صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

معها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات

صبا محمود
صبا محمود
TT

صَبا محمود.. نحو أنثروبولوجيا الإسلام

صبا محمود
صبا محمود

صبا محمود (مواليد 1962)، أنثروبولوجيَّة أميركيَّة (باكستانيَّة الأصل)، باحثة نقديَّة مُعاصِرة، تنتمي إلى الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، وتهتم بقضايا كثيرة حول النظريَّة السياسيَّة والأنثروبولوجيا في منطقة الشرق الأوسط (عضو مركز الشرق الأوسط للدراسات) وجنوب آسيا (عضو معهد الدراسات حول جنوب آسيا). تركزت أعمالها حول مجتمعات ذات غالبيَّة مُسلمة، ولها مساهمات عِدة حول الأخلاق والسياسة، والعلاقة بين الدِّين والعلمانيَّة، ومكانة النِّساء ودورهِنَّ في تلك المجتمعات.
تشغل صبا حاليًا، منصب مُدرِّسة مُساعدة في جامعة كاليفورنيا – ولاية بيركلي، وقبلها عملت مهندسة معماريَّة لمدة أربع سنوات. غير أن شغفها بالبحث الأنثروبولوجي، وخصوصًا أنثروبولوجيا الإسلام، بدأ لما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد، على يد أستاذها طلال الأسد، الذي لعب دورًا هامًا في مسارها الجامعي والأكاديمي. في حوار لها مع ناثان شنايدر، تقول صبا حول ذلك: «كُنت مهندسةً معماريَّة لأربع سنوات، وعزمتُ على العودة إلى الدراسات العليا، من أجل التفكير في التحولات التي حدثت جراء الصعود الذي عرفه المشهد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإسلاميَّة. لم أكن أعرف حقًا كثيرًا عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت، ولذا التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسيَّة، الذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية، فأدركت أنَّ هذا التخصص لن يساعدني في استكشاف نوعيَّة الأسئلة التي كُنت مهتمةً بها. كُنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت، لألِج حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي». وكانت تعتقد، في حينه، أن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطها، و«لكن الأنثروبولوجيا مكنتني من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جديَّة»، ذلك أن الكتابات الأنثربولوجيَّة المبكرة عن مجتمعات المسلمين، كانت قد أغفَلت دور النِّساء، وتركَّزت حول «دراسة الآخر البِدائي من أجل تأكيد خصوصيَّة القيم الثقافيَّة والاجتماعيَّة الغربيَّة». وقد اتجه علماء الإناسة، فيما بعد، مع تيار ما بعد الحداثيين، للاشتغال بطريقة نقديَّة حول مسألة اختلاف الثقافات، والتاريخ، والتقاليد، وتجدد معه البحث فيما يعرف، حاليًا، بالتنوع الثقافي.
وقد مكَّنها تعاملها مع الفقراء والمحتاجين في الأحياء الهامشيَّة في أميركا وباكستان، من أجل مساعدتهم على تصميم المساكن وتمويلها وبنائِها، من إدراك قيمة الحياة الاجتماعيَّة التي يحاول فيها سكان هذه الأحياء «أن يفهموا عالمًا ألغى إلغاء كاملاً إمكانيَّة وجود حياة هانِئة. وعلى الرغم من هذا، ما زال الناس يحاولون إعادة بناء هذه الإمكانية، من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات».
نالت صبا محمود شهرةً واسعة بفضل أبحاثها القيِّمة حول مكانة النساء في المجتمعات ذات الغالبيَّة المسلمة، إذ أنجزت بحثها الميداني الأول (سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية)، ما بين 1995 و1977، حول المُرشدات الدينيات في القاهرة، بعد أن فشلت في إنجازه بفاس والدار البيضاء والجزائر، ونالت بموجبه شهادة الدكتوراه، ومنحتها الجمعيَّة الأميركيَّة للعلوم السياسيَّة، جائزة فيكتوريا شوك سنة 2005. فإلى جانب مقالاتِها النَّقديَّة ودراساتِها العلميَّة، نشرت مجموعة من العناوين الهامَّة، منها: «هل النَّقد علماني؟» (2009) بمعيَّة طلال أسد، وجوديثبتلر، وويندي براون. وهو مؤلف نقدي يُعيد النَّظر في الجدل الذي أثارته الرسوم الدنماركيَّة، الذي صُوّر بأنه صراع بين التَّجدِيف وحريَّة التَّعبِير، بين الرؤيَّة العَلمانيَّة والرؤيَّة الدِّينيَّة للعَالم. ومن عناوينها «سياسات الحريَّة الدِّينيَّة» (2015)، و«الاختلاف الدِّيني في عصر العَلمنة: تقرير حول الأقليَّات الدِّينيَّة» (2015)، الذي ناقشت فيه التَّعدُد والتَّنوع الذي ميَّز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبيَّة (سواء في البلدان المستقرة سياسيَّا واجتماعيَّا أو في البلدان التي تعيش اضطرابات جراء الحرب والصراعات الأهليَّة).
حظي كتابها «سياسة التَّقوى» بشهرة واسعة، بالنَّظر إلى تحليله للحركات الإسلاميَّة في مصر، التي غيَّرت الحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، والتي شجَّعت النِّساء على المُواظبة على الدروس الدينيَّة في المساجد التي تقدمها المرأة «الدَاعية» حول الدِّين، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، في مختلف مساجد القاهرة. وهي دروس هامَّة جدًا - في نظر صَبا - بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات عميقة، أعادت الاعتبار للنِّساء المُسلِمات في الحياة الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، بعد التهميش الذي طالها بسبب تأويلات مغرضة في حق النساء، حيث دافعت بقوة عن خروج النِّساء إلى المجال العمومي لمناقشة مواضيع كانت، إلى عهد قريب، حكرًا على الرجال، ويتعلق الأمر بشؤون العقيدة والإيمان. فبرامج الوعظ والإرشاد التي اجتاحت بعض البلدان المسلمة (مصر، باكستان، المغرب...)، ستلعب دورًا هامًا في مجال التأويليَّات، وستُغذي كثيرًا من الأفعال والسلوكيات الإنسانيَّة.
تناولت صبا في هذا الكتاب، موضوعات هامَّة من قبيل: الحريَّة، وخريطة الحركة التَّقويَّة، والحِجاج أو فن الإقناع، والأخلاق العمليَّة والتقاليد، ودور الشعائريَّة... وقد قادتها هذه الدراسة إلى سؤال العلمانيَّة، معتبرة أن قضايا الإجهاض، وترسيم البابوات والأئمة الشواذ، وارتداء الحجاب، وإعلان الدِّين أو الآيديولوجيا، والنزاعات حول الإجهاض، وزواج المثليين... لا تهم مجتمعات ذات غالبيَّة مسلمة وحدها، بقدر ما تهم أيضًا العالم العلمانِي الذي جرَّب العلمنَة لقرون. فبعد أن فرض المسلمون أنفسهم في الغرب، عاد النِّقاش إلى المجال العام حول دور الدِّين في الحياة المعاصرة، حيث تقول: «إن تداخل الدِّين مع الحُكم المعاصر، لا يطغى فقط على المجتمعات غير الغربيَّة، إنما أيضًا على تلك الدول التي تُعد نماذج مثاليَّة لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العلمانيَّة.
وهذا يتضح في التنظيم القضائي والتشريعي القائم لبعض جوانب الحياة الدينيَّة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا» (العلمانيَّة والاختلاف الجنسي والحريَّة الدِّينيَّة، ترجمة: نورة آل طالب). فاهتمامها بالحياة الاجتماعيَّة للقانون، خصوصًا أن كثيرًا من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحريَّة الدِّينيَّة في الشرق الأوسط، تُخاض، ليس في المحاكم وحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبيَّة التي تُطلق في المجالات الثقافيَّة والسياسيَّة. إذ يتشكل شعور الناس عما تعنيه الحريَّة الدِّينيَّة، من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنيَّة وحقوق الأقليَّات. لذلك، تركز بحثها، في مصر، حول العمل مع ممارسي النشاط الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدوليَّة لحقوق الإنسان في استراتيجيَّاتِهم القانونيَّة وحملاتِهم الشَّعبيَّة.
يتعلق الأمر إذن، بالاهتمام بمكانة الرأي العام وحيزه في النِّقاش العمومي. وهذا ما دفع الباحث جوليان بوجي، في قراءته لهذا الكتاب، إلى القول: «تجسد صَبا محمود، فكرة غاستون باشلار حول الرأي: الرأي تفكير سيئ، إنه لا يفكر بتاتًا، يترجم المعارف إلى حاجات». لأن الأطروحة اللِّيبراليَّة تعتقد أن «طرح الخطاب عن الحريَّة الدينيَّة، خصوصًا في صيغتها الفردانيَّة، سيؤدي إلى اختراق دائرة الدِّين والأسرة والاختلاف الجنسي، إذ إن القوة الحاسمة لذلك الخطاب، من شأنها أن تخلخل الدعامة الصلبة لتلك الدائرة. ولكن وكما أظهر تحليلي، فإن الخطاب الدائر حول حق الحريَّة الدِّينيَّة، عمَّق من تلك الدائرة، على عكس ما يُظن، مستثمرًا بصورة أكبر الهويات الأقليَّة والأغلبية في هذه المباحثة. وحقيقة، إن هذا الطرح، تحقق جزئيًّا عبر قوى عابرة للحدود القوميَّة، ممثلةً في السُّلطة والقانون، تُذكرنا بأن مسائل كهذه لا تُحسم ثقافيًّا فقط، بل جيوسياسيًا».
وهنا نتلمس مكمن الخلل في النَّظرة المعيَّاريَّة للدِّين. فـ«من الآثار المترتبة المُتناقضة لعلمَنة المجتمعات الإسلاميَّة، هو أنه مثلما أصبح للسُّلطة الدِّينيَّة دور هامشي في إدارة الشؤون المدنيَّة والسياسيَّة، فإنها تكتسب، في الوقت ذاته، مكانة مُميَّزة في تنظيم العلاقات الأسرية والجنسيَّة. بعبارة أخرى، نتج عن الخصخصة المتزامنة للدِّين والجنسانيَّة في العالم الإسلامي، اندماج الاثنين (الدِّين والجِنسانيَّة) اندماجًا حتميًّا، إذ إن مسائل الهويَّة الدِّينيَّة للغالبيَّة المُسلِمة والأقليَّات غير الُمسلِمة على حدٍّ سواء، غالبًا ما يستتبعها نزاعات حول الجندريَّة والزواج والأسرة. وعلى الرغم من أن بعض جوانب القصة حول خصخصة الدِّين والأسرة، يتشارك فيها الجزء الغربي وغير الغربي، فإن ما هو مميز بشأن المجتمعات ما بعد الكولونيَّاليَّة، هو أنه في أغلب الحالات، لا يزال قانون الأسرة يُدار بما يتوافق مع الإرشادات الدِّينيَّة فقط، من دون الرجوع إلى القانون المدني». فهل تستطيع قوانين الأسرة أن تحل كثيرًا من المشكلات المرتبطة بالحياة الفرديَّة الخاصة للمُسلِمات؟ وهل بإمكان النَّظرة المعياريَّة أن تذهب بعيدًا في ضمان الاستقرار والتعايش، في ظل تزايد مشكلات الاندماج الاجتماعي والتعدُّد الثقافي والإثني، جراء مشكلات الهجرة التي تسببت فيها عشرات الحروب؟ هناك بعض المميزات الخاصة ببعض الدول، كما هو حال قانون الأسرة في لبنان، الذي يعرض الخلافات الزوجيَّة على المحاكم الأهليَّة (نحو 18 قانونًا أهليًا).
استطاعت صبا محمود أن تلفت النَّظر إلى أهمية الالتزام الأنثروبولوجي من خلال حثِّها على «التفكير بطريقة نقديَّة حول اختلاف فريد من نوعه في العلوم الإنسانيَّة، يستحق الاهتمام والاستكشاف». فمعها تولَّد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات وأوضاع ستعمق نقاشات سياسيَّة وآيديولوجيَّة ضرورية للرُّقي بأوضاعنا. فالجدل الدائِر حول الحجاب، والحدود بين الحريَّة الفرديَّة والحريَّة الجماعيَّة، نابع أساسًا من تطلع أجيال اليوم، إلى الحريَّة التي لا تقبل المساومة أو المهادنة، باعتبارها أساس الوجود الإنساني. حرية لا يمكن أن يحُدَّ منها خطاب العُنف، وممارسته الفعليَّة ضد المُختلف والمُعارض والمُنتقد. لأن اللّجوء إلى العنف المادي والرمزي معًا، هو دليلٌ على قرب نهاية وأفُول آيديولوجيا وفكر دوغمائي وإقصائي، لا يريد أن يساير التحولات الحالية في كل المجالات.



ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.


الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات
TT

الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من عنف موجع، ومن ثم تصبح قصائد الديوان أشبه بصرخات مدوية، ناتجة عن الانعتاق المصحوب بالألم، أو بالصراخ المصاحب للولادة الجديدة. هذا العنف يطل برأسه ويعلن عن حضوره منذ العنوان الرئيس، الذي يبدأ بمفردة «أبتر»، بما تحمله من دلالات تتعلق بالدماء، وحينما تأتي المفردة في صيغة الفعل المضارع، فإن البتر هنا يصبح عملية متصلة، وديمومة لا تنتهي، فضلاً عن أن هذا البتر تمارسه الذات الشاعرة على نفسها، بوصفها فرعاً متصلاً ومنبثقاً من شجرة العائلة أو القبيلة، ومن ثم فإن هذا البتر، على ما فيه من عنف وألم، محاولة للتحرر من التبعية، وفكاً للارتباط بأي ماضٍ قبلي، محاولةً أن تكون الذات هي مرجع نفسها، وتاريخاً أول، ونبتاً أصلياً جديداً، لا يأخذ جدارته من كونه صورة أو امتداداً لأصل سابق.

الديوان صادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، ويتكون من 23 قصيدة، تنتمي لقصيدة النثر، وكلها مفعمة بروح المواجهة، وقطع الحبل السري الذي يربط الذات الشاعرة بالزمان والمكان، فالتاريخ عبء مؤرق يثقلها، وتريد أن تبدأ من درجة الصفر، أن تخط تاريخاً يبدأ من ذاتها، وترغب في التحرر من الأماكن والبيوت، التي تتحول إلى سجون تكبلها، بل إنها توجه نصائح في صيغة الأمر لقارئها الضمني «لا تملك بيتاً/ شتت نفسك بين ألف بيت/ لتسيل ذاكرتك بين البلاد/ ولا تملك وطناً/ ودّعه قبل أن يصير له رائحتك».

هذه الرغبة الحادة والعنيفة في القطيعة والتحرر، تتجاوز مجرد التمرد، إلى رغبة عميقة في تحرر الكتابة، وتحرير الجسد الذي تكبله سطوة القبيلة وهيمنتها. تأتي هذه الدلالات في سياقات جدلية، تقدم أسبابا وتفندها، وتعقد مقارنات بين العالم المأمول والعالم الواقعي، فالبيوت المشتهاة الجديرة بالانتماء إليها لم تعد موجودة، وفقدت أي دفء محتمل، فلم يبق منها سوى الجدران الخانقة، وأصبحت مصائد للحزن، حتى الدجاجات باتت مصدراً للقسوة. تقول في قصيدة «البيوت التي كانت أولى بالسكن»:

«حلمت كثيراً بالبيوت القديمة

التي لم تتسع لي؛

هجرتني أسرتها النحاسية،

وغاب عني دفء السمر على عتباتها،

لياليها الصيفية مصيدة للحزن،

دجاجاتها شرسة»

القطيعة مع العائلة وتاريخها وأمكنتها، أو بالأحرى مع هذه السجون الثلاثة، ليس فقط من أجل تحرر الذات الشاعرة، ولكن من أجل تحرير فروعها الجديدة، المنبثقة عنها بوصفها جذراً أولاً، وهن بناتها الثلاثة التي تهديهن الديوان قائلة «إلى ميرال ولمى وحلا: نظفت قلبي قدر المستطاع لتلعبن بأمان»، حيث تتصل مفردة «نظفت» هنا بالانخلاع من الماضي الثقيل، وكنس أوساخه، بحثاً عن الأمان لمستقبل هذه الفروع. وبالتوازي مع هذا الإهداء، تصدّر الشاعرة ديوانها بمقطع لافت للشاعرة، تايلاندية الأصل، لانج لييف، تقول فيه: «ما معنى أن تكون شاعراً؟/ أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة/ الكل يرى ما بداخلك/ لكن لا أحد يدرك من أنت». فضلاً عن وحدة الجندر وتقارب المرحلة العمرية بين الشاعرتين، ففي هذا التصدير أربعة مرتكزات دلالية تصل هذا المقطع ببنية الديوان، أولها سؤال الشعر ومعناه، وثانيها الشعر بوصفه اعترافاً وكشفاً عما تمور به الذات من هواجس. وثالثها رؤية الآخرين وتلصصهم على هذه الدفقات الاعترافية الأقرب للفضح الذاتي. ورابعها الفرق بين الرؤية التي يمارسها «الكل»، وعدم الإدراك العميق لجوهر الذات وألمها، فالجميع يرى، لكن لا أحد يدرك.

في مسارها الاعترافي، تستخدم الذات لغة حادة وكاشفة، لا مواربة فيها، حتى في اعترافها بانسحاقها القديم، وبتحولها هي نفسها إلى آلة قمع ذاتي لأحلامها وأفكارها وحتى جسدها، خنوعاً لتقاليد القبيلة، لتحوز ذلك الرضا المقدس، وتصنع موازاة بين ذاتها وبين النهر، الذي تخلَّى عن تدفقه وعنفوانه، وكان يسير بـ«صوت مكتوم، يشبه صوت قلبي حين أذعنت لتعاليم القبيلة». وتستغرق في سرد تجربة الإذعان هذه، كاشفةً كيف تحوَّلت هي نفسها إلى القمع الذاتي، تقول في «بلا شجرة عائلة»:

«ولأنني بنت القبيلة البارة؛

آمنت بالأب والأم والمجد العائلي،

قمطت صدري بلثام الخوف،

ووضعت حجراً بين ساقيّ،

حملت على رأسي نفايات حروبهم،

روث كلمات قذفوها ساعة الغضب»

هكذا، يتحول الأب والأم والمجد العائلي، من شخوص ومعان ثقافية، إلى «ثالوث مقدس»، وكتلة سلطوية جاثمة على روح الذات الشاعرة، بل تحتل جسدها كاملاً، تلوثه، من رأسها الذي يحمل نفايات حروبهم، مروراً بالصدر المقموع خوفاً، وصولاً إلى الحجر الموضوع بين الساقين، إنه إحكام للسيطرة، وقمع لـ«العقل، والقلب، والرغبة الجسدية»، التي تصبح ثالوثاً مدنَّساً، مرفوضاً ومكبَّلاً، كي تحظى بالقبول، ويتم ترسيمها بوصفها «بنت القبيلة البارة».

في سعيها للانبتات والبتر، تعيد الشاعرة تعريف العالم ومفرداته، عبر صيغ السؤال التي تنتشر كثيراً في الديوان، حتى إنها تخصص قصيدة بعنوان «أسئلة»، تنبني كلها على تقديم معرفة جديدة بكل شيء، عبر بنية السؤال والجواب، من أبسط الأشياء والمعاني إلى أكثرها وجودية وفلسفية: «ماذا عن الشعر؟ يد الله الحانية. ماذا عن الأمومة؟ مرآة تصفعك كل ليلة. ماذا عن الجسد؟ شاهد الحكاية الذي لا ينسى. ماذا عن الموت؟ فارس الملحمة الموصوم دائماً بسوء السمعة»، إنها رغبة في القطيعة مع أرشيف اللغة، والتمرد على العلاقات القديمة بين الدوال ومدلولاتها، محاولة صنع قاموس جديد، لشجرة مستقلة، مختلف عن لغة القبيلة والعالم.

ثمة مفارقة لافتة، فالذات الشاعرة الراغبة في الانفلات من كونها محض فرع لشجرة العائلة، نراها في القصيدة الأخيرة من الديوان تكرس نفسها مركزاً تدور حوله بناتها، ولا تجعلهن مجرد فروع، بل قبوراً تدفن فيهن أحلامها وأوجاعها، إنها نفس بنية الاستخدام والتسلط تعيد إنتاج نفسها، بل بشكل أشد قسوة، فتقول -ربما بنبرة عميقة من السخرية- في «يكبرن حولي»:

«أنجبت بنتاً وقلت لها:

صيري قبراً،

سأردم فيكِ؛

أحلامي التي اخترقها الحسد،

قلباً مضغ القسوة بكل النكهات».


إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ
TT

إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»، لا سيما تجربته مع مدينة الإسكندرية وعالمه هناك بين الأصدقاء والمقاهي والذكريات، فضلاً عن محفوظ الموظف، الذي مارس الرقابة على المصنفات الفنية وترك ملاحظاته على عدد من سيناريوهات الأفلام.

يستند المؤلف إلى العديد من الصور والخطابات المكتوبة بخط اليد والشهادات، وغيرها من المستندات النادرة في محاولة لتوثيق هذا الجانب من السيرة «المحفوظية»، منطلقاً من فكرة أساسية مفادها أن صورة «حرافيش محفوظ» ارتبطت في الذاكرة الثقافية بمجلسه الشهير في القاهرة، بينما ظلَّ هناك مجلس آخر أقل شهرة في الإسكندرية، فقد كان محفوظ يقضي في المدينة الساحلية عدة أشهر متصلة كل عام، بعيداً عن أسرته، في تقليد استمر قرابة ربع قرن، منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 1994، حين توقفت رحلاته المنتظمة إلى الإسكندرية عقب محاولة الاعتداء عليه.

هنا تأتي حكاية «شلة سان استيفانو»، وهي المجموعة التي ارتبط بها عميد الرواية العربية خلال إقامته الصيفية في الإسكندرية، وكان مجلسهم اليومي ينعقد في حديقة فندق سان استيفانو القديم، في الفترة المسائية، وتحديداً بين السادسة والتاسعة.

كما يستند المؤلف إلى شهادات أربعة من أفراد هذه الدائرة، وإلى صور نادرة وخطابات بخط يد محفوظ، ليعيد بناء أجواء المجلس الذي ظل بعيداً عن الاهتمام الإعلامي مقارنة بما حظي به مجلس «حرافيش قصر النيل» في القاهرة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أنها تقدم محفوظ في حياته اليومية: علاقته بأصدقائه، طريقته في إدارة الحوار، عاداته خلال الإجازة، وصِلاته بالأشخاص الذين لم يكونوا بالضرورة أدباء أو مشاهير. ومن بين الأسماء التي تظهر في هذه الحكايات المحاسب سيد قناوي، الذي بدأت صداقته بمحفوظ في مقهى «ريش» عام 1969 قبل أن تنتقل صداقتهما إلى الإسكندرية.

ولا يعتمد المالحي على شهادات أفراد المجلس وحدهم، إذ يستعين كذلك بذاكرة المكان، بالمقاهي والمطاعم التي ارتادها محفوظ، وبباعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، وبشهادات كبار السن ممن عاصروا وجوده في المدينة.

وينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى شخصية تبدو نقيضاً كاملاً لذلك الرجل الجالس مع أصدقائه في حديقة سان استيفانو: الرقيب نجيب محفوظ، فالأديب الذي عُرف بتمرده الإبداعي وجرأته الأدبية كان في الوقت نفسه موظفاً حكومياً ملتزماً بالقواعد، وعمل في مجال المصنفات الفنية، حيث مارس مهمة الرقابة على الأعمال السينمائية.

يعتمد المالحي في هذا القسم على عدد من السيناريوهات التي تحمل ملاحظات محفوظ بوصفه رقيباً، بينها أعمال لمخرجين بارزين مثل صلاح أبو سيف وحسن الإمام. وتتحول هذه السيناريوهات إلى وثائق تكشف طبيعة عمل محفوظ داخل جهاز الرقابة، وتسمح بقراءة جانب مهني من حياته ظل أقل حضوراً من صورته كروائي وقاص.

وتكشف وثائق الرقابة أن محفوظ لم يكن يعيش حياته في منطقة واحدة، فقد كان صباحه مرتبطاً بالوظيفة واللوائح، بينما كان عالمه الآخر يتشكل من الكتابة والسينما والأصدقاء والمقاهي، وتجعل هذه الثنائية القسم الثاني مكملاً للقسم الأول، رغم اختلاف الموضوع: في الحالتين نحن أمام محفوظ خارج الصورة النمطية التي رسَّختها شهرته الأدبية.