منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

الإعلام وخطاباته حين يتحول إلى بنزين الحروب ومسحوقها التجميلي

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله
TT

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

ظن البعض خطأ، أن إعلام عصر المعلومات، ما هو إلا مجرد طغيان الوسيط الإلكتروني على باقي وسائط الاتصال الأخرى. لكنه في حقيقة الأمر، أخطر من ذلك بكثير. فالأهم، هو طبيعة الرسائل التي تتدفق من خلال هذا الوسيط الاتصالي الجديد، وسرعة تدفقها، وطرق توزيعها واستقبالها. ولقد نجم عن ذلك تغيرات جوهرية في دور الإعلام التي جعلت منه محورا أساسيا في منظومة المجتمع. وما يؤكد محورية الإعلام في حياتنا المعاصرة، ذلك الاهتمام الشديد الذي تحظى به قضاياه في الفكر الفلسفي والتنظير الثقافي المعاصر، محافظا كان، أو ثوريا أو حداثيا، أو ما بعد حداثي، رأسماليا كان أو ذا توجه ماركسي. خلاصة القول، لقد ساد الإعلام ووسائله الإلكترونية الحديثة ساحة الثقافة، حتى جاز للبعض، أن يطلق مصطلحات من قبيل: ثقافة الميديا، وثقافة التكنولوجيا، وثقافة الوسائط المتعددة. فكما لقب أرسطوا بـ«المعلم الأول»، حاز والت ديزني على لقب «المعلم الأعظم»، بعد أن باتت الثقافة وإعلامها وترفيهها، تصنيعا لا تنظيرا». لقد بدأ الإيمان بقوة وسائل الإعلام على التحكم في التوجيه، وبناء المواقف والاتجاهات، وتشكيل الرأي العام، من خلال الاستعراض، حسب جي ديبور (Guy Debord)، والاستهلاك المفرط، حسب جان بودريار (Jean Boudriard)، الذي تساهم في تأبيده وسائل الإعلام من خلال الإشهار. إنه على قارعة الطريق، وعلى لباسنا الخاص، وعلى مواد البناء، وواجهات المباني. لقد أضحى العلامة الوحيدة التي تحمل في ذاتها الدال والمدلول، من دون أي مرجعية واقعية. إن الشخص الذي يحاول جاهدا أن يظهر بتسريحة شعر الممثل «ليوناردو ديكابريو leonardo decaprio»، وربطة عنقه في مهرجان كان، يسعى، في الحقيقة، من خلال تقمصه الوجداني لشخصية هذا النجم، أن يكون النجم نفسه. وبالتالي، يمكن أن يصبح الكل «ليوناردو ديكابريو «leonardo decaprio»، من دون الاستناد إلى أي مرجع. وهذا ما جعل بودريار يؤكد على انهيار المبدأ المؤسس للواقع، الذي كان يتحدد في التصور الحداثي، بوجود علاقة وطيدة بين الدال والمدلول. وهنا تكمن الوظيفة الخطيرة والماكرة للإشهار بشكل خاص، والخطاب الإعلامي بشكل عام. إنه يسعى إلى توحيدنا مع رسالته من دون أن يترك لنا هامشا للاختيار. إنه يقول لنا لا يمكنكم أن تكونوا إلا من خلال وصفاتي السحرية. وهذا هو الإشهار الذي أصبح طاغيا في مشهدنا اليومي والإعلامي، سواء كان سمعيا، بصريا أو مكتوبا. إنه يدفعنا إلى استهلاك أكثر وإنجاز أقل. وفيما يتعلق بأسلوب الاستهلاك لدى الإنسان، فإننا عندما نحاول رصد ما يميز سلوك الإنسان في مجتمعات ذروة ما بعد الحداثة، مجتمعات الاستهلاك بلا حدود أو قيود، نجد المظهر الأكثر إثارة للانتباه، وهو الإفراط في الاستهلاك والإفراط في المتعة. شعار المجتمع الاستهلاكي يتلخص في «هل من مزيد؟» وهو شعار أصبح يتحكم فيه واجب المتعة، إلا أن الإنسان في مقابل هذا الإفراط في المتعة، يعاني من إفراط الضغوط عليه، ومن الإفراط في المطالب، ومن إفراط في المعانات النفسية. فهو إنسان ينهك نفسه بالإفراط في النشاط، حيث يطلب ويطالب دائما، بإنجاز أكبر. إنه عصر الصور والصورة الإشهارية التي لا يسمح لنا الحس الفلسفي والعلمي بالتعامل معها كصورة بريئة، وكعلامة دالة فقط على سلعة معينة. وبالتالي، نفي الخلفية الآيديولوجية وراء هذا السكون الخادع. بل أكثر من ذلك، للإشهار خاصة والإعلام عامة، قدرة على التوجيه الثقافي والتحكم السيكولوجي والاجتماعي، من خلال توظيفه للفانتازم والخيال الشعبي. من أجل توجيه الكل نحو الاستهلاك بطريقة اعتباطية وحشدية، وإظهارها للفرد بكونها معقولة، لأنها تسد حاجياته وتقرب منه الأحلام التي كانت تبدو بعيدة عليه. وذلك نلمسه من خلال اللغة الموظفة في الإشهار بعناية فائقة. فهي ليست لغة وصفية فقط، بل هي لغة أداتية وأدائية، أي أنها متجهة نحو الإنجاز، أي إثارة الرغبة من أجل حدوث الاستجابة التي تتمثل في فعل الشراء.
