أفلام الأوسكار الأجنبية تحمل أكثر من هوية

من بينها ما يبحث عن حياة أبطالها الضائعين

«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»
«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»
TT

أفلام الأوسكار الأجنبية تحمل أكثر من هوية

«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»
«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»

الفيلم الذي يمثل أرمينيا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وعنوانه «زلزال»، تعرض لزلزال قبل يومين عندما رفضته اللجنة الأكاديمية المكلفة بمشاهدة الأفلام المقدّمة لهذا السباق على أساس غريب، إذ قالت في رسالتها للشركة المنتجة «مارس ميديا» إن هناك طاقمًا فنيًا أميركيًا - روسيًا فيه ما يجعل اشتراكه باسم أرمينيا غير ممكن.
الغريب في ذلك الرفض أن أفلامًا كثيرة يتم تقديمها منذ عقود بأسماء دول لم تشارك، فنيًا، بها كما الحال، على سبيل المثال، بفيلم رشيد بوشارب «أيام المجد» الذي تم تقديمه باسم الجزائر بينما طاقمه الفني وتمويله فرنسيان.
«زلزال» يسرد حكاية الكارثة التي وقعت في شمال أرمينيا في ديسمبر (كانون الأول)، سنة 1988 وراح ضحيّته قرابة 25 ألف شخص وترك نحو 300 قرية وبلدة مدمّرة. وهو من تمويل روسي - أرميني مشترك بلغت ميزانيته 3 ملايين دولار (مبلغ معتدل بالنسبة للأفلام الأرمينية - الروسية المستقلة) وأخرجه سارك أندرسيان الذي استقبل نبأ رفض اللجنة قبول الفيلم باستغراب شديد عبّر عنه على صفحته الإلكترونية.
الشركة المنتجة أهابت بدورها الأكاديمية أن تعيد النظر بعدما قدّمت وثائق تؤكد أن الإنتاج مشترك وأن الطاقم الأميركي محدود لا يشكل نسبة غالبة.
* خبرات فرنسية
عدا ما سبق، كل شيء هادئ على الجبهة. هذا العام 85 فيلما أجنبيا من 85 دولة من بينها عشر عربية، للمرّة الأولى في تاريخ الأوسكار، من السعودية ولبنان ومصر والمغرب وتونس والجزائر وفلسطين والأردن والعراق واليمن التي تتمثّـل في هذه الترشيحات للمرّة الأولى.
ورغم أن تمويل بعض الأفلام العربية آتٍ أساسًا من حصص محلية صرفة مع مساهمات من مؤسسات عربية أخرى، كما الحال مع فيلم «3000 ليلة» الذي يمثل الأردن لكن تمويله شمل، لجانب الأردن، مساهمتان إماراتية ولبنانية، إلا أن الحال السائدة في الكثير من حالات الأفلام غير العربية هي أن يتقدّم الفيلم باسم الدولة التي انبثق المشروع من عندها.
أبرز مثال على ذلك الفيلم المرشّـح في هذه المرحلة وهو «كروميوم» الذي يمثل ألبانيا (بمخرج ألباني هو بويار أليماني) وبشركتي إنتاج ألبانيّتين ولو أن هذا لا يمنع وجود مساهمات إنتاجية من كوسوفو واليونان وألمانيا.
إنها نقطة غامضة أو، على الأقل، ملتبسة، بالنسبة لمصدر الفيلم وصحّـة تمثيله في قوائم الأفلام المرشّـحة لهذه الجائزة خصوصا أن المزيد من الأفلام الأوروبية والآسيوية، على الأخص، باتت تحمل أسماء عدة دول تسهم في تمويل المشروع الواحد. وفي العام الماضي تم رفض فيلم صيني عنوانه «تعويذة ذئب» على أساس أنه «ليس فيلما صينيًا بما يكفي»، بعدما وجدته اللجنة الأكاديمية مطعمًا بالخبرات الفرنسية بدءًا بمخرجه جان - جاك أنو الذي هب واقفًا وأرسل ردًّا لتوضيح ما اعتبره مبدأ غير كاف لرفض الفيلم على هذا الأساس. النتيجة آنذاك تمخضت عن استبدال فيلم صيني (فعلي) ميلودرامي (كوميدي، عاطفي، بكائي) عنوانه «اذهب مستر سرطان» به، ولم يصل إلى الترشيحات النهائية.
* بين اليوم والأمس
هذا العام لا يبدو أن الأكاديمية علقت كثيرًا على حقيقة أن الفيلم الصيني المقدّم، وعنوانه «جوان زانغ»، هو، بدوره، ليس صينيًا كاملاً، بل إنتاج صيني - هندي. في الواقع، يؤرخ هذا الفيلم بأنه أول إنتاج صيني - هندي وهو ناطق باللغتين الصينية والسنسكريتية. لكن الصين الذي أرسلت هذا الفيلم لتمثيلها حرصت على أن تُظهر أن المخرج جيانكي هيو وفريق عمله صينيون على نحو شبه كامل وأن البطولة هي لغالبية صينية.
«جوان زانغ» فيلم رحلة بحث دينية لصيني. حكايته قديمة العهد وسبق للسينما الصينية أن قدّمتها بضع مرّات طوال سنواتها، لكن أفلام البحث في داخل النفس البشرية أو في خارجها هو جانب آخر ملازم هذا العام لجانب تعدد الجهات المنتجة للفيلم الواحد.
«كروميوم» نفسه يحمل هذا البحث على عاتق بطله الذي يود الانفصال عن أهله (أم خرساء وأخ أكبر منه) لكنه لا يجد السبيل إلى ذلك بسهولة.
في الفيلم الأرجنتيني «المواطن المتميّـز» لغاستون دوبرات يقوم بطل الفيلم بالبحث عما حصل للبلدة الصغيرة التي هاجر منها إلى إسبانيا قبل 40 سنة. يعود إليها ليجد أنه لا يستطيع أن يتعامل مع الحنين إلى الماضي كما اشتهى بل عليه أن يغادرها من جديد.
وهناك عودة أخرى لا تخلو من الشبه ترد في الفيلم القرقيزي «وصية أب» حول رجل يعود من الولايات المتحدة إلى بلدته القرقيزية بعد 15 سنة من العيش في الولايات المتحدة لتنفيذ وصية والده الذي مات مؤخرًا. العودة تمثل إعادة اكتشاف لموطنه ممتزجة بحنين يحاول إخفائه بحثًا عن الثقافة التي يريد الانتماء إليها. هذا الفيلم سبق له وأن خرج من مهرجان مونتريال السينمائي قبل شهرين بالجائزة الأولى.
والمعالجة كوميدية بالنسبة للاشتراك الإستوني المتمثل بفيلم «أم»، فهو عن بلدة صغيرة لا يمكن أن يحدث فيها أي شيء من دون علم كل من يعيش فيها، تفيق يومًا على اختفاء مبلغ كبير من المال كان مودعًا في المصرف المحلي. الجميع يبدأ البحث عن ذلك المال المختفي. الفيلم من إخراج قدري كوسار.
وإذا أغفلنا أن فيلم بول فرهوفن «هي»، الذي يمثل فرنسا هذا العام (موّلت معظمه بالاشتراك مع تمويل جانبي ألماني - بلجيكي) هو في الأساس بحث بطلته (إيزابيل أوبير) عن حياتها الممزقة بين حاضر لا يثيرها وماض لا تستطيع العودة إليه (لجانب البحث عن هوية الرجل الذي اغتصبها) أكثر مما هو تجسيد لأحداث تمر بها الشخصية الرئيسية، فإنه لا يمكن إغفال البحث الوارد في الفيلم الإسرائيلي «عاصفة رملية» لإيليت زكسر الذي يتحدّث عن توق أم وابنتها من البدو يتطلعان لمعرفة السبيل في التحرر من القيود الاجتماعية الصارمة التي تكبلهما تبعًا للتقاليد المتوارثة. لا يغيب أن الفيلم، الذي فاز بخمس جوائز من أكاديمية الفيلم الإسرائيلي، يعمد إلى نقد تقاليد عربية عوض الحديث، مثلاً، عن مشاكل اجتماعية إسرائيلية، لكن الواقع هو أن هناك ما يجب الحديث فيه ولم يتح لمخرج فلسطيني أن تناوله في تلك البيئة من قبل.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز