اجتماعات لوزان تفشل في وقف النار.. وتفتح الطريق أمام معالجة لحلب

«أفكار» تركية حول المدينة السورية تتضمن وقفًا للنار ومراقبة إلكترونية دولية لطريق الكاستيلو

جانب من اجتماع لوزان الذي عقد حول ملف الأزمة السورية بحضور وزراء خارجية دول عربية وغربية (رويترز)
جانب من اجتماع لوزان الذي عقد حول ملف الأزمة السورية بحضور وزراء خارجية دول عربية وغربية (رويترز)
TT

اجتماعات لوزان تفشل في وقف النار.. وتفتح الطريق أمام معالجة لحلب

جانب من اجتماع لوزان الذي عقد حول ملف الأزمة السورية بحضور وزراء خارجية دول عربية وغربية (رويترز)
جانب من اجتماع لوزان الذي عقد حول ملف الأزمة السورية بحضور وزراء خارجية دول عربية وغربية (رويترز)

لم تحمل الأطراف المشاركة في المحادثات الدولية - الإقليمية حول سوريا كثيرا من الأفكار حول ملف الأزمة، لكن مدينة حلب ووضعها كانا ملفا دسما على طاولة المجتمعين في ظل مسعى تركي - عربي للخروج بتدابير تخفف من معاناة نحو 250 ألف مدني محاصرين في الجزء الشرقي من المدينة.
ولم يخرج الاجتماع الذي عقد في مدينة لوزان السويسرية بنتائج واضحة، ولم يصدر بيان مشترك عن الاجتماع، لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد أن المشاركين في اجتماع لوزان حول سوريا اتفقوا على مواصلة الاتصالات في القريب العاجل. وكشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أن اتصالات تنسيقية حصلت قبل الاجتماع بين وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر من أجل تنسيق المواقف قبيل اجتماع لوزان. وقالت المصادر إن الجانب التركي أبلغ الطرفين نيته طرح أفكار تتعلق بوضع مدينة حلب.
وفيما تكتمت المصادر على المضمون الحرفي لـ«الأفكار»، كشفت مصادر في المعارضة السورية أن التحرك التركي الذي لم يرق بعد إلى مستوى المبادرة يتضمن السعي إلى فك الحصار والفصل بين المتحاربين. وقالت المصادر إن الأتراك يأملون في أن يتم التوصل إلى تفاهم سياسي بين روسيا والولايات المتحدة، ويتم على أثره فك الحصار عن طريق الكاستيلو، ويتم نشر قوات مراقبة دولية للتأكد من التزام كلا الفريقين بوقف إطلاق النار. ونظرًا لخطورة الأوضاع في المنطقة، فإنّ قبول أي دولة بإرسال جنودها سيكون محدودًا، لذا يمكن الاستعاضة عن ذلك بأجهزة مراقبة إلكترونية تصل إلى غرف عمليات مشتركة، ويكون هناك حق لكل الدول الأطراف الوصول إلى البث الذي تقدّمه آلية المراقبة الإلكترونية. وأوضحت المصادر أن هذا الخيار يبقي المناطق الشرقية محاصرة، ويتوقف القصف ما دام التزم المحاصرون بعدم إطلاق النار، وبالمقابل تدخل المساعدات للمحاصرين. ومن الأفكار المطروحة أيضا إخراج مقاتلي فتح الشام من الأحياء المحاصرة دون غيرهم إلى إدلب، وبمقابل ذلك يتم فك الحصار بشكل كلي أو جزئي عن المناطق المحاصرة. وقالت المصادر إن مسألة إخراج عناصر «فتح الشام» وحدهم من حلب الشرقية قد يصطدم بكثير من العقبات نتيجة صعوبة تحديد عدد وهوية هؤلاء، كما بسبب صعوبة تأمين ضمانات لهؤلاء وصعوبة التواصل مع التنظيم.
واجتمع تسعة وزراء خارجية من الولايات المتحدة وروسيا والمملكة العربية السعودية وتركيا وإيران والعراق وقطر والأردن ومصر. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه ليس لديه «أي توقعات خاصة» للاجتماع لأن «موسكو لم تر بعد أي خطوات من شركائها الغربيين»، فيما قال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأميركية إنه لا يتوقع الخروج بأي إعلان مهم مع نهاية اليوم. وقال المسؤول الأميركي إنه منذ انهيار التعاون الأميركي الروسي - الذي كان لفترة طويلة عماد جهود إنهاء الحرب في سوريا - بحث مسؤولون أميركيون عددا من الأفكار وإنه رغم عدم توقع حدوث انفراجة إلا أن الشكل الإقليمي قد يكون الأساس لعملية جديدة. وقال مسؤول أميركي يرافق وزير الخارجية، جون كيري إلى لوزان، أمس الجمعة إن «اللقاء لا يهدف لتحقيق نتيجة فورية بل إلى دراسة أفكار للتوصل إلى وقف الأعمال القتالية».