إن التطورات التي حدثت، وكذلك الإنتاج الجماهيري لأجهزة الفيديو والشاشات التلفزيونية الكبيرة والعريضة، وأجهزة الفاكس، والهواتف الجوالة، وكل ما حدث خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وما بعدهما، يبدو كله بمنزلة الطفرة في التعامل مع عالم الصورة. وهو ما يركز عليه الخطاب الإشهاري الذي يدفع الإنسان إلى الاستغراق في الاستهلاك داخل عالم يعتقد أنه يلبي حاجياته الأساسية. في حين أن هذا الإشهار لا يقوم إلا بجعله ناعما مخدرا وحالما، حتى لا يستشعر مراكمة الثروة من طرف الشركة العارضة للإشهار، ومن طرف إيديولوجياتها التي لا يهمها سوى خلق الرغبة لديه من أجل الاستهلاك.
في هذا السياق يلعب التلفزيون دورا مهما، كونه الأداة الإعلامية الأكثر قربا من الجمهور، والقادرة على إصابة الهدف. إنه عالم أكثر واقعية من الواقع: شوارع، سيارات، أميركا، برج إيفل، متحف اللوفر، الصين، روسيا... يمكنك أن تحس أن العالم أصبح قرية صغيرة بتعبير (مارشال ماكلوهانMarshal Mcluhan)، وأنت ثابت في مكانك، فلم يعد للمبدأ الثالث المرفوع الذي اعتبره أرسطو من مقتضيات مبدأ الهوية أي أساس، لأن العلاقة بين الدال والمدلول تحللت استراتيجيا بفعل قوة الميديا حسب بودريار.
إن الخطاب الإشهاري في هذا الإطار، وعن طريق التلفزيون، يخبرنا، بل يوهمنا، بأن صحتنا تهمه وجمالنا غايته، وأنه يقدم لنا السعادة. لكنه، في حقيقة الأمر، يبيعها لنا. إنه يحدد لنا ما نقول، وكيف نقول، وكيف نتجه، وكيف نسلك في حياتنا. وعلى حد تعبير بودريار، فالتلفزيون وسيلة ما فوق واقعية، أي أنها واقعية أكثر من الواقع، أو بعبارة أخرى «نحن نستمد وعينا بالواقع من التلفزيون»، فأي شيء لا يذاع في التلفزيون يعتبر أقل واقعية، لأن من خلاله تستمد القضايا السياسية أهميتها، وتكتسب السلعة والخدمات جاذبيتها، وحتى الكتب تستحق أن تقرا حين تظهر في التلفزيون. والتلفزيون يمتلك كل ما يذكره إيهاب حسن من صفات ما بعد حداثية: الاحتفاء بالصور على حساب الكلمة، وإحلال الإشباع العاطفي محل العقل، والولع بالانطباع بدل الإقناع، والتخلي عن المعنى والتمسك باللعب والتسلية. إن هذه القيم- قيم ما بعد الحداثة، هي خبز التلفزيون اليومي.
لقد أصبح الإشهار حاجة اقتصادية من أجل إثارة الرغبة، وخلق الحاجة إلى الشراء. «إن الغاية من الوصلة الإشهارية، هي الاستفراد بالمستهلك، وتوجيه رغباته، وتحديد حاجاته، وتنويعها واستبدالها بأخرى، ضمن دورة استهلاكية لا يمكن أن تتوقف عند حد بعينه. فمع الوفرة والتنوع، اشتدت المنافسة وتكاثرت الأسناد، واختلفت موادها. فكان أن حوصر المستهلك من كل الاتجاهات، ولم يعد بمقدوره أن يحتفظ بفكرة واحدة لمدة طويلة. فهو معرض لقنبلة لا تتوقف من الإرساليات التي تمنعه، في غالب الأحيان، من بلورة تصور منسجم»، و«لم يعد في مقدوره أن يتجنب التشويش الذي تحدته المنافسة والدعاية، والدعاية المضادة. فالإشهار لا يستأذن الدخول إلى المنازل أو الفضاءات العامة، إنه جزء من الديكور اليومي، وجبة إضافية يتناولها المستهلك كل يوم، سواء اشترى أم لم يشترِ. لذلك فإن صيرورته لا تقف في وجه مقتضيات الأخلاق بمفهومها الديني أو الإنساني العام، فكل شيء يمكن أن يستمر من أجل كسب (رضا) المستهلك».
