. معضلة أمنية وهدية إخوانية
وفي الطريق إلى تحقيق هذا التصور الذي يقضي تماما على كل الأبعاد الوطنية والقومية والإسلامية للقضية الفلسطينية، لم تجد حماس أفضل من الابتعاد عن الارتباط بإسرائيل، وفي الوقت نفسه، وضع مصر أمام أمر واقع، يتمثل في توظيف الأنفاق، غير القانونية، في بناء شبكة مصالح مع قسم من أهل شمال سيناء، والالتفاف على حصار إسرائيل الاقتصادي للقطاع، ومن ثم تحميل مصر مسؤولية توفير أساسيات الحياة للفلسطينيين في غزة (ولو بطريق غير مباشر)، وجعل قرار هدم الأنفاق، حتى لو أرادت الحكومة المصرية ذلك كليا أو جزئيا، غير قابل للتنفيذ عمليا.
من جانبها، أنهت مصر في عهد الرئيس المعزول، تحفظاتها على استمرار تلك الأنفاق. وتغاضت عن كل التهديدات المحتملة التي قد تجلبها للأمن القومي المصري. وبينما كان العدد التقريبي للأنفاق في نهاية حكم الرئيس الأسبق مبارك، ما بين 500 إلى 400 نفق، وصل العدد التقريبي في زمن حكم «الإخوان»، إلى أكثر من 1200 نفق، بعضها كان مجهزا بالحوائط المسلحة وتسمح بمرور سيارات النقل متوسطة الحجم وسيارات نقل المنتجات النفطية المصرية المدعومة.
والمعروف أن القوات المسلحة المصرية بعد أن قامت جماعة تكفيرية إرهابية بقتل 16 جنديا مصريا خلال إفطار رمضاني صادف 3 أغسطس (آب) 2012، تبين لها أن الفاعلين يستغلون الأنفاق مع قطاع غزة، لجلب الأسلحة والهروب بعيدا عن الأجهزة الأمنية المصرية. وتبين أيضا، أن هناك تعاونا وثيقا بين الجماعات الإرهابية العاملة في سيناء وجماعات مشابهة لها، جرى تحت حماية حركة حماس في القطاع ورعايتها. وهو التعاون الذي أدى إلى قتل الجنود المصريين في هجوم خاطف، من دون مراعاة لأي قيم دينية أو وطنية أو قومية.
وكان قرار القوات المسلحة آنذاك، هدم الأنفاق أو بعضها، للتدليل على قدرة الدولة المصرية على السيطرة على حدودها. لكن الرئيس مرسي طلب من القوات المسلحة المصرية، آنذاك، أن توقف تلك العملية تماما، بما في ذلك عدم مواجهة الجماعات الإرهابية، ووقف البحث عن قتلة الجنود المصريين، بل فضل أن يجري التواصل مع هذه الجماعات من خلال مبعوث رئاسي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية التي كانت مسؤولة عن عنف عقد التسعينات، للتواصل مع قيادة هذه الجماعات المسلحة لتهدئة الوضع الأمني في سيناء، باعتبار أن الحكم القائم في مصر هو إسلامي يتوافق مع المرجعيات الحاكمة لتلك الجماعات. وهذا ما ساعد بالفعل، على بناء تفاهمات سياسية كبيرة بين جماعة الإخوان وهذه الجماعات، تطورت لاحقا، إلى نوع من التحالف في مواجهة الدولة المصرية ومؤسساتها، خاصة الأمنية. وكان من نتائج هذا التحالف البغيض، أن هدأت الأعمال الإرهابية لكي تتوافر لحكومة الرئيس مرسي فرصة استكمال الهيمنة على المؤسسات المصرية، وفي المقابل، تمتعت هذه الجماعات بحرية حركة كبيرة سواء في سيناء أو في التواصل والتعاون مع نظرائها من الجماعات الأخرى في قطاع غزة.
