الفيلم الذي يمثل أرمينيا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وعنوانه «زلزال»، تعرض لزلزال قبل يومين عندما رفضته اللجنة الأكاديمية المكلفة بمشاهدة الأفلام المقدّمة لهذا السباق على أساس غريب، إذ قالت في رسالتها للشركة المنتجة «مارس ميديا» إن هناك طاقمًا فنيًا أميركيًا - روسيًا فيه ما يجعل اشتراكه باسم أرمينيا غير ممكن.
الغريب في ذلك الرفض أن أفلامًا كثيرة يتم تقديمها منذ عقود بأسماء دول لم تشارك، فنيًا، بها كما الحال، على سبيل المثال، بفيلم رشيد بوشارب «أيام المجد» الذي تم تقديمه باسم الجزائر بينما طاقمه الفني وتمويله فرنسيان.
«زلزال» يسرد حكاية الكارثة التي وقعت في شمال أرمينيا في ديسمبر (كانون الأول)، سنة 1988 وراح ضحيّته قرابة 25 ألف شخص وترك نحو 300 قرية وبلدة مدمّرة. وهو من تمويل روسي - أرميني مشترك بلغت ميزانيته 3 ملايين دولار (مبلغ معتدل بالنسبة للأفلام الأرمينية - الروسية المستقلة) وأخرجه سارك أندرسيان الذي استقبل نبأ رفض اللجنة قبول الفيلم باستغراب شديد عبّر عنه على صفحته الإلكترونية.
الشركة المنتجة أهابت بدورها الأكاديمية أن تعيد النظر بعدما قدّمت وثائق تؤكد أن الإنتاج مشترك وأن الطاقم الأميركي محدود لا يشكل نسبة غالبة.
* خبرات فرنسية
عدا ما سبق، كل شيء هادئ على الجبهة. هذا العام 85 فيلما أجنبيا من 85 دولة من بينها عشر عربية، للمرّة الأولى في تاريخ الأوسكار، من السعودية ولبنان ومصر والمغرب وتونس والجزائر وفلسطين والأردن والعراق واليمن التي تتمثّـل في هذه الترشيحات للمرّة الأولى.
ورغم أن تمويل بعض الأفلام العربية آتٍ أساسًا من حصص محلية صرفة مع مساهمات من مؤسسات عربية أخرى، كما الحال مع فيلم «3000 ليلة» الذي يمثل الأردن لكن تمويله شمل، لجانب الأردن، مساهمتان إماراتية ولبنانية، إلا أن الحال السائدة في الكثير من حالات الأفلام غير العربية هي أن يتقدّم الفيلم باسم الدولة التي انبثق المشروع من عندها.
أبرز مثال على ذلك الفيلم المرشّـح في هذه المرحلة وهو «كروميوم» الذي يمثل ألبانيا (بمخرج ألباني هو بويار أليماني) وبشركتي إنتاج ألبانيّتين ولو أن هذا لا يمنع وجود مساهمات إنتاجية من كوسوفو واليونان وألمانيا.
إنها نقطة غامضة أو، على الأقل، ملتبسة، بالنسبة لمصدر الفيلم وصحّـة تمثيله في قوائم الأفلام المرشّـحة لهذه الجائزة خصوصا أن المزيد من الأفلام الأوروبية والآسيوية، على الأخص، باتت تحمل أسماء عدة دول تسهم في تمويل المشروع الواحد. وفي العام الماضي تم رفض فيلم صيني عنوانه «تعويذة ذئب» على أساس أنه «ليس فيلما صينيًا بما يكفي»، بعدما وجدته اللجنة الأكاديمية مطعمًا بالخبرات الفرنسية بدءًا بمخرجه جان - جاك أنو الذي هب واقفًا وأرسل ردًّا لتوضيح ما اعتبره مبدأ غير كاف لرفض الفيلم على هذا الأساس. النتيجة آنذاك تمخضت عن استبدال فيلم صيني (فعلي) ميلودرامي (كوميدي، عاطفي، بكائي) عنوانه «اذهب مستر سرطان» به، ولم يصل إلى الترشيحات النهائية.
