هؤلاء رسموا ملامح سياسة أوباما الشرق أوسطية

«العائلة» التي سيفتقدها «مطبخه السياسي» بعد نوفمبر المقبل

اوباما.. داخل البيت الأبيض
اوباما.. داخل البيت الأبيض
TT

هؤلاء رسموا ملامح سياسة أوباما الشرق أوسطية

اوباما.. داخل البيت الأبيض
اوباما.. داخل البيت الأبيض

يتسارع العد التنازلي لنهاية عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، هذه الأيام. وأمام خلفية الأوضاع المأساوية التي تشهدها عموم أراضي سوريا، وبوادر الكارثة التي يحذر منها كثيرون في شمال العراق إذا شاركت ميليشيا «الحشد الشعبي» في عملية طرد «داعش» من مدينة الموصل، و«مصادرة» ما يسمى «حزب الله» المرتبط لمدة تزيد على سنتين بطهران، قرار انتخاب رئيس جديد للبنان، ورفض المتمردين الحوثيين المستقوين بالدعم الإيراني كل المساعي الخليجية والدولية لإعادة الوفاق وتثبيت الشرعية في اليمن، نسلط في ما يلي الضوء على أفراد «مطبخ» سياسات الشرق في إدارة أوباما. مع العلم، أن الأولوية الأولى لأوباما كانت خلال السنوات الأربع الماضي عقد الاتفاق النووي مع إيران.
خلال الأسابيع الأخيرة دأب الرئيس الأميركي باراك أوباما على إعطاء مقابلات تهدف إلى تلميع صورة إرثه السياسي للتاريخ. وكان اللافت المكرّر في هذه المقابلات إشارة أوباما إلى «فريقه» الذي يعتبره أشبه بجزء من «عائلته»، الذي يقول بشيء من الحنين المسبق أنه لن يظل معه بعد مغادرته البيت الأبيض.
الحقيقة أن كل رئيس أميركي، أو على الأقل منذ الرئيس يوليسيس غرانت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان لديه عائلة من المستشارين الموثوقين المقربين، مهمتهم الإحاطة بالرئيس، وصدقه القول والمشورة، وحمايته من خصومه.. بل وأحيانًا من أصدقائه!
وبصفة عامة تضم هذه «العائلة» مجموعة من أصدقاء الرئيس ومساعديه الذين رافقوه من ولايته الأم. وحقًا، عندما جاء الرئيس جيمي كارتر إلى واشنطن فإنه جلب معه ثلة من أبناء ولايته جورجيا ذكّروا نخب العاصمة بريفيي الجنوب الأميركي الطارئين على المدن الكبرى العريقة. ولقد أقرّ أحد هؤلاء، هاميلتون جوردان، وهو أحد أقرب المقرّبين من كارتر ورئيس جهاز البيت الأبيض في عهده، في مذكراته بأنه مدين بتعلمه أصول استخدام الشوكة والسكين لزوجة السفير المصري خلال إحدى المآدب الرسمية.
وعندما جاء رونالد ريغان إلى واشنطن جلب معه أيضًا أصدقاءه ورفاقه من ولايته كاليفورنيا. وفي عهد ريغان، خاصة، ظهر تعبير «المطبخ الحكومي» وراج كثيرًا، وبخاصة أن الرئيس والممثل الهوليوودي السابق اعتاد مناقشة القضايا الكبرى على مائدة في المطبخ مع نفر من أصدقائه الخلّص. وسار الرئيس جورج بوش الابن على خطى ريغان ناقلاً معه إلى واشنطن زمرة من أبناء ولاية تكساس التي كان حاكمًا لها.