علاقة استراتيجية جديدة
وهكذا، تبلور أول ملامح علاقة استراتيجية جديدة بين مصر في ظل «الإخوان» وحركة حماس، ووراءها الجماعات الإسلامية المسلحة والتكفيرية والإرهابية العابرة للحدود، في الشهور الثلاثة الأولى من حكمهم. إذ تركت مصر الإخوانية لحركة حماس، الحبل على الغارب، فيما يتعلق بإنشاء المزيد من الأنفاق، وبأن تقوم أجنحة حماس المسلحة، خاصة كتائب عز الدين القسام، بنقل خبرات التدريب العسكري إلى الجماعات الإسلامية المصرية وغير المصرية التي تجمعت في سيناء. وفي السياق ذاته، اختفت تماما أي جهود مصرية لتحقيق مصالحة فلسطينية بين حكومة حماس في غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله. كما اختفى أيضا الاهتمام المصري بملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. وتقلصت إلى حد كبير الاتصالات المصرية الرسمية مع السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.
في ظل هذه التطورات، أعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحت من قبل، حول طبيعة حركة حماس كحركة مقاومة، بينما هي تمارس سلطة حكومية على قسم من الشعب الفلسطيني يعيش على جزء مهم من أرض فلسطينية، خاصة منذ الاقتتال مع حركة فتح وإنهاء وجودها في القطاع صيف 2007، مما جعل القطاع خاضعا تماما لسطوة حماس وحكومتها التي لم يعترف بها أبدا.
هذه الأسئلة، كانت قد طرحت بقوة بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وفق إجراءات وآليات اتفاق أوسلو 1993 الخاص بالحكم الانتقالي والمرفوض تماما من الحركة، وقوامها هل يمكن الجمع بن السلطة الحكومية وما تعنيه من التزامات تجاه الشعب للبقاء والتطور، ومقاومة مسلحة تعمل سرا في غالب الأحوال، وذات هدف أصيل يتمثل في مواجهة الاحتلال وتحرير الأرض، ومن ثم بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمترابطة جغرافيا؟!
تناقضات السلطة والمقاومة
ورغم التناقض الجوهري بين التزامات الحكومة والسلطة التي تتطلب الانفتاح على العالم وتأمين الاحتياجات المعيشية للمواطنين وتطوير حياتهم، والتزامات المقاومة التي تتطلب الانخراط في أعمال عسكرية وشبه عسكرية، وبناء ظهير مجتمعي يحمي تلك الأعمال، ويتحمل التضحيات، ويمدها بالقدرات المادية والبشرية، فقد رأت حماس في نفسها القدرة على الجمع بين هذين الالتزامين، على الأقل من خلال التمسك بقدراتها العسكرية التي يمكن أن تستخدم بين الحين والآخر، في توجيه ضربات صاروخية ضد إسرائيل، التي عادة ما ترد بعمليات عسكرية كبيرة تخلف دمارا وشهداء كثيرين. وكذلك الانخراط في أعمال الدعاية ضد السلطة الوطنية ورئيسها ورفض منهج المفاوضات، مع تحمل نتائج ذلك دوليا. والنظر في الوقت ذاته، إلى فصل القطاع تماما عن الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، والسيطرة عليه بقوة، على أنه خطوة نحو تحرير فلسطين، مع تجاهل التداعيات الخطيرة لهذا النهج على القضية الفلسطينية كقضية قومية تجمع بين تحرير الأرض والشعب. وقد أتاح ذلك لإسرائيل، فرصة ذهبية للتنصل من كل التزاماتها؛ سواء ما يتعلق منها باتفاق أوسلو أو التفاهمات الأخرى التي تلته، واستمرت كل حكوماتها في محاصرة القطاع، وبناء المستوطنات في الضفة، وبناء جدار عازل التهم مساحات واسعة من الضفة وقسمها إلى كانتونات صغيرة غير مترابطة، والضرب بعرض الحائط كل الجهود الدولية للدخول في عملية تفاوض جادة تنهي الصراع، مستندة في ذلك إلى التشرذم الفلسطيني وعدم وجود قيادة تستطيع اتخاذ قرارات كبرى يؤيدها غالبية الفلسطينيين.
نتائج كارثية
لم تهتم حماس، سواء قيادتها السياسية التي كانت موجودة في دمشق أو حكومة الأمر الواقع في غزة، كثيرا بالنتائج الكارثية للتشرذم الفلسطيني. وتعاملت مع جهود مصر في سنوات حكم مبارك الأخيرة، لتحقيق مصالحة مع فتح، باعتبارها فرصا لإضاعة الوقت، والحصول، من ورائها، على اعتراف دولي بأنها سلطة حكومية متكاملة الأركان، وعلى بعض تسهيلات من مصر لمرور الأفراد والبضائع والتغاضي عن أنفاق التهريب.