إن الخطاب الإشهاري هو صناعة فعل إعلامي موجّه، وبقدر ما يحاول أن يكون بريئا ومحايدا، فهو يخفي حمولته الآيديولوجية، التي تتحكم فيها فكرة أساسية، وهي تسييد النزعة الاستهلاكية consomatisme وقيم الاستهلاك. وبالتالي فدراسة الخطاب الإشهاري والإعلامي في العالم العربي اليوم - خاصة في الإعلام السمعي البصري - يعتبر مطلبا راهنيا، - تجدر الإشارة إلى أن هناك مساهمات للباحثين العرب جد متميزة، مثل سعيد بنكراد، ونصر الدين العياضي، والصادق رابح، ومصطفى حجازي، ومحمد منير الحجوجي وغيرهم - نظرا لما تتميز به قوته الناعمة (Soft Power) على تشكيل الرأي العام (L›opinion publique)، والتأثير والتوجيه والتحكم في المواقف. إنه يخلق الرغبة ويثيرها نحو فعل الاستهلاك. من هنا يجب أن يستمد البحث في الإعلام وآليات اشتغال خطاباته راهنيته في العالم العربي. فدراسة سوسيولوجية الخطاب الإشهاري في الإعلام السمعي البصري، ودوره في بناء المواقف والاتجاهات النفسية الاجتماعية مثلا، يجب أن تكون دراسات نقدية تحليلية لآليات اشتغال الخطاب الإعلامي والإشهاري واستراتيجيات بنائه. كما يجب أن تكون قراءات في التعيين والتضمين بلغة كريماس A.Julien Gremas، لظاهر الخطاب الإعلامي والإشهاري في إخبارياته وفي مضمّنه، لكشف خلفياته الإيديولوجية وآليات بنائه، وخاصة في الظروف الإقليمية العويصة اليوم، التي يلعب فيها الإعلام وخطاباته بنزين الحروب ومسحوقها التجميلي.
إن الأطروحة الأساسية بنظرنا، والتي يجب أن توجه هذه الدارسات في الخطاب الإعلامي والإشهاري، يجب أن تتلخص في أن الخطاب الإشهاري، من خلال بلاغة الصورة الإشهارية وآليات بناء هذا الخطاب من: صورة، وتوظيف النجوم، له دور في بناء وتشكيل المواقف والاتجاهات النفسية الاجتماعية للأفراد، من أجل إثارة الرغبة، وخلق الحاجة لديهم، وتوجيههم نحو قيم مجتمع الاستهلاك. وللإجابة عن هذه الإشكاليات نقترح مجموعة من الفرضيات:
1 - آليات الإخبار التي يقدم بها الخطاب الإشهاري مثلا، والتي تسوقه بكونه محايدا، واعتماده لآليات: إثارة الانتباه بالخبر ومستجداته حول منتج معين، وكذلك اعتماده في بناء وصلته على آليات واستراتيجيات استيطيقية: (الصورة، الألوان، اللغة الشعبية)، والعرض المحايد للسلعة والخدمات. ففيما وراء الرضا والطمأنينة في المنتج المعروض للبيع، يسرب القلق والكآبة والشوق الدائم، إلى مطلق وهمي في الكينونة والامتلاك والرغبة في الاستهلاك، على حد تعبير سعيد بنكراد.
2 - «متضمن الإشهار والخطاب الإعلامي خلفيته آيديولوجية، تهدف إلى تنميط القيم، وخلق الرغبة الدائمة للاستهلاك والتقمص الوجداني. إنه يوجه ويشكل مواقف واتجاهات الأفراد، من خلال مختلف أشكال الربط ما بين السلعة والصحة والجمال والجاه والشباب، أو الحظوة والمغامرة... وهو ما لا تسهل مقاومته».
3 - في الوقت الذي يستهلك فيه الأفراد تحت إغراءات الإشهار منتوجا معينا، يستهلكون كذلك قيما وثقافة مصاحبة للمنتوج، هي قيم الاستهلاك. فنحن حينما نشتري منتوجا معينا نشتري أيضا قيم ذلك المنتوج.

* أستاذ الفلسفة

* إحالات
علي نبيل، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة العدد 276
محمد منير الحجوجي، القوات المسلحة الآيديولوجية، منشورات وجهة نظر.
عبد الحميد شاكر، عصر الصورة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 311 السنة 2005
إسماعيل محمد حسام الدين، الصورة والجسد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 2008
سعيد بنكراد، الصورة الإشهارية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2009
مصطفى حجازي، حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوات الأصولية، المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.