مطبخ أوباما السياسي
بناءً عليه، لا غرابة إذن أن يجلب باراك أوباما معه إلى العاصمة الأميركية «مطبخه الحكومي» الخاص. ولكن من هم أفراد هذه «العائلة» التي يجلس أفرادها في هذا «المطبخ»؟
بداية، قبل استعراض الأسماء، لا بد من التطرق إلى بعض النقاط التي تؤكد أن «مطبخ» أوباما يختلف عن «مطابخ» سابقيه.
النقطة الأولى أنه في كل «المطابخ» السابقة كان المقرّبون يتمتعون ببعض الخبرة في المواقع السياسي الحكومية، على الأقل، على مستوى الولايات. وحتى أولئك الذين افتقروا إلى الخبرة الحكومية فإنهم تمتعوا بخبرات في عالمي المال والأعمال التجارية. غير أن «مطبخ» أوباما - كما سنرى - ضم أفرادًا يفتقرون فعليًا إلى الخبرتين السياسية والمالية - التجارية.
النقطة الثانية، أنه في كل «المطابخ» السابقة كان السواد الأعظم من المقرّبين رجالاً ومعظمهم من ذوي المناصب والتخصصات التقليدية والإدارية الراقية. أما في حالة أوباما فإننا رأينا الغالبية من النساء.
النقطة الثالثة، أن غالبية أفراد «المطابخ» السابقة من البيض المتحدرين من أصول أوروبية مسيحية، لكن في حالة أوباما ضمت «العائلة» عددًا كبيرًا من ممثلي الأقليات العرقية، ولا سيما من المتحدّرين من أصول أفريقية. وعكَس اختيار هؤلاء المستشارين المقرّبين إيمان أوباما بما ورد في كتابه «الأمل الجريء»، إذ يقول إن «استهدافًا مكثفًا للعرق الأبيض يشكل ثقلا كبيرًا يمنع مثاليات المسؤولية الفردية والجماعية من أن تجنح وتغرق في خضم اليأس».
أيضًا، كما ورد في كتابيه، حسم أوباما نهائيًا - وكان في العشرينات من العمر - مسألة ما إذا «كان أميركيًا أسود أو أبيض»، واختار في النهاية الجانب الأسود في هويته العرقية.
النقطة الرابعة أن «المطابخ الحكومية» السابقة لرئاسة أوباما برزت فيها تعددية معينة على صعيد مستوى التعليم والحساسيات السياسية للإرادة. ولكن وفق رؤية أوباما، جاء معظم المقرّبين منه من خلفيات حقوقية (قانونية) ومع ميول واضحة إلى يسار الوسط تعود إلى مرحلة شبابهم. ومع أن أوباما كتب في «الأمل الجريء» العبارة التالية: «كنت أرجو لو كان في هذه البلاد عدد أقل من المحامين وعدد أكبر من المهندسين»، فإن فريق المقرّبين منه خلا تمامًا من المهندسين والاقتصاديين.

حساباته.. مع الحزب
مما لا شك فيه، أن أوباما ما كان في بداية عهده واثقا من نفسه، وذلك في ضوء تواضع تجربته السياسية وإدراكه أنه رغم فوزه بالرئاسة فإنه لم يستطع الإمساك كليًا بمقدرات مؤسسة الحزب الديمقراطي. ولذا اختار أن يكون متعاونًا يمد اليد إلى مختلف أجنحة الحزب، بدليل اختياره جوزيف بايدن نائبا له مدركًا افتقار سيناتور ولاية ديلاوير السابق إلى «الكاريزما» والحيوية، اللتين كان من الممكن أن تهددا مكانته الرئاسية.
أيضًا عيّن أوباما منافسته السابقة هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية بهدف «شراء الوقت» الكافي لفك مفاصل الماكينة الحزبية التي بناها زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون خلال فترتين رئاسيتين. ثم اختار روبرت غايتس، مدير «السي آي إيه» الباهت السابق وأحد رجال مرحلة حكم الجمهوريين في عهد بوش وزيرا للدفاع. وتيموثي غايتنر، أحد المحسوبين سابقًا على شلة بوش، وزيرا للمالية.
ولكن بعد مضي ثماني سنوات، يتأكد أن الرئيس لم يرد أبدا جعل أي من هؤلاء جزءًا من بطانته.. أو «عائلته»، أو يعطيهم أي قدر من النفوذ.

ميشيل.. وفاليري جاريت
من هم إذن أفراد «عائلة» أوباما السياسية التي سيفتقدها عندما يغادر الرئاسة؟
على رأس القائمة تأتي زوجته ميشيل. الشخصية اللامعة النافذة التي تألقت بوصفها «سيدة أولى» وحظيت باحترام عظيم أسهم كثيرًا في إكساب رئاسته احترامًا واسعًا. وخلال مقابلة أجريتها مع القس جيسي جاكسون، في منتجع إيفيان الفرنسي، قال الناشط والمرشح الرئاسي الديمقراطي السابق الذي كان له الفضل في تعريف أوباما على زوجة المستقبل، إن ميشيل هي «حامية» هوية أوباما «السوداء». وبعد مرور ثماني سنوات تؤكد ميشيل أوباما أكثر أهميتها، بجانب تذكيره بمعاناة الأميركيين السود، وهي معاناة لم يعرفها أجداد زوجها من شعب اللوو في أفريقيا.
بعد الزوجة اللامعة، ضمن كبار المؤثرين داخل «العائلة»، المحامية فاليري جاريت، المولودة في مدينة شيراز عاصمة فارس بجنوب إيران، عندما كان والداها الأسودان يعملان في أحد مستشفيات المدينة. ولقد أصبحت جاريت صديقة شخصية لميشيل أوباما إثر موافقتها على طلب توظيفها في بلدية مدينة شيكاغو حيث كانتا تعيشان. وتنسجم جاريت تمامًا مع البعد الكوزموبوليتاني العالمي لـ«العائلة» التي تشكل «المطبخ السياسي» لأوباما، وهذا ليس فقط بسبب مولدها في إيران، بل لنشوئها هناك وإجادتها اللغتين الفارسية والفرنسية نتيجة ظروف حياتها لفترات غير قصيرة خارج الولايات المتحدة مع ذويها. أما منصب جاريت الفعلي فمحاط بشيء من الغموض المثير، إذ إنها رئيسة مكتب التواصل والشؤون «بين الحكومية»، والمستشار الخاص للرئيس.
لكن فاليري جاريت في واقع الأمر أكثر تأثيرًا بكثير مما يوحي منصباها. وكان من مؤشرات أهميتها في «مطبخ» إدارة أوباما قيادتها مسيرة ما يعرف بـ«مشروع إيران» الذي همّش معه سيد البيت الأبيض كلاً من مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية والكونغرس الأميركي، بل وحتى البرلمان الإيراني، للخروج بصفقة «الاتفاق النووي» مع إيران، التي لم يوقعها أحد ولم تخضع لأي مسار تشريعي.
ولإرسال رسالة صداقة إلى إيران، مارست جاريت نفوذها أيضًا لبناء شبكة تضم مسؤولين أميركيين وإيرانيين وعاملين داخل البيت الأبيض، بالإضافة إلى المساعدة في الترويج لـ«اللوبي الإيراني» الذي أسس في واشنطن إبان رئاسة محمود أحمدي نجاد بهدف تلميع صورة إيران في الولايات المتحدة.

رايس وباور
بعد جاريت، من حيث الأهمية في «المطبخ الحكومي» تأتي سوزان إليزابيث رايس، المحامية السوداء، التي مع أنها ولدت في العاصمة واشنطن، فإنها مثل باراك أوباما وفاليري جاريت، لديها جذور وصلات عائلية خارج الولايات المتحدة، في هذه الحالة في جامايكا. ولقد كانت رايس وما زالت من مستشاري أوباما المفضلين للشؤون الخارجية منذ أطلق حملة ترشحه للرئاسة عام 2008. بعد ذلك تولت منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي، ثم السفير في الأمم المتحدة، ثم عادت رئيسة لمجلس الأمن القومي.
ثم تأتي ضمن «العائلة» و«مطبخها الحكومي» سامانثا باور، وهي محامية أخرى، وتتقاسم مع أوباما وجاريت ورايس البعد «العالمي» لخلفيتها العائلية. فهي من مواليد آيرلندا لعائلة آيرلندية كاثوليكية. ولقد عملت في الصحافة، وضمن فريق السياسة الخارجية التابع للبيت الأبيض، وهي اليوم السفيرة في الأمم المتحدة. ووفق الكتب التي ألفتها باور، فإنها تتشارك مع الرئيس منظور «العائلة» ومبادئها وأولوياتها في مجال العلاقات الخارجية، وعلى رأسها أن الولايات المتحدة كانت غالبًا قوى متغطرسة متسلطة على المسرح العالمي ومتجاهلة للمصالح المشروعة للدول الأخرى، ومن ثم، يتوجب على واشنطن - في عهد أوباما - أن تمارس الانكفاء وتحاول التعويض عن الأضرار التي ألحقتها بتلك الدول عبر العقود.

الأزمة السورية
وحقًا، كان هذا الاعتقاد المنظومي والمفهومي الراسخ مسؤولاً بدرجة كبيرة، حتى عن محاولة إدارة أوباما فهم طبيعة الأزمة السورية منذ تفجرت في العام 2011. وبالمناسبة، خلال عام 2012 أتيحت فرصة لإنهاء الأزمة السورية عبر مساومات يجري التفاوض عليها مع بشار الأسد من خلال وسطاء سوريين ولبنانيين، يتنحى بموجها رأس النظام جانبا من دون أن يستقيل، ومن ثم يتاح تشكيل سلطة انتقالية تعمل على رعاية مصالحة وطنية وإجراء انتخابات تعددية حرة.
واللافت أن مجموعة المولجين بملف سوريا في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركية أيدت هذه المبادرة التي كان من الممكن أن تنجح أو لا تنجح. لكن أوباما قرر رفض المبادرة معلنًا: «على الأسد الرحيل»، مع أنه رفض أيضًا أي خطوات تجبر حاكم دمشق على ذلك. في صميم ما حدث كان «الثلاثي» النسوي جاريت ورايس وباور.