ورغم وضوح أن نهج الجمع بين المتناقضات لا يؤدي إلى نتائج كبرى على الأرض، بل على العكس يحمل في طياته عناصر الفشل الجسيم، فقد ساعد حماس على الاستمرار في هذا النهج ارتباطها العضوي مع دول وقوى إقليمية شكلت ما اعتبرته جبهة الممانعة والمقاومة، أي ممانعة السياسات الأميركية ومقاومة القوة الإسرائيلية، وهي سوريا التي استقرت فيها قيادة حماس السياسية لفترة طويلة، وإيران التي قدمت الأموال والأسلحة بكثافة، وحزب الله الذي قدم الخبرات القتالية. وفي فترة المد التركي الأردوغاني، نالت حماس في غزة الكثير من التأييد الدعائي وبعض المعونات.
ظنت حماس ومؤيدوها الإقليميون أن مجرد استمرار هذه الصيغة هو عين النجاح، رغم أنها صيغة تضمنت فعليا وقفا كاملا وصارما للصواريخ الفلسطينية تجاه الأراضي الإسرائيلية، لا سيما بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة المعروف بـ«الرصاص المصبوب» نهاية يناير (كانون الثاني) 2009، بعد تدخلات مصرية كبيرة لدى إسرائيل، وضغوط مارستها السعودية على الولايات المتحدة.
ومن المتناقضات الكبرى أن حماس عدت الوقف المتبادل للأعمال العسكرية مع إسرائيل، وتعهدها بالسيطرة على كل الفصائل الفلسطينية المسلحة العاملة في القطاع، وقيام الولايات المتحدة كجزء من التفاهم الكلي بما يلزم لمنع وصول الأسلحة إلى القطاع خاصة من البحر - انتصارا كبيرا، بل ودليلا على حيوية النهج المقاوم الذي تتبعه! وتناست حماس ومؤيدوها أن عملية «الرصاص المصبوب» خلفت خسائر رهيبة، كتدمير أكثر من 1500 موقع ومئات الشهداء وآلاف المصابين وتشريد ما يقرب من 40 ألف أسرة فلسطينية.
الأكثر من ذلك، فإن التفاهمات الخاصة بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، لم تتضمن أي تغييرات في طريقة عمل المعابر التي تربط بين القطاع وإسرائيل، وكذلك معبر رفح الذي أصرت مصر الإخوانية على استمرار الترتيبات التي كان معمولا بها إبان وجود السلطة الفلسطينية قبل صيف 2007 في القطاع، كأساس لعمل المعبر لعبور الأفراد وعدم السماح لتحويله إلى معبر للسلع، كما أرادت حكومة حماس.
لقد جسدت هذه التفاهمات والخسائر المادية والبشرية فشلا جسيما لنهج حكومة وحركة حماس، ومع ذلك لم تحدث أي مراجعات، بل جرى التركيز على أن مجرد استمرار حماس كحكومة في غزة، هو دليل الانتصار الناصع.
الربيع العربي وتداعياته
حين جاء الربيع العربي وما حمله من تغييرات جذرية خاصة في مصر، بدا الأمر مبشرا وحاملا لخير كثير، فقد جرى التخلص من نظام مبارك، وافتقدت السلطة الفلسطينية الداعم الأكبر لها، وصعد نجم الإخوان المسلمين مصحوبا بحركة شعبية إسلامية ومدنية أرادت أن تغير كل شيء، باعتباره من تراث حكم الرئيس المعزول. بدا الأمر في أيامه الأولى كأنه يصب في مصلحة حماس جملة وتفصيلا، إلى أن مر الربيع العربي على سوريا، أخذ يتحول تدريجيا إلى دماء غزيرة للسوريين ومعارك حربية بين النظام والمعارضة التي باتت مسلحة، وإلى أفق سياسي مسدود. وجاء زمن رد الجميل ودفع الثمن. واتخذت حماس قرارها بالتخلي عن دعم دمشق ورئيسها بشار، وتجاهلت العلاقات الاستراتيجية والمالية والتسليحية مع إيران وحزب الله، وقررت الدخول بقوة في محور جديد بدا مبشرا، تقوده مصر ما بعد مبارك، وتدعم الأمر نهائيا مع وصول «الإخوان» إلى سدة الرئاسة المصرية. بعبارة أخرى، فضلت حماس تحالفات جماعة الإخوان الدولية التي نجحت في مصر وتقاتل في سوريا، وتنشط بقوة في عدد آخر من الدول العربية.
