الانقلابيون يمحون آثار تفجيرات صنعاء.. و{عائلة العزاء} ترفض اتهام {التحالف}

الميليشيات تفشل في استهداف بارجة أميركية.. وواشنطن: الصاروخان أطلقا من أراضٍ تسيطر عليها ميليشيات الحوثي وصالح

صورة تبين  آثار الانفجار الذي هز مجلس عزاء بصنعاء السبت الماضي.. ويظهر سلامة هيكل القاعة مما يدحض ادعاءات الحوثيين بأن الحادث وقع نتيجة قصف جوي (ا.ف.ب)
صورة تبين آثار الانفجار الذي هز مجلس عزاء بصنعاء السبت الماضي.. ويظهر سلامة هيكل القاعة مما يدحض ادعاءات الحوثيين بأن الحادث وقع نتيجة قصف جوي (ا.ف.ب)
TT

الانقلابيون يمحون آثار تفجيرات صنعاء.. و{عائلة العزاء} ترفض اتهام {التحالف}

صورة تبين  آثار الانفجار الذي هز مجلس عزاء بصنعاء السبت الماضي.. ويظهر سلامة هيكل القاعة مما يدحض ادعاءات الحوثيين بأن الحادث وقع نتيجة قصف جوي (ا.ف.ب)
صورة تبين آثار الانفجار الذي هز مجلس عزاء بصنعاء السبت الماضي.. ويظهر سلامة هيكل القاعة مما يدحض ادعاءات الحوثيين بأن الحادث وقع نتيجة قصف جوي (ا.ف.ب)