الآخرون النافذون
«العائلة» تضم أيضًا رجلين نافذين إلا أن نفوذهما أقل من «ثلاثي» السيدات السابق الذكر، وهما جايك سوليفان وبن رودز.
سوليفان (40 سنة) محام من أصل آيرلندي ضمن فريق نائب الرئيس جو بايدن مستشارا لشؤون الأمن القومي وهو موقع قرّبه من الدائرة الصغرى المحيطة بالرئيس وأدخله بالتالي «العائلة». أيضًا عمل سوليفان في مرحلة من مسيرته مع هيلاري كلينتون إبان حملتها الرئاسية عام 2008. ورشحه كثيرون لمنصب رئيس جهاز مجلس الأمن القومي في حال فازت هيلاري يومذاك ودخلت البيت الأبيض.
بعدها لفت سوليفان نظر فاليري جاريت لدى مشاركته في مفاوضات مسقط السرّيّة مع إيران، إبان حكم أحمدي نجاد في طهران. وتبعًا للدكتور علي أكبر صالحي وزير الخارجية الإيراني يومذاك، كان على سوليفان تقديم التنازلات بسخاء. ومما قاله صالحي في هذا الصدد: «عندما أبلغنا المرشد الأعلى بما يعرضه الأميركيون علينا في مسقط فوجئ ولم يصدق».
وأخيرًا، هناك بن رودز (39 سنة) نائب رئيس مجلس الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية. وهو حسب اعترافه، روائي فاشل، لكنه حاول إعادة كتابة تاريخه عبر محاولة خداع الإعلام الأميركي بما بات يعرف بـ«الصفقة النووية» مع إيران. ولقد بدأ رودز مسيرة صعوده عندما جرى تعيينه ضمن كتّاب خطب أوباما عام 2007 مع بدء الأخير إعداد نفسه للترشح للرئاسة في العام التالي. ويقول عنه من التقوا به خلال زيارة قام بها إلى لندن عام 2009 إنه رجل مزهو بنفسه بصورة مفرطة.
إلا أن أوباما منح رودز فرصة ذهبية لتعزيز هذا الزهو عندما كلفه بكتابة خطابه الشهير في العاصمة المصرية القاهرة الذي عرف بـ«خطاب القاهرة». وبالفعل، صال رودز وجال في هذا الخطاب، موظفًا تعابيره الإنشائية الروائية لتمرير رسالة إلى القوى الإسلامية في مصر، جوهرها أن واشنطن قررت التخلي عن حليفها القديم الرئيس حسني مبارك، وستكون مستعدة للتعاون مع حكومة على رأسها «الإخوان المسلمون».
وحتى اليوم، يُتهَّم رودز بأنه الشخص الذي أقنع أوباما بـ«طعن مبارك في الظهر»، مع أن في هذا الاتهام مبالغة في تصوير حقيقة نفوذ رودز، ذلك أن القرار الحاسم وراء تغيير واشنطن سياستها بعيدًا عن حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط والتوجه نحو تحالف وهمي مع إيران كانت خلفه فاليري جاريت وسوزان رايس، وبادر أوباما بسرعة إلى اعتماده.
أخيرًا، فضلاً عمّن ذُكرت أسماؤهم، يقف بجوار «العائلة» عدد من «المصفقين»، أبرزهم رئيس جهاز البيت الأبيض دينيس ماكدوناه، الذي تمكن أحيانًا من لفت نظر الرئيس إلى الحقائق خارج شرنقة «العائلة». وبيتر لافوي، كبير مديري مجلس الأمن القومي، الذي أدلى بدلوه في شؤون الهند وباكستان. وروبرت مالي، الأميركي - المصري الأصل، وهو محام وأكاديمي ذو خلفية ملوّنة جدًا تحكم نظرته إلى السياسة العالمية «صورة عقد الستينات» من القرن الماضي، وفيها يرى أن أميركا كانت قوة للشر أكثر منها للخير.
هذه هي «العائلة» التي سيفتقدها الرئيس أوباما والتي أسهمت إسهامًا كبيرًا في أوضاع الشرق الأوسط الراهنة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».