في ظل هذه التغيرات الإقليمية الجذرية، التي لم تتوقف بعد، لم تكن المقاومة في عرف حماس سوى البقاء في السلطة والحرص على التفاهم مع إسرائيل الخاص بمنع إطلاق الصواريخ. ومع وصول الرئيس الإخواني مرسي إلى رئاسة مصر، تدعمت ثقة حماس، وباتت ترى الأمور بعيون أخرى؛ عيون الطرف المنتصر بلا حدود.
المفارقة هنا، أن حماس، التي تعاملت مع هذه التغيرات باعتبارها انتصارا تاريخيا، واستندت إلى وحدة المرجعية الفكرية مع النظام المصري الإخواني الجديد، كانت تخسر كل يوم تعاطف الشعب المصري. ويكمن السبب الرئيس فيما عرف بدور حماس في الهجوم على عدد من السجون المصرية يومي 28 و29 يناير 2011، وما ترتب عليه من خروج قيادات جماعة الإخوان التي كانت في تلك السجون آنذاك، وآلاف عدة من السجناء الخطرين، ومقتل عدد من ضباط الشرطة والجنود. وهو الدور الذي ثبت في تحقيقات واحدة من المحاكمات الجنائية الشهيرة، التي استمرت قرابة العام، وهي محكمة جنايات مستأنف الإسماعيلية، التي طلبت الهيئة الخاصة بها قبل ما يقرب من شهرين من نهاية حكم الرئيس المعزول مرسي، من النائب العام تحريك دعوى جنائية، بحق من ثبت أنهم اتصلوا ونسقوا من جماعة الإخوان المسلمين مع حركة حماس، لاقتحام عدد من السجون المصرية لتهريب عناصر مصرية وعربية منها. وهو القرار الذي فهم كثيرون أنه يتيح محاكمة الرئيس مرسي نفسه بتهمة الخيانة، فضلا عن الهروب من السجن. وبالفعل، هناك محاكمة لعدد من قيادات الجماعة متهمة بالاتصال بالخارج والإضرار بأمن الوطن.
وبينما ينظر المصريون إلى حركة حماس باعتبارها شريكا في جريمة جنائية، وأنها وراء بعض عمليات القتل التي حدثت بعد ثورة 25 يناير، ظلت حماس تنفي دعائيا دون تقديم الدليل، وهو نفي لم يغير شيئا من القناعات الشعبية التي أخذت في الانتشار، وشكلت أحد أسباب خروج ملايين المصريين في 30 يونيو مطالبين بعزل مرسي وإنهاء حكم «الإخوان».
العدوان الإسرائيلي وتفاهم نوفمبر 2012
أدت ثقة حماس بتحالفاتها الاستراتيجية الجديدة، إلى التخفف من تفاهمات فبراير (شباط) 2009، خاصة منع إطلاق الصواريخ على إسرائيل. ومن هنا، تكررت حوادث إطلاق الصواريخ من القطاع، رغم أنها لم تكن تحقق أي نتائج ذات معنى. في الوقت نفسه، سعت إسرائيل إلى اختبار رد الفعل المصري في ظل الرئيس الجديد، واستعادة الردع تجاه حماس، إضافة إلى أجواء الانتخابات الإسرائيلية ورغبة نتنياهو في تحقيق انتصار عسكري يساعده في العودة إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى، مما شكل بيئة داعمة لشن عدوان جديد على غزة، الأمر الذي حدث بالفعل في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وهذا ما عد اختبارا لجماعة الإخوان ورئيسها مرسي وتحالفها مع حماس.
حرص الرئيس مرسي آنذاك على التعامل مع العدوان الإسرائيلي باعتباره مسؤولا عن القطاع، وقام بسحب السفير المصري، واتصل مرارا بالرئيس أوباما، وبعد ما يقرب من أسبوع من العدوان الإسرائيلي تبلورت ملامح تفاهم انتهى إلى النتائج السابقة ذاتها، أي الوقف المتبادل لإطلاق النار والصواريخ، من دون أي تغيير في قضية المعابر، مع خسائر بشرية ومادية في القطاع.
لكن الأمر المهم هنا، هو أن مصر في ظل «الإخوان» أصبحت الضامن لحماس في وقف إطلاق الصواريخ، وهو ما عد تغيرا جوهريا في سياسة مصر تجاه القطاع، وحماس تحديدا، ويعني اقترابا أكثر لفكرة مسؤولية مصر عن شؤون القطاع كبديل لإسرائيل في التزاماتها القانونية والإنسانية كقوة احتلال. ومع اتضاح الحقائق لاحقا، تبين أن هذا الدور المصري الجديد لم يأت من فراغ، بل كان جزءا من التزامات إخوانية تجاه الولايات المتحدة بالتوصل إلى حل تاريخي يتضمن تغييرا في حدود مصر وخريطة قطاع غزة، وبناء دويلة تحت اسم فلسطين، مع تخفيف القيود عن حكومة حماس. وفي الآن نفسه، فتح الرئيس مرسي المجال بلا حدود أمام حماس لإنشاء المزيد من الأنفاق السرية، رغم تحفظات وتحذيرات واعتراضات الأجهزة الأمنية المسؤولة عن هذا النهج.
المصريون لا يفرطون في الأرض
من المهم هنا، تأكيد أن المصريين لديهم حساسية فائقة تجاه أي أفكار تمس الحدود المصرية من أي جهة كانت. لذا تنامى في مصر شعور بالدهشة الشديدة والغضب الجارف تجاه ما قيل عن قبول الرئيس المعزول وجماعة الإخوان التنازل عن جزء من أرض سيناء، مقابل إرضاء الأميركيين والإسرائيليين عن حكم «الإخوان»، ومنحه صك البقاء والاستمرار. وظهر غضب مصري شديد من نتائج الانفلات الأمني الذي تعانيه سيناء منذ فترة طويلة، وازداد عمقا وكثافة في فترة حكم «الإخوان»؛ فرغم قصرها الزمني، كان الثمن كبيرا، وتمثل في تحول سيناء، لا سيما منطقتي الوسط والشمال، إلى مناطق يرتع فيها التكفيريون والإرهابيون والقاعديون والسلفيون المسلحون، وكلهم ضد الدولة المصرية ومؤسساتها لا سيما الأمنية والدفاعية، وهذا ما تشهد عليه عمليات الاعتداء المتواصلة على الجنود المصريين وآلياتهم العسكرية ومعسكراتهم، إضافة إلى عصابات تهريب السلع والمخدرات والأسلحة والأفراد، سواء مع نظرائهم في القطاع أو مع المافيات الإسرائيلية.
وللتاريخ والحق، فإن جزءا كبيرا من حالة الانفلات الأمني في شمال سيناء، تعود إلى قلة أعداد القوات المصرية فيما يعرف بالمنطقة (ج) القريبة من الحدود مع إسرائيل، حيث تحظر معاهدة السلام لعام 1979 على القوات المصرية الوجود فيها إلا في شكل حرس حدود بأعداد محدودة وتسليح شخصي، إضافة إلى قوات شرطة. الأمر الذي ساعد على غياب قبضة الدولة عن مناطق كبيرة في وسط سيناء وشمالها، ومن ثم تحولت هذه المناطق، إلى جنة ذهبية لكل مهرب وخارج على القانون، ولكل تكفيري وإسلامي مسلح عنيف. وكما هو معروف، فإن ثورة 25 يناير 2011 أدت إلى انكسار جهاز الشرطة المصري، مما جعل الفراغ الأمني مسألة شائعة في أماكن كثيرة. وكانت سيناء أبرز تلك الأماكن وأكثرها معاناة من هذا الفراغ الذي استمر حتى نهاية حكم الرئيس المعزول محمد مرسي.