* بين اليوم والأمس
هذا العام لا يبدو أن الأكاديمية علقت كثيرًا على حقيقة أن الفيلم الصيني المقدّم، وعنوانه «جوان زانغ»، هو، بدوره، ليس صينيًا كاملاً، بل إنتاج صيني - هندي. في الواقع، يؤرخ هذا الفيلم بأنه أول إنتاج صيني - هندي وهو ناطق باللغتين الصينية والسنسكريتية. لكن الصين الذي أرسلت هذا الفيلم لتمثيلها حرصت على أن تُظهر أن المخرج جيانكي هيو وفريق عمله صينيون على نحو شبه كامل وأن البطولة هي لغالبية صينية.
«جوان زانغ» فيلم رحلة بحث دينية لصيني. حكايته قديمة العهد وسبق للسينما الصينية أن قدّمتها بضع مرّات طوال سنواتها، لكن أفلام البحث في داخل النفس البشرية أو في خارجها هو جانب آخر ملازم هذا العام لجانب تعدد الجهات المنتجة للفيلم الواحد.
«كروميوم» نفسه يحمل هذا البحث على عاتق بطله الذي يود الانفصال عن أهله (أم خرساء وأخ أكبر منه) لكنه لا يجد السبيل إلى ذلك بسهولة.
في الفيلم الأرجنتيني «المواطن المتميّـز» لغاستون دوبرات يقوم بطل الفيلم بالبحث عما حصل للبلدة الصغيرة التي هاجر منها إلى إسبانيا قبل 40 سنة. يعود إليها ليجد أنه لا يستطيع أن يتعامل مع الحنين إلى الماضي كما اشتهى بل عليه أن يغادرها من جديد.
وهناك عودة أخرى لا تخلو من الشبه ترد في الفيلم القرقيزي «وصية أب» حول رجل يعود من الولايات المتحدة إلى بلدته القرقيزية بعد 15 سنة من العيش في الولايات المتحدة لتنفيذ وصية والده الذي مات مؤخرًا. العودة تمثل إعادة اكتشاف لموطنه ممتزجة بحنين يحاول إخفائه بحثًا عن الثقافة التي يريد الانتماء إليها. هذا الفيلم سبق له وأن خرج من مهرجان مونتريال السينمائي قبل شهرين بالجائزة الأولى.
والمعالجة كوميدية بالنسبة للاشتراك الإستوني المتمثل بفيلم «أم»، فهو عن بلدة صغيرة لا يمكن أن يحدث فيها أي شيء من دون علم كل من يعيش فيها، تفيق يومًا على اختفاء مبلغ كبير من المال كان مودعًا في المصرف المحلي. الجميع يبدأ البحث عن ذلك المال المختفي. الفيلم من إخراج قدري كوسار.
وإذا أغفلنا أن فيلم بول فرهوفن «هي»، الذي يمثل فرنسا هذا العام (موّلت معظمه بالاشتراك مع تمويل جانبي ألماني - بلجيكي) هو في الأساس بحث بطلته (إيزابيل أوبير) عن حياتها الممزقة بين حاضر لا يثيرها وماض لا تستطيع العودة إليه (لجانب البحث عن هوية الرجل الذي اغتصبها) أكثر مما هو تجسيد لأحداث تمر بها الشخصية الرئيسية، فإنه لا يمكن إغفال البحث الوارد في الفيلم الإسرائيلي «عاصفة رملية» لإيليت زكسر الذي يتحدّث عن توق أم وابنتها من البدو يتطلعان لمعرفة السبيل في التحرر من القيود الاجتماعية الصارمة التي تكبلهما تبعًا للتقاليد المتوارثة. لا يغيب أن الفيلم، الذي فاز بخمس جوائز من أكاديمية الفيلم الإسرائيلي، يعمد إلى نقد تقاليد عربية عوض الحديث، مثلاً، عن مشاكل اجتماعية إسرائيلية، لكن الواقع هو أن هناك ما يجب الحديث فيه ولم يتح لمخرج فلسطيني أن تناوله في تلك البيئة من قبل.
أفلام الأوسكار الأجنبية تحمل أكثر من هوية
من بينها ما يبحث عن حياة أبطالها الضائعين
«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»
أفلام الأوسكار الأجنبية تحمل أكثر من هوية
«زلزال»: مشكلة أرمينية ــ روسية - لقطة من «جوان زانغ»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