وقال دبلوماسي غربي في لوزان إن الاجتماع لم يحظ بإعداد جيد وأهدافه غامضة ولم تتضح قائمة المشاركين فيه إلا في الدقيقة الأخيرة. وأبلغ الدبلوماسي وكالة «رويترز» إذا كان لهذا الاجتماع أن يصل لاتفاق بشأن حلب فعلى دول أن تقدم تعهدات أن تتعهد روسيا بوقف القصف وتتعهد إيران بسحب مسلحيها من على الأرض الذين يساندون دمشق. وأضاف: «ذلك كثير لتحصل عليه في نصف يوم. خصوصا إذا لم تكن الشخصيات التي تصل إلى الاجتماع غير راضية عن شكل المحادثات.. إذا كان لهذا الشكل أن تكون له مصداقية فإن على كيري أن يخرج من المحادثات الليلة ويقول إن لديه شيئا ما لحلب. ووقف لإطلاق النار يكون ذا مصداقية».
وقبل بدء المحادثات التقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري بشكل منفصل مع نظيره السعودي عادل الجبير ومع لافروف لمناقشة ترتيبات الاجتماع. وهذا هو الاجتماع الأول بين كيري ولافروف منذ انهيار محاولة ثانية لوقف إطلاق النار في سبتمبر (أيلول).
وفي المقابل، حملت المعارضة السورية بعنف على محادثات لوزان، محملة الروس والأميركيين مسؤولية تدهور الوضع في سوريا. واعتبر العميد أسعد الزعبي رئيس وفد المعارضة السورية إلى مفاوضات جنيف، أن المعارضة «لا تعوّل على اجتماع لوزان ولا على أي نتائج قد تفيد الحل السياسي في سوريا، خاصة بعد فشل مجلس الأمن الدولي كأعلى سلطة دولية بوقف إطلاق النار، بسبب الفيتو الروسي».
وأكد الزعبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اجتماع لوزان «عقيم ما دام أن روسيا تحظى بتفويض أميركي للتصرف في سوريا كما تشاء، وتستمر في قتل مزيد من الشعب السوري». وقال: «كل مجلس الأمن وصف روسيا بأنها دولة مارقة، تدعم الإرهاب من إيران إلى كوريا الشمالية إلى الحشد الشعبي في العراق، وهي تلعب دورًا يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، وهو ما سبب القطيعة بينها وبين الدول الأوروبية التي رفضت المشاركة في اجتماع لوزان».
وعن جدوى عقد هذا الاجتماع ما دام أن نتائجه محكومة بالفشل، أوضح الزعبي أن روسيا «استغلت الدعوة إلى اجتماع لوزان، لتنقل مزيد من طائراتها إلى سوريا، وتعزز منظومتها الصاروخية، وتعلن تحويل قاعدة حميميم إلى قاعدة عسكرية روسية دائمة»، معتبرًا أن «كل الاجتماعات الأميركية الروسية التي عقدت خلال السنوات الأربع الماضية كانت ضد الشعب السوري، وأخذت الأمور إلى مزيد من التعقيد»، واصفًا التهديدات الأميركية لروسيا والبحث في خيارات عسكرية ضد نظام الأسد بأنها «زوبعة في فنجان». وسأل «ماذا تعني دعوة إيران والعراق للمشاركة في اجتماع لوزان؟، هل يعقل أن إيران صانعة الإرهاب والتي استقدمت كل الجماعات والميليشيات الإرهابية إلى سوريا، ستكون جزءًا من الحل في سوريا؟»، مؤكدًا أن «إصرار روسيا على الاستمرار في سياسية التدمير في سوريا، هو ضرب لكل القرارات الدولية ولما تبقى من هيبة لمجلس الأمن».
بدوره قال نائب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وأبرز ممثلي المعارضة السياسية، عبد الأحد اسطيفو لوكالة «الصحافة الفرنسية» إن «تغييب السوريين عن الاجتماعات التحضيرية هو إحدى الإشكاليات التي تتسبب بزيادة التعقيد وخلط الأوراق». واعتبر أن «القاسم المشترك بين الاجتماعات كافة التي عقدت منذ بيان جنيف 2012 حتى اليوم، هو تغييب السوريين والاحتكار الأميركي الروسي».
وأضاف اسطيفو «هذه المحادثات لن تؤدي سوى إلى تضييع الوقت والمماطلة وسفك مزيد من الدم السوري»، مؤكدًا أنه «منذ شهر فبراير (شباط)، نتحدث عن هدنة سيتم على أساسها وقف الأعمال العدائية، لكن ما يحصل على الأرض هو العكس تماما، فالمناطق المحاصرة تزداد عددا وتجويعا، وبتنا نعاني حاليا من التهجير القسري». وشدد على أن «المسؤولية بشكل أساسي يتحملها الأميركيون والروس».



مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

تتبنى مصر موقفاً حذراً في علاقاتها مع إسرائيل، في ظل التهديدات المتكررة بتهجير الفلسطينيين، وهو ما ترفضه القاهرة وتصفه بأنه «خط أحمر»، وفي المقابل، تؤكد مصر تمسكها باتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل قبل عقود، وهو الالتزام الذي جدده مؤخراً وزير الخارجية بدر عبد العاطي.

وقال عبد العاطي في لقاء تلفزيوني مع شبكة «سكاي نيوز»، بثته مساء الثلاثاء، إن «مصر ملتزمة بمعاهدة السلام مع إسرائيل»، لكنه أكد أيضاً أن «مصر لن تسمح بأي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء».

واعتبر وزير الخارجية المصري أن «سيناريو التهجير» يمثل أحد الخطوط الحمراء للدولة المصرية، لما يحمله من تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية والأمن القومي المصري.

ووقّعت مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، لكن خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ اندلاع «حرب غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشهد العلاقات توترات عديدة واتهامات بعدم الالتزام بالاتفاقية في ظل أحاديث إسرائيلية متكررة عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية.

خيار استراتيجي

ويرى سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، حازم خيرت، أن مصر ترى أن السلام خيار استراتيجي مع إسرائيل وغيرها من دول الجوار، بل إن القاهرة لديها موقف داعم لتهدئة التوترات وحل الصراعات، لكن في الوقت ذاته هناك خطوط حمراء لن يتم السماح بتجاوزها، في مقدمتها حماية الأراضي والمقدرات المصرية، وكذلك عدم تصفية القضية الفلسطينية.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أي مناورات أو محاولات من جانب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتمرير هذا المخطط غير مقبولة بالنسبة لمصر»، مشيراً إلى أن مصر ليست وحدها من تحرص على السلام لكن إسرائيل أيضاً، رغم التصرفات التي تشير إلى عكس ذلك.