ذكرت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات الانقلابية بدأت في إزالة وجرف آثار التفجير الذي وقع، السبت الماضي، في القاعة الكبرى في صنعاء، وأدى إلى مقتل وإصابة المئات، في وقت، رفضت عائلات الضحايا من أسرة الرويشان التي استهدف مجلس عزائها، الدعوات إلى الانتقام التي أطلقها المخلوع صالح وعبد الملك الحوثي، ودعت إلى التأني وانتظار نتائج التحقيقات.
وذكرت المصادر في صنعاء أن معدات وجرافات ثقيلة باشرت في إزالة الآثار من مكان الانفجار في القاعة الكبرى بشارع الخمسين في جنوب العاصمة، في إشارة إلى اكتفاء الانقلابيين بالاتهام المجرد للتحالف بقصف القاعة، وقطع الطريق أمام أي تحقيق مستقل في التفجير، في ظل الأصوات المحلية والعربية والدولية المتصاعدة والتي تطالب بتحقيق مستقل في التفجير لمعرفة أسبابه، والجهة أو الجهات التي تقف وراءه، خاصة في ظل نفي التحالف قصف طائرات للقاعة أو المنطقة التي توجد بها. وبحسب المعلومات التي سربت، فقد أصدرت قيادة الميليشيات توجيهاتها بإزالة آثار مكان التفجير بشكل عاجل، رغم معارضة قبائل خولان التي ينتمي إليها آل الرويشان. وقد أشارت مصادر قبلية في صنعاء إلى أن قبائل خولان أرسلت مجاميع مسلحة إلى صنعاء في محاولة لمنع إزالة آثار التفجيرات.
إلى ذلك، رفضت أسرة الرويشان، التي تعرض عزاؤها للتفجير، السبت الماضي، الانسياق وراء دعوات التصعيد والانتقام التي أطلقها المخلوع علي عبد الله صالح وعبد الملك الحوثي، في خطابين منفصلين، عقب التفجير مباشرة، وقال بيان مهر بتوقيع الشيخ محمد بن يحيى الرويشان: «فإننا عزمنا وتوكلنا على الله جل وعلا لتفويت الفرص على كل من لا خير فيهم لا لليمن ولا لأهلها من أي طرف كان»، ولم يشر إلى التحالف أو القصف من قريب أو بعيد، واعتبر الرويشان، في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن «وراء ما حدث، مؤامرة دنيئة، بل ومتجردة من كل القيم»، ودعا الرويشان «أهلنا وقبائل خولان الطيال، بل كل أبناء اليمن الشرفاء إلى التروي والصبر وضبط النفس حتى تظهر نتائج التحقيق الذي ستقوم به الأمم المتحدة، قريبًا»، على حد قوله.
وما زالت أصداء التفجيرات الغامضة التي وقعت في مجلس عزاء آل الرويشان، السبت الماضي، تهيمن على الشارع اليمني، وبات الحديث عن الجهة المتورطة هو الشغل الشاغل لكل الأوساط، فقد وجهت اتهامات الانقلابيين بقصف مجلس العزاء، بعاصفة من الانتقادات والتفنيد والاتهامات، أيضا، للانقلابيين وفي مقدمتهم المخلوع علي عبد الله صالح، وطرحت الكثير من التساؤلات حول الجهة المستفيدة مما حدث. وضمن النقاط التي تداولها النشطاء اليمنيون، والتي تستبعد تورط التحالف في القصف، أن سقف قاعة العزاء، تظهر فيه أعمدة الحديد التي تشكل أساس السقف سليمة، بما يشير إلى أن القصف لم يأت من الأجواء، إلى جانب عدم وجود أية صور تشير إلى وجود الفتحات أو الحفر في الأرض التي أحدثتها الصواريخ المزعومة.
وقال مراقبون لـ«الشرق الأوسط» إن التسجيل المصور (الفيديو) للقاعة أثناء التفجير، يخلق تساؤلات كثيرة عن الجهة التي قامت بالتصوير، والزاوية الواضحة للموقع، إلى جانب أنه، أي التسجيل، ظهر في قنوات الانقلابيين، وقد ركبت له أصوات الطائرات والصواريخ، فيما بثته وسائل إعلام أخرى دون أية إضافات، وظهر كتسجيل اعتيادي، كما أن المراقبين يتساءلون حول عدم وجود أي من القيادات الحوثية، على الإطلاق، ضمن ضحايا التفجير في القاعة، وهذه أسئلة وملاحظات، يتطرق إليها المراقبون وهم يتكئون إلى تغريدة للقيادي الحوثي حسن محمد زيد، الجمعة الماضية، أشار فيها إلى أن حدثًا كبيرًا سيقع السبت.
وتعد قبائل خولان الطيال، من أشهر القبائل اليمنية في جنوب صنعاء وتمتد قبليًا متداخلة إداريا مع محافظة مأرب، وهي من القبائل التي لم تشارك في الحرب الدائرة في اليمن إلى جانب الميليشيات، فيما ينتمي إليها عدد غير قليل من القيادات العسكرية والقبلية المؤيدة للشرعية. وقد جاء التفجير مع اقتراب المواجهات من أراضي القبيلة، حيث تجاوزت قوات الشرعية مديرية صرواح في مأرب، وباتت على مشارف مناطق محافظة صنعاء، من الجهة الشرقية الجنوبية.
على صعيد آخر، فشلت الميليشيات الانقلابية، أمس، في استهداف بارجة أميركية في عرض البحر. وقال متحدث عسكري أميركي، أمس، إن بارجة أميركية تعرضت لمحاولة هجوم صاروخي في المياه الدولية قبالة اليمن، دون أن ينجح الصاروخان في إصابة الهدف. ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» جيف ديفيز، قوله إن البارجة «يو إس إس ماسون» رصدت إطلاق صاروخين قادمين خلال فترة 60 دقيقة أثناء وجودها في البحر الأحمر قبالة ساحل اليمن، أول من أمس، وسقط الصاروخان في المياه قبل وصولهما إلى السفينة. وأضاف ديفيس أن الصاروخين، اللذين أطلقا من أراضٍ تسيطر عليها ميليشيات الحوثي وصالح، سقطا في المياه قبل الوصول إلى الهدف، مؤكدًا عدم وقوع إصابات أو تعرض البارجة لأي أضرار.
وكانت الميليشيات الانقلابية حذرت في وقت سابق من أنها ستستهدف أي سفن تدخل المياه الإقليمية اليمنية، دون إذن مسبق صادر من قبلها. وجاء تحذير الميليشيات الانقلابية عقب استهدافها الأسبوع الماضي لسفينة مدنية إغاثية إماراتية تحمل على متنها مواد إغاثية وجرحى إلى مدينة عدن جنوب البلاد، والتي تتخذ منها السلطة الشرعية عاصمة مؤقتة للبلاد إلى حين استعادة العاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين منذ 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
وقال الخبير العسكري اليمني، العميد ركن عباس صالح الشاعري، إنه كان متوقعًا وصول السفينتين الحربيتين الأميركيتين إلى البحر الأحمر وبحر العرب، بعيد حادثة استهداف السفينة الإماراتية التي تم قصفها بصاروخ من قبل ميليشيات الانقلاب أثناء عبورها في المياه الدولية الواقعة على مسافة لا تتعدى 7 كم بحري من المساحة التي تسيطر عليها الميليشيات في منطقة المخا الساحلية في البحر الأحمر جنوب غرب البلاد. وأضاف الشاعري لـ«الشرق الأوسط» أن قصف السفينة الإغاثية وفي ممر دولي من قبل الميليشيات أعطى إشارة إلى المجتمع الدولي بخطورة الوضع، وقدرة الميليشيات على استخدام القوة ضد أي سفن، لافتًا إلى أن مهاجمة السفن مثّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وأن على التحالف والقوى الكبرى التحرك إلى المنطقة لأجل حمايتها من الأعمال العسكرية أو الإرهابية أو القرصنة. وأشار الخبير اليمني إلى أن مهاجمة بارجة حربية بهذا الحجم يعد مؤشرًا خطيرًا، ويدل على أن الميليشيات ما زالت تحتفظ بقوة صاروخية تمكنها من مهاجمة أي سفينة عابرة عسكرية أو تجارية أو إغاثية، موضحًا أن استهداف البارجة الأميركية ربما قد يكون بمثابة الانتحار العسكري، ومحاولة بائسة للفت أنظار العالم الخارجي أكثر من اعتباره موجهًا للداخل وتحديدًا لأتباع الحوثيين. واعتبر العميد الشاعري وصول السفينتين إلى المنطقة بأنه ليس بمصلحة الميليشيات التي ورغم الرقابة المفروضة على السواحل اليمنية فإنها لم تستطع وقف تدفق كميات السلاح الثقيل إلى الانقلابيين، خاصة الصواريخ الباليستية والحرارية.



أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.


البنك الدولي: الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد اليمني

اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
TT

البنك الدولي: الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد اليمني

اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)

حذّر البنك الدولي من أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران يلقي بظلال قاتمة على مستقبل الاقتصاد اليمني، في وقت يواصل فيه البلد مواجهة أزمات مركبة ناجمة عن توقف صادرات النفط، وتراجع التمويل الإنساني، وضعف الموارد الحكومية، مؤكداً أن قدرة الحكومة اليمنية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي ستظل مرهونة بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية والحفاظ على الدعم الدولي.

وفي تقريره حول الوضع الاقتصادي في اليمن، الذي حمل عنوان «السباحة ضد التيار»، ذكر البنك الدولي أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنسبة 1.5 في المائة خلال عام 2025، متوقعاً استمرار التراجع بنسبة إضافية تبلغ 0.5 في المائة خلال العام الحالي، نتيجة الاختلالات الهيكلية المزمنة والصدمات الخارجية المتلاحقة.

وأوضح التقرير أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً اتخذت خطوات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، من بينها إعداد أجندة إصلاح شاملة للعام الحالي، وإقرار الموازنة العامة للدولة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء، عادّاً أن هذه الخطوات تستهدف ضبط أوضاع المالية العامة وتحسين إدارة الموارد.

الحرب في إيران ستؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في اليمن (إعلام محلي)

وأكد البنك الدولي أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة اليمنية يعتمد على الاستمرار في تطبيقها وتواصل الدعم الدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المالية العامة بعد توقف صادرات النفط، التي تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات.

وبالتزامن مع قرار الحكومة تحرير سعر الدولار الجمركي، أوضح التقرير أن الاقتصاد اليمني واصل مساره المليء بالتحديات خلال العام الماضي، مع استمرار توقف تصدير النفط، وضعف النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات نتيجة هشاشة بيئة الأعمال وشح التمويل المحلي وتراجع الطلب الداخلي.

أوضاع هشة

أشار تقرير البنك الدولي إلى انخفاض حاد في تمويل المساعدات الإنسانية في اليمن، إذ لم تغطِّ الأموال المخصصة لخطة الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة سوى 28 في المائة من الاحتياجات الفعلية خلال عام 2025، مقارنة بـ56.5 في المائة في العام السابق.

وطبقاً لبيانات البنك الدولي، تراجعت الإيرادات الحكومية إلى 5.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متأثرة بانخفاض المنح الخارجية، وهو ما انعكس على قدرة الحكومة في تغطية رواتب الموظفين العموميين وإعانات الدعم والإنفاق الأساسي، الأمر الذي كشف ضيق الحيز المالي المتاح أمام السلطات.

هجمات الحوثيين حرمت الحكومة اليمنية من تصدير النفط (إعلام محلي)

على الصعيد النقدي، رأى البنك الدولي أن إجراءات البنك المركزي اليمني لتثبيت سعر الصرف أسهمت في استقرار قيمة الريال اليمني بعد موجة تراجع حادة شهدها في أغسطس (آب) من العام الماضي، مدعومة بتدفقات خارجية شملت دعماً مالياً سعودياً.

وأضاف التقرير أن هذه الإجراءات أسهمت في الحد من التضخم، إلا أن الوضع الاقتصادي لا يزال هشاً في ظل ضعف التحويلات المالية والصادرات والمساعدات الخارجية، التي تمثل مصادر رئيسية للدخل في البلاد.

كما نبه البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني يظل معرضاً بصورة كبيرة للصدمات الخارجية، بسبب اعتماده الواسع على الواردات لتأمين السلع الأساسية، الأمر الذي يجعله أكثر حساسية لأي اضطرابات إقليمية أو ارتفاع في تكاليف النقل والشحن.

توقعات غامضة

في شأن تأثير التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية، قال البنك الدولي إن تصاعد التوترات الإقليمية يزيد من غموض التوقعات الاقتصادية لليمن، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الواردات، ما يجعلها أكثر عُرضة لارتفاع الأسعار العالمية واضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن.

ورأى معدّو التقرير أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يعيش فيه نحو ثلاثة أرباع السكان تحت خط الفقر، بينما تعاني شريحة واسعة من انعدام الأمن الغذائي.

وقالت مديرة مكتب البنك الدولي في اليمن، دينا أبو غيدة، إن الاقتصاد اليمني «لا يزال يواجه تحديات عميقة، مع محدودية هوامش الأمان الضرورية لاستيعاب الصدمات الجديدة»، مؤكدة أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ودعم الخدمات الأساسية وفرص العمل يتطلب استمرار دعم شركاء التنمