طه عبد الرحمن: شرف الإنسانية في الإبقاء على ألبستها المعنوية

دهرانيون تملصوا من الدين ومن بعدهم تملصوا من الأخلاق جملة وتفصيلاً

غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
TT

طه عبد الرحمن: شرف الإنسانية في الإبقاء على ألبستها المعنوية

غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»
غلاف «شرود ما بعد الدهرانية» - غلاف «بؤس الدهرانية»

باتت معالم مشروع المفكر طه عبد الرحمن، تتضح شيئا فشيئا، خاصة بعد صدور كتابيه النقديين لمنظومة التفكير الغربية، هذه المنظومة التي تجمع في لفظة واحدة هي الحداثة، باعتبارها مفهوما يجمع مجمل نسق التصورات الذي أنجز في الغرب خلال الخمسة قرون المنصرمة. فكان عنوان الكتاب الأول «بؤس الدهرانية»، الصادر سنة 2014، والثاني «شرود ما بعد الدهرانية»، الصادر سنة 2016. ويقصد طه عبد الرحمن بلفظة الدهرانية، صفة ينعت بها نمط التفكير الحداثي، الذي يرى أنه قد بلغ مع رموزه الفكرية (روسو، كانط، دوركايم، لوك فيري) مستوى من المروق. إذ كان سعي هؤلاء حثيثا للخروج من الدين ومحاولة حشره في زوايا ضيقة. هذا المروق أدى من وجهة نظر طه عبد الرحمن إلى الشرود، أي الخروج من الأخلاق مع رموز أخرى، وهم: نيتشه، باطاي، الماركيز دو ساد، فرويد، ولاكان. وينعت طه عبد الرحمن هؤلاء الشاردين، بما بعد الدهرانيين. إذن، يقسم طه الحداثيين إلى صنفين: دهرانيون تملصوا من الدين، وما بعد دهرانيين تملصوا من الأخلاق جملة وتفصيلا.
يعبر الدهرانيون المارقون، الخارجون عن الدين المنزل، بحسب طه عبد الرحمن، عن بؤس في التصور، لأنهم بالغوا وتمادوا في إسناد الألوهية إلى الإنسان، وجعلوه مركزا، منه الأمر والقرار، ومنه الشاهد والحكم، من غير «استحياء ولا أدنى ارتياب»، بتعبير عبد الرحمن نفسه. يقول عبد الرحمن عن لفظة البؤس المختارة في العنوان، إنها مستخدمة حتى عند الدهرانيين أنفسهم في كتبهم، فنسمع عن «بؤس التاريخانية»، و«بؤس الفلسفة»، و«بؤس العالم».
ويؤكد طه عبد الرحمن، على تلازم كتاب «البؤس» وكتاب «الشرود»، لأن الأول، يناقش خروج الإنسان من الدين، وما ترتب عن ذلك من ضياع، رغم مجهودات الدهرانيين في وضع أخلاق دنيوية، أي أخلاق أرضية (مثلا أخلاق الواجب التي بلورها الفيلسوف الألماني كانط)، والتي اعتبروها قادرة على تعويض الدين، ومن ثم طرده من الشأن العام وجعله في المتحف. هذه الأخلاق اللائكية المصطنعة، يرى طه عبد الرحمن، أنها لا تفي مطلقا بالغرض الروحي، الذي لا ينفصل عنده عن الأخلاق أبدا.
أما الكتاب الثاني، فيعالج خروج الإنسان من الأخلاق، وما يتبع ذلك من أخطار. وهو ما سيصنع لنا ما بعد الدهرانيين الأشد وطأة من الدهرانيين، حيث إن بؤسهم مضاعف.
إن منطلق طه عبد الرحمن واضح، وهو أنه لا يمكن فصل الأخلاق عن الدين أبدا، إذ يقول: «الخروج عن الدين يفضي، حتما، إلى الخروج عن الأخلاق نفسها». وهذا بالضبط، مكمن الخلاف بين أطروحته والأطروحة الحداثية، الداعية إلى إمكانية أن يكون المرء أخلاقيا، من دون الحاجة إلى الدين المنزل. بل أكثر من ذلك، نجد أن التفكير الحداثي قام بأكبر عملية تفكيك وعزل للدين عن كل قطاعات الحياة. وهو ما يراه طه عبد الرحمن وبالا وضياعا للبشرية، وإسقاطا لها في المروق المؤدي إلى الشرود. ولعل الحجة الرئيسية التي يقدمها طه عبد الرحمن، لعدم إمكانية استقلال الأخلاق عن الدين، هي أن الإنسان لا يمكن أن يكون كما تدعي الحداثة، (هنا نتذكر أطروحة الفيلسوف كانط دائما)، هو المشرع وهو الحكم والشاهد على نفسه. بل يحتاج ضرورة، إلى كائن متعال عنه، تعطى له صلاحيات الشاهدية. كائن لا يمكن أن يكون إلا الله وحده بوحيه المنزل.
من تعرية الإنسان إلى كسائه
يسير طه عبد الرحمن عكس تيار الحداثة تماما. فما عليك إلى أن تقوم بجرد مبادئ الحداثة ومرتكزاتها. ثم قم بعد ذلك، بالبحث عن أضدادها. فأنت تكون قد عثرت، آنذاك، على طه عبد الرحمن. فالفصل والعزل الذي قامت به الحداثة للدين عن كل قطاعات الحياة، وأهمها قطاع الأخلاق، يريد طه عبد الرحمن أن يجعله وصلا ودمجا. فمشروعه الأساسي، هو رد اللحمة المفقودة والعودة إلى الأصل الأول للأخلاق. فالنواهي والقيم والجوانب المعنوية، درس تعلمه الإنسان منذ البداية مع الدين.
وبالعودة إلى المنظومة الحداثية، ينبغي أن نتذكر أنها تقوم على أساس منهجي، هو التحليل والتفكيك والكشف، وفضح المخفي، وإماطة اللثام عن الخفي، وذلك قصد بلوغ الجذور التي يتقوم بها الإنسان. فالحداثة تكسير وهدم ومعاول موجهة لكل الطبقات التي تكسو الإنسان وتغطيه، والمتمثلة طبعا، في الجوانب الميتافيزيقية، والقيم، والأبعاد الروحية، التي ما هي إلا زيف وكذب وخداع وجب التخلص منه. وبعد طول تقشير للكساء المغطي للإنسان، ماذا كانت النتيجة يا ترى؟ الإنسان مجرد حيوان. فهو كائن منغمس في الطبيعة ومتجذر فيها. وهنا نتذكر صرخات داروين ونيتشه وفرويد وغيرهم، ممن كان سعيهم حثيثا لإبراز أن الإنسان كائن غريزي ليس أكثر. وهذا طبعا، ضرب لكبريائه وكرامته في الصميم. إذ هو لا شيء إلا كونه حلقة متطورة من بقية الكائنات الأخرى. وهذا ما تقبله الحداثة بصدر رحب، على الرغم مما به من إهانة وجرح. لكن طه عبد الرحمن، يرفضه جملة وتفصيلا.
إن هذه الألبسة التي تغطي الإنسان، والتي سعت الحداثة إلى كشفها، يرى فيها طه عبد الرحمن ضمانا للإنسانية، التي لن تتحقق إلا بالحفاظ عليها. فهي لا ينبغي أن تكشف، بل يجب أن تظل كسترة.
إن الحداثة، وهي تعمل معاولها لهدم القشور المعنوية التي تغطي سوءة الإنسان، ترى أن في الأمر بحث عن الحقيقة. فهذه الألبسة هي أغلفة يمكن أن تستغل، بسهولة، من أجل الخداع والتدليس، وخدمة مصالح جهات على حساب جهات أخرى. إنها كالمساحيق التي يموه بها الإنسان أخاه الإنسان، الأمر الذي يستدعي عدم السكوت والعمل بجهد للتعرية والكشف، بل الهدم إن تطلب الأمر ذلك. وهنا نتذكر مرة أخرى مطرقة الفيلسوف نيتشه.
لقد قامت الحداثة بعمل جبار لكي يعيش الإنسان، من دون زيف أو تضليل، في كل القطاعات، بدءا من الطبيعة، التي تخدعنا كل يوم لأنها تبرز وجها غير حقيقي. فالشمس والأرض نشاهدهما بطريقة يكذبها العلم، فالأولى تبدو متحركة والثانية ثابتة. فإن صدقت حواسك والمعطى كما هو جاهز، فأنت لا محالة ساذج. فالأمر يسير بشكل عكسي تماما عن كل الاستنتاجات العفوية والتلقائية التي نحصل عليها. وقس على ذلك كل المنجزات العلمية. فهي تصنع صناعة بعد الكشف وإماطة اللثام عن خفيها. فالطبيعة هي أيضا مكسوة بألبسة، يرى العالم أنه لا بد من إزالتها بحثا عن الحقيقة. والأمر نفسه يقال أيضا، عن السياسة والاقتصاد والأخلاق. فهي أيضا، قضايا مغلفة بألبسة تحتاج العمل والجهد قصد كشفها، والربح الدائم كما تدعي الحداثة، هو العيش بأقل التضليل والزيف الممكنين.
يرى طه عبد الرحمن في كل هذا المنجز الحداثي العملاق، بمنهجه الكاشف، دمارا وزيغا عن جادة الصواب. إنه تشويه ومسخ للإنسانية الحقة، التي لن تتحقق إلا بالحفاظ على الألبسة والأغطية الساترة. ففيها ضمان حقيقي لسلامته، وصون له من المروق والشرود، ومن ثم الشقاء والضياع. بل صون حتى للطبيعة التي تمت استباحتها، في تملك شنيع يهدد الوجود ومستقبل الأجيال اللاحقة. وهو ما بلوره طه في كتاب سابق له، بعنوان «الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري»، حيث دافع عن أولوية النظرة الملكوتية للعالم، المرتبطة عنده بالآيات على حساب النظر الملكي المرتكز على الظاهر من الطبيعة. ولنقل إن طه عبد الرحمن، يعطي الأسبقية «للمعنى»، والمقصود بذلك، الحكمة التي وجب العمل بها. فإذا ما أخدنا «ظاهرة سقوط المطر» مثالا، فهي تصبح آية، إذا ما جرى النظر إليها من جهة ما تختزنه من معان: كمعنى الحياة، أو البعث، أو الرحمة، أو النعمة، مصداقا لقوله تعالى، في سورة الأعراف 185: «أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء». بكلمة أخرى، هناك قراءتان للعالم: قراءة الأشياء وقراءة الآيات. وإن شئنا تماشيا مع موضوع مقالنا، نقول إن عزل العلم للنظرة الملكوتية وإبعادها، كان كشفا للباس الطبيعة وتعريتها، ما كان سببا في تدمير الطبيعة وهتكها.
نخلص إلى أن الألبسة المعنوية والروحية التي تغطي سواء الطبيعة أو الإنسان، والتي تراها منظومة التفكير الحداثية زيفا ومساحيق مضللة وجب التجرد منها، هي بالنسبة لطه عبد الرحمن، شرف للإنسان، وسمو به إلى مستوى الإنسانية الحقة، التي ينبغي أن تحافظ على فطريتها ما أمكن. فما العمل إذن؟ هل نجرد الإنسان ألبسته طمعا في الحقيقة؟ أم نتركها تغطيه سترا لسوءته؟



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.