وتابع: «مصر تحافظ على شعرة للإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل، لكن في الوقت ذاته ستقف أمام محاولات إخلاء الأراضي الفلسطينية وفقاً لمخططات اليمين المتطرف».

مصريون في مظاهرة سابقة أمام معبر رفح رفضاً لتهجير الفلسطينيين (وكالة أنباء الشرق الأوسط)

وكشف عبد العاطي خلال حديثه الأخير عن امتلاك بلاده «قنوات اتصال متعددة مع الجانب الإسرائيلي، تشمل المستويين العسكري والسياسي، وأن القاهرة تنقل عبر هذه القنوات موقفها المبدئي والثابت من رفض أي محاولات للتهجير»، مضيفاً أن «مصر أبلغت موقفها الواضح بصورة مباشرة إلى الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وأن جميع الأطراف تدرك الخطوط الحمراء المصرية في هذا الملف».

وتشي تصريحات وزير الخارجية المصري بوجود انتهاكات من جانب إسرائيل بشأن «معاهدة السلام»، وإن لم يُشر إلى طبيعتها، كما تؤكد أن «اللجنة المصرية - الإسرائيلية» التي تم تشكيلها بموجب الاتفاقية ما زالت قائمة وإن كانت تنعقد بصور مختلفة عما كانت عليه في السابق، حيث كانت تنعقد في «العريش» أو «بئر السبع»، وفق الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي.

لكن فهمي أشار إلى نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن إسرائيل تسعى لتعديل البرتوكول الأمني الخاص بـ«ممر صلاح الدين» (محور فيلادلفيا)، وغيرها من بنود المعاهدة وليس غريباً أن تتحدث جهات شبه حكومية عن هذا الأمر، متابعاً: «لكن تعديل المعاهدة ليس وارداً بالنسبة لمصر في الوقت الحالي، وهو أمر بحاجة إلى ترتيبات أمنية واستراتيجية، وهو ما يفسر حديث الوزير عن الالتزام بالمعاهدة».

ويرى أن عبد العاطي تحدث عن المحددات المصرية الثابتة في العلاقة مع إسرائيل، وتتمثل في الالتزام بالسلام ورفض التهجير.

حديث متكرر عن التهجير

ولا يتوقف الحديث الإسرائيلي عن التهجير، وفي معرض حديثه عن مصادقة حكومته على 264 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حديثه إلى قادة المستوطنين قائلاً: «إنهم يمهدون لهجرة كبيرة مقبلة»، وفق بيان صادر عن مكتبه، الأربعاء.

وأضاف: «أنتم تُحققون رؤية أرض إسرائيل، وهذه أرضنا. اليوم، يُدرك العديد من إخواننا وأخواتنا في العالم أن هذه أرضنا»، وفق مزاعمه.

وفي مايو (أيار) الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن إسرائيل ستنفذ خطة «الهجرة الطوعية» من قطاع غزة في التوقيت والطريقة المناسبين.

وفي مطلع هذا الشهر، أطلق السياسي الإسرائيلي موشيه فيغلين، رئيس حزب «زيهوت» (الهوية)، تصريحات علنية تدعو صراحة إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه كلياً وتخييرهم بين التهجير والموت.

إحدى الشاحنات قرب معبر رفح البري (الهيئة العامة للاستعلامات)

ويشير عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير أشرف حربي، إلى أن القاهرة تواجه مثل هذه التهديدات بالتأكيد على ثوابت القانون الدولي التي تتعارض مع التهجير غير الشرعي والتوسع الاستيطاني، وهو أمر تتبعه أيضاً مع «اتفاقية السلام» التي تؤكد الالتزام بها ما دام الطرف الآخر يلتزم بها.

وتابع: «في حال اختراق الاتفاقية من جانب إسرائيل سيكون هناك نزاع لديه أيضاً مراحل وإجراءات تبدأ بإجراءات قانونية وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي، وما تنص عليه الشرعية الدولية بالنسبة للدولة التي لا تلتزم بالشروط والضمانات الموجودة في الاتفاقيات الموقعة بينها وبين الدولة الأخرى».