من جانب آخر، أسهم الحكم الإخواني في زيادة الطين بلة، نتيجة سعي جماعة الإخوان إلى بناء تحالفات قوية مع الجماعات الإسلامية بكل توجهاتها، وذلك على حساب مؤسسات الدولة المصرية ذاتها. وكانت قرارات العفو التي اتخذها الرئيس مرسي لكل عناصر الجماعات الإسلامية، بمن فيهم المتورطون المباشرون في عمليات إرهابية وقتل واستحلال دماء وأموال للمسلمين والأقباط في عقد التسعينات من القرن الماضي، الباب الواسع لخروج مئات من الإسلاميين ذوي الآيديولوجيات العنيفة، الذين وجدوا في شمال سيناء المأوى المثالي للبقاء وإعادة التنظيم والتجمع والاتصال بنظرائهم داخل غزة وخارجها، وهنا لعبت الأنفاق السرية مع القطاع الدور الأكبر في تسهيل التواصل الدائم وبناء تحالفات بين هؤلاء والجماعات ذات التوجه التكفيري والسلفي الجهادي في قطاع غزة، ونسج علاقات تكاملية في التدريب وتهريب الأسلحة والذخائر بين الجهاديين والتكفيريين المصريين و«كتائب القسام» التابعة لحماس.
وأسهمت وحدة الفكر والانتماء الآيديولوجي في تقوية هذه العلاقات ذات الطبيعة العسكرية، التي تصور الرئيس مرسي، في لحظة معينة، أن هذه التحالفات العضوية المسلحة، ستكون السند لحكمه في مواجهة مؤسسات الدولة المصرية، خاصة الأمنية. وهذا ما عبر عنه صراحة في آخر خطابين له، نهاية يونيو الماضي، حين قال بأن البديل لحكمه هو العنف والفوضى وسفك الدماء، وكذلك تصريح القيادي الإخواني محمد البلتاجي الشهير في منطقة «رابعة العدوية»، حين كانت خاضعة لسيطرة ميليشيات الجماعة، يوم إعلان عزل مرسي، بأن العنف في سيناء، الذي بدأ في اليوم ذاته بعد فترة سكون طالت طوال فترة حكم «الإخوان»، لن يتوقف إلا بعودة مرسي إلى كرسي الرئاسة.
تحولات حماس مرة أخرى
جاء عزل مرسي ونهاية حكم «الإخوان» لمصر، بمثابة كابوس ثقيل بالنسبة لحماس. فقد اختفى الحليف الكبير، وفشلت الخطط الخاصة بتغيير طبيعة القضية الفلسطينية، وأصبحت حماس وحيدة في مهب الريح. وبحكم قسوة الصدمة، تصورت حماس أنها عبر المواقف الدعائية الفجة ضد السلطة السياسية الجديدة في مصر، يمكنها أن تغير واقع الحال. لكن حماس، فشلت مرة أخرى في إدراك طبيعة التحول السياسي والشعبي في مصر، بما في ذلك عدم إدراكها معنى الإجراءات الأمنية والعسكرية التي تقررت فعلا، من أجل السيطرة الكاملة على الحدود مع غزة، وإغلاق الأنفاق تماما، وأبرزها دخول آليات عسكرية وأعداد كبيرة من الجنود وطائرات هليكوبتر، رغم القيود التي تضمنتها معاهدة السلام مع الجار الشمالي.
كان رد فعل حماس غريبا ويعبر عن غياب الرؤية. فقد هددت الجيش المصري، وبثت دعايات سوداء ضده، لم تبث إسرائيل مثلها، ولوحت بتحركات عسكرية نحو الحدود مع مصر، وأنكرت التضحيات المصرية التاريخية للقضية الفلسطينية، ورفضت المصالحة مع السلطة الوطنية. كما رفضت أي جهد يبذل من أجل استعادة المفاوضات. وأخيرا، قررت إعادة فتح قنوات الاتصال مع إيران وحزب الله، لعل ذلك يعيد الأموال والأسلحة الإيرانية إلى سابق عهدها.
لكن الرد الإيراني الأولي لم يحقق المطلوب. فقد طلبت طهران اعتذار حماس عن تقاعسها في دعم نظام بشار الأسد، كشرط لاستعادة العلاقة معها. كما طالبتها بإعلان وقوفها ضد ثورة الشعب السوري. الغريب أن تحرك حماس جاء في ظل دعاية تقول إنها ما زالت في معسكر المقاومة الذي لم يعد موجودا أصلا.



مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.