منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

الإعلام وخطاباته حين يتحول إلى بنزين الحروب ومسحوقها التجميلي

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله
TT

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

منطق المجتمع الاستهلاكي وبنيته وآليات اشتغاله

ظن البعض خطأ، أن إعلام عصر المعلومات، ما هو إلا مجرد طغيان الوسيط الإلكتروني على باقي وسائط الاتصال الأخرى. لكنه في حقيقة الأمر، أخطر من ذلك بكثير. فالأهم، هو طبيعة الرسائل التي تتدفق من خلال هذا الوسيط الاتصالي الجديد، وسرعة تدفقها، وطرق توزيعها واستقبالها. ولقد نجم عن ذلك تغيرات جوهرية في دور الإعلام التي جعلت منه محورا أساسيا في منظومة المجتمع. وما يؤكد محورية الإعلام في حياتنا المعاصرة، ذلك الاهتمام الشديد الذي تحظى به قضاياه في الفكر الفلسفي والتنظير الثقافي المعاصر، محافظا كان، أو ثوريا أو حداثيا، أو ما بعد حداثي، رأسماليا كان أو ذا توجه ماركسي. خلاصة القول، لقد ساد الإعلام ووسائله الإلكترونية الحديثة ساحة الثقافة، حتى جاز للبعض، أن يطلق مصطلحات من قبيل: ثقافة الميديا، وثقافة التكنولوجيا، وثقافة الوسائط المتعددة. فكما لقب أرسطوا بـ«المعلم الأول»، حاز والت ديزني على لقب «المعلم الأعظم»، بعد أن باتت الثقافة وإعلامها وترفيهها، تصنيعا لا تنظيرا». لقد بدأ الإيمان بقوة وسائل الإعلام على التحكم في التوجيه، وبناء المواقف والاتجاهات، وتشكيل الرأي العام، من خلال الاستعراض، حسب جي ديبور (Guy Debord)، والاستهلاك المفرط، حسب جان بودريار (Jean Boudriard)، الذي تساهم في تأبيده وسائل الإعلام من خلال الإشهار. إنه على قارعة الطريق، وعلى لباسنا الخاص، وعلى مواد البناء، وواجهات المباني. لقد أضحى العلامة الوحيدة التي تحمل في ذاتها الدال والمدلول، من دون أي مرجعية واقعية. إن الشخص الذي يحاول جاهدا أن يظهر بتسريحة شعر الممثل «ليوناردو ديكابريو leonardo decaprio»، وربطة عنقه في مهرجان كان، يسعى، في الحقيقة، من خلال تقمصه الوجداني لشخصية هذا النجم، أن يكون النجم نفسه. وبالتالي، يمكن أن يصبح الكل «ليوناردو ديكابريو «leonardo decaprio»، من دون الاستناد إلى أي مرجع. وهذا ما جعل بودريار يؤكد على انهيار المبدأ المؤسس للواقع، الذي كان يتحدد في التصور الحداثي، بوجود علاقة وطيدة بين الدال والمدلول. وهنا تكمن الوظيفة الخطيرة والماكرة للإشهار بشكل خاص، والخطاب الإعلامي بشكل عام. إنه يسعى إلى توحيدنا مع رسالته من دون أن يترك لنا هامشا للاختيار. إنه يقول لنا لا يمكنكم أن تكونوا إلا من خلال وصفاتي السحرية. وهذا هو الإشهار الذي أصبح طاغيا في مشهدنا اليومي والإعلامي، سواء كان سمعيا، بصريا أو مكتوبا. إنه يدفعنا إلى استهلاك أكثر وإنجاز أقل. وفيما يتعلق بأسلوب الاستهلاك لدى الإنسان، فإننا عندما نحاول رصد ما يميز سلوك الإنسان في مجتمعات ذروة ما بعد الحداثة، مجتمعات الاستهلاك بلا حدود أو قيود، نجد المظهر الأكثر إثارة للانتباه، وهو الإفراط في الاستهلاك والإفراط في المتعة. شعار المجتمع الاستهلاكي يتلخص في «هل من مزيد؟» وهو شعار أصبح يتحكم فيه واجب المتعة، إلا أن الإنسان في مقابل هذا الإفراط في المتعة، يعاني من إفراط الضغوط عليه، ومن الإفراط في المطالب، ومن إفراط في المعانات النفسية. فهو إنسان ينهك نفسه بالإفراط في النشاط، حيث يطلب ويطالب دائما، بإنجاز أكبر. إنه عصر الصور والصورة الإشهارية التي لا يسمح لنا الحس الفلسفي والعلمي بالتعامل معها كصورة بريئة، وكعلامة دالة فقط على سلعة معينة. وبالتالي، نفي الخلفية الآيديولوجية وراء هذا السكون الخادع. بل أكثر من ذلك، للإشهار خاصة والإعلام عامة، قدرة على التوجيه الثقافي والتحكم السيكولوجي والاجتماعي، من خلال توظيفه للفانتازم والخيال الشعبي. من أجل توجيه الكل نحو الاستهلاك بطريقة اعتباطية وحشدية، وإظهارها للفرد بكونها معقولة، لأنها تسد حاجياته وتقرب منه الأحلام التي كانت تبدو بعيدة عليه. وذلك نلمسه من خلال اللغة الموظفة في الإشهار بعناية فائقة. فهي ليست لغة وصفية فقط، بل هي لغة أداتية وأدائية، أي أنها متجهة نحو الإنجاز، أي إثارة الرغبة من أجل حدوث الاستجابة التي تتمثل في فعل الشراء.