وشدد وزير الخارجية على أن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم إلى سيناء لا يمثل مجرد تحرك سكاني، بل يعني، من وجهة نظر القاهرة، تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأضاف أن مثل هذا السيناريو ستكون له تداعيات مباشرة على مصر والمنطقة، مؤكداً أن القاهرة لا تعدُّه خياراً مطروحاً تحت أي ظرف.


قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

وتحمل تلك الزيارة، التي تعد الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، فرصة لتعزيز الشراكة بين البلدين وفتح مسار جديد في علاقات بكين والقاهرة، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان الأربعاء، بأنه «في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جينبينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة».

ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يتوجه الرئيس الصيني الأحد إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان الأربعاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

توقيت بالغ الدلالة

ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني «تأتي في توقيت بالغ الدلالة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة».

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في عام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث أصبحت مصر في 30 مايو (أيار) 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، وفق حجازي.

السيسي والرئيس الصيني خلال المشاركة في احتفالات «عيد النصر» بالعاصمة الروسية موسكو 9 مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

وانتقلت العلاقات المصرية - الصينية خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة «التضامن السياسي ودعم قضايا التحرر الوطني»، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي والتنموي، ثم إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلنت عام 2014، وخلال العقد الأخير اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتعليم⁠، بحسب حجازي.

وعن مستقبل الشراكة المصرية - الصينية خلال السنوات المقبلة، يرى حجازي، أن «المصلحة المصرية تقتضي الانتقال من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار، إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة».

وقال إن «أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون تحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وليس مجرد سوق للمنتجات الصينية. كما أن التعاون في مجال الأمن الغذائي، يستحق اهتماماً خاصاً، في ضوء التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ويمكن لمصر والصين تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل وسلاسل الإمداد، ليس فقط لخدمة السوق المصرية، وإنما لفتح آفاق أوسع في أفريقيا».

ويشير حجازي إلى أنه «سياسياً ودولياً، يمكن تطوير مستوى التشاور المصري - الصيني حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي».

ويخلص، إلى أن الزيارة «ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق رؤية مصرية - صينية مشتركة للعقد المقبل، وليس فقط لتوقيع مجموعة جديدة من مذكرات التفاهم ودعم الشراكة واستقرار المنطقة».


رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
TT

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

عمَّقت الجماعة الحوثية الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، في خطوة يرجَّح أن تزيد تكلفة مواد البناء، وتضغط على قطاع لا يزال يستوعب شريحة من العمالة اليدوية.

وحسب تعميم صادر عن مصلحتي الضرائب والجمارك اللتين تديرهما الجماعة، يبدأ تطبيق الزيادة الأولى في 26 أغسطس (آب) الحالي، على أن تدخل الزيادة الثانية حيز التنفيذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتأتي الإجراءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين من الركود وتراجع فرص العمل، بالتزامن مع اتساع الفقر والاحتياجات الإنسانية، وهروب رؤوس أموال، وازدياد أعباء الرسوم والجبايات المفروضة على الأنشطة التجارية.

وحدد التعميم الرسوم الجمركية على الأسمنت الجاهز، سواء كان سائباً أو معبأ في أكياس، عند 20 في المائة، وضريبة المبيعات عند 10 في المائة، على أن ترتفع الرسوم الجمركية في المرحلة الثانية إلى 30 في المائة، وضريبة المبيعات إلى 15 في المائة.

أسواق صنعاء تعاني الركود والجبايات الحوثية المتعددة (إعلام محلي)

وتبرر وزارة المالية ومصلحتا الضرائب والجمارك التابعتان للحوثيين القرار بأنه يهدف إلى حماية المنتج المحلي ودعم الإنتاج الوطني، مع زعمها أن إنتاج الأسمنت المحلي وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذا التبرير يأتي في وقت توقفت فيه غالبية المصانع الحكومية الثلاثة التي سيطرت عليها الجماعة عن العمل، بعد تعرضها للاستهداف بالصواريخ أو الغارات الإسرائيلية.

وفرضت الجماعة -في إطار ما تسميه حماية المنتج المحلي- حصة تعادل 50 في المائة من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، واشترطت توريد ضريبة المبيعات نقداً، وبنسبة تحصيل كاملة في جميع المنافذ، إلى جانب احتساب الرسوم على كامل القيمة الجمركية.

ويشير ذلك إلى أن السلع التي تدخل عبر المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية ستواجه رسوماً جمركية كاملة، بدلاً من النسبة البالغة 50 في المائة المفروضة على بقية السلع القادمة من تلك المناطق.

سلسلة زيادات

تأتي الزيادة الجديدة ضمن سلسلة من الإجراءات والرسوم التي فرضتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية على السلع المستوردة، ما أثار انتقادات من التجار والمستوردين، بسبب انعكاساتها على تكاليف الاستيراد والأسعار.

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة المالية التابعة للحوثيين قراراً برفع الرسوم الضريبية والعوائد الأخرى على السلع المستوردة عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، لتصل نسبة التحصيل إلى مائة في المائة من إجمالي القيمة الجمركية.

وأبقت الجماعة الرسوم على السلع الواردة إلى المراكز البرية من مناطق الحكومة اليمنية عند 50 في المائة، رغم أن المستوردين يدفعون الرسوم الجمركية كاملة في المنافذ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

الحوثيون دمَّروا مصنع البرح في تعز ونهبوا معداته (إعلام محلي)

وشهدت الفترة اللاحقة زيادات أخرى طالت قطاعات وسلعاً مختلفة. وأشار تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سلطات الحوثيين رفعت خلال عام 2024 الرسوم المفروضة على مجموعة من السلع الأساسية المستوردة، بينها الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب فرض مساهمات مالية إضافية على التجار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، فرضت الجماعة رسوماً إضافية على الأسمنت المحلي تحت اسم «دعم المؤسسة اليمنية للأسمنت»، ورفعت الرسوم بنسبة 50 في المائة، حسب تقارير محلية، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على أسعار مواد البناء وتعطيل مشاريع الإنشاء.

تكلفة إضافية على البناء

في ظل هذه الأعباء، انتقد الخبير الاقتصادي اليمني علي التويتي الزيادة الحوثية الجديدة، وقال إنها جاءت بعد فترة قصيرة من قرار سابق رفع الرسوم المحصلة على كيس الأسمنت من نحو 480 ريالاً إلى 700 ريال، في حين يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين نحو 500 ريال.

ووصف التويتي القرار بأنه «مهزلة»، محذراً من أنه سيؤدي إلى «مزيد من الركود والجوع والبطالة»، في وقت يعاني فيه العاملون في قطاع البناء والمهن المرتبطة به من تراجع فرص العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.

منافذ جمركية حوثية على خطوط التماس مع المناطق الخاضعة للحكومة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمنت سينعكس على مشاريع البناء ويقلص الطلب على العمالة، متسائلاً عن جدوى حماية المصانع المحلية عبر فرض مزيد من الرسوم على الأسمنت المستورد، بدلاً من معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.

وتتزامن الإجراءات الجديدة مع استمرار الجماعة في فرض رسوم وجبايات متعددة على الأنشطة التجارية، في وقت يعاني فيه معظم السكان في مناطق سيطرتها من انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية.

كما أفضت الأعباء المالية المتزايدة، وفقاً للمادة، إلى إفلاس عدد من التجار وإغلاق آخرين محالهم بعد عجزهم عن تحمل الجبايات المفروضة خارج الرسوم الضريبية والزكوية المحددة قانوناً.