إن التطورات التي حدثت، وكذلك الإنتاج الجماهيري لأجهزة الفيديو والشاشات التلفزيونية الكبيرة والعريضة، وأجهزة الفاكس، والهواتف الجوالة، وكل ما حدث خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وما بعدهما، يبدو كله بمنزلة الطفرة في التعامل مع عالم الصورة. وهو ما يركز عليه الخطاب الإشهاري الذي يدفع الإنسان إلى الاستغراق في الاستهلاك داخل عالم يعتقد أنه يلبي حاجياته الأساسية. في حين أن هذا الإشهار لا يقوم إلا بجعله ناعما مخدرا وحالما، حتى لا يستشعر مراكمة الثروة من طرف الشركة العارضة للإشهار، ومن طرف إيديولوجياتها التي لا يهمها سوى خلق الرغبة لديه من أجل الاستهلاك.
في هذا السياق يلعب التلفزيون دورا مهما، كونه الأداة الإعلامية الأكثر قربا من الجمهور، والقادرة على إصابة الهدف. إنه عالم أكثر واقعية من الواقع: شوارع، سيارات، أميركا، برج إيفل، متحف اللوفر، الصين، روسيا... يمكنك أن تحس أن العالم أصبح قرية صغيرة بتعبير (مارشال ماكلوهانMarshal Mcluhan)، وأنت ثابت في مكانك، فلم يعد للمبدأ الثالث المرفوع الذي اعتبره أرسطو من مقتضيات مبدأ الهوية أي أساس، لأن العلاقة بين الدال والمدلول تحللت استراتيجيا بفعل قوة الميديا حسب بودريار.
إن الخطاب الإشهاري في هذا الإطار، وعن طريق التلفزيون، يخبرنا، بل يوهمنا، بأن صحتنا تهمه وجمالنا غايته، وأنه يقدم لنا السعادة. لكنه، في حقيقة الأمر، يبيعها لنا. إنه يحدد لنا ما نقول، وكيف نقول، وكيف نتجه، وكيف نسلك في حياتنا. وعلى حد تعبير بودريار، فالتلفزيون وسيلة ما فوق واقعية، أي أنها واقعية أكثر من الواقع، أو بعبارة أخرى «نحن نستمد وعينا بالواقع من التلفزيون»، فأي شيء لا يذاع في التلفزيون يعتبر أقل واقعية، لأن من خلاله تستمد القضايا السياسية أهميتها، وتكتسب السلعة والخدمات جاذبيتها، وحتى الكتب تستحق أن تقرا حين تظهر في التلفزيون. والتلفزيون يمتلك كل ما يذكره إيهاب حسن من صفات ما بعد حداثية: الاحتفاء بالصور على حساب الكلمة، وإحلال الإشباع العاطفي محل العقل، والولع بالانطباع بدل الإقناع، والتخلي عن المعنى والتمسك باللعب والتسلية. إن هذه القيم- قيم ما بعد الحداثة، هي خبز التلفزيون اليومي.
لقد أصبح الإشهار حاجة اقتصادية من أجل إثارة الرغبة، وخلق الحاجة إلى الشراء. «إن الغاية من الوصلة الإشهارية، هي الاستفراد بالمستهلك، وتوجيه رغباته، وتحديد حاجاته، وتنويعها واستبدالها بأخرى، ضمن دورة استهلاكية لا يمكن أن تتوقف عند حد بعينه. فمع الوفرة والتنوع، اشتدت المنافسة وتكاثرت الأسناد، واختلفت موادها. فكان أن حوصر المستهلك من كل الاتجاهات، ولم يعد بمقدوره أن يحتفظ بفكرة واحدة لمدة طويلة. فهو معرض لقنبلة لا تتوقف من الإرساليات التي تمنعه، في غالب الأحيان، من بلورة تصور منسجم»، و«لم يعد في مقدوره أن يتجنب التشويش الذي تحدته المنافسة والدعاية، والدعاية المضادة. فالإشهار لا يستأذن الدخول إلى المنازل أو الفضاءات العامة، إنه جزء من الديكور اليومي، وجبة إضافية يتناولها المستهلك كل يوم، سواء اشترى أم لم يشترِ. لذلك فإن صيرورته لا تقف في وجه مقتضيات الأخلاق بمفهومها الديني أو الإنساني العام، فكل شيء يمكن أن يستمر من أجل كسب (رضا) المستهلك».
إن الخطاب الإشهاري هو صناعة فعل إعلامي موجّه، وبقدر ما يحاول أن يكون بريئا ومحايدا، فهو يخفي حمولته الآيديولوجية، التي تتحكم فيها فكرة أساسية، وهي تسييد النزعة الاستهلاكية consomatisme وقيم الاستهلاك. وبالتالي فدراسة الخطاب الإشهاري والإعلامي في العالم العربي اليوم - خاصة في الإعلام السمعي البصري - يعتبر مطلبا راهنيا، - تجدر الإشارة إلى أن هناك مساهمات للباحثين العرب جد متميزة، مثل سعيد بنكراد، ونصر الدين العياضي، والصادق رابح، ومصطفى حجازي، ومحمد منير الحجوجي وغيرهم - نظرا لما تتميز به قوته الناعمة (Soft Power) على تشكيل الرأي العام (L›opinion publique)، والتأثير والتوجيه والتحكم في المواقف. إنه يخلق الرغبة ويثيرها نحو فعل الاستهلاك. من هنا يجب أن يستمد البحث في الإعلام وآليات اشتغال خطاباته راهنيته في العالم العربي. فدراسة سوسيولوجية الخطاب الإشهاري في الإعلام السمعي البصري، ودوره في بناء المواقف والاتجاهات النفسية الاجتماعية مثلا، يجب أن تكون دراسات نقدية تحليلية لآليات اشتغال الخطاب الإعلامي والإشهاري واستراتيجيات بنائه. كما يجب أن تكون قراءات في التعيين والتضمين بلغة كريماس A.Julien Gremas، لظاهر الخطاب الإعلامي والإشهاري في إخبارياته وفي مضمّنه، لكشف خلفياته الإيديولوجية وآليات بنائه، وخاصة في الظروف الإقليمية العويصة اليوم، التي يلعب فيها الإعلام وخطاباته بنزين الحروب ومسحوقها التجميلي.
إن الأطروحة الأساسية بنظرنا، والتي يجب أن توجه هذه الدارسات في الخطاب الإعلامي والإشهاري، يجب أن تتلخص في أن الخطاب الإشهاري، من خلال بلاغة الصورة الإشهارية وآليات بناء هذا الخطاب من: صورة، وتوظيف النجوم، له دور في بناء وتشكيل المواقف والاتجاهات النفسية الاجتماعية للأفراد، من أجل إثارة الرغبة، وخلق الحاجة لديهم، وتوجيههم نحو قيم مجتمع الاستهلاك. وللإجابة عن هذه الإشكاليات نقترح مجموعة من الفرضيات:
1 - آليات الإخبار التي يقدم بها الخطاب الإشهاري مثلا، والتي تسوقه بكونه محايدا، واعتماده لآليات: إثارة الانتباه بالخبر ومستجداته حول منتج معين، وكذلك اعتماده في بناء وصلته على آليات واستراتيجيات استيطيقية: (الصورة، الألوان، اللغة الشعبية)، والعرض المحايد للسلعة والخدمات. ففيما وراء الرضا والطمأنينة في المنتج المعروض للبيع، يسرب القلق والكآبة والشوق الدائم، إلى مطلق وهمي في الكينونة والامتلاك والرغبة في الاستهلاك، على حد تعبير سعيد بنكراد.
2 - «متضمن الإشهار والخطاب الإعلامي خلفيته آيديولوجية، تهدف إلى تنميط القيم، وخلق الرغبة الدائمة للاستهلاك والتقمص الوجداني. إنه يوجه ويشكل مواقف واتجاهات الأفراد، من خلال مختلف أشكال الربط ما بين السلعة والصحة والجمال والجاه والشباب، أو الحظوة والمغامرة... وهو ما لا تسهل مقاومته».
3 - في الوقت الذي يستهلك فيه الأفراد تحت إغراءات الإشهار منتوجا معينا، يستهلكون كذلك قيما وثقافة مصاحبة للمنتوج، هي قيم الاستهلاك. فنحن حينما نشتري منتوجا معينا نشتري أيضا قيم ذلك المنتوج.

* أستاذ الفلسفة

* إحالات
علي نبيل، الثقافة العربية وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة العدد 276
محمد منير الحجوجي، القوات المسلحة الآيديولوجية، منشورات وجهة نظر.
عبد الحميد شاكر، عصر الصورة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 311 السنة 2005
إسماعيل محمد حسام الدين، الصورة والجسد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 2008
سعيد بنكراد، الصورة الإشهارية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2009
مصطفى حجازي، حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوات الأصولية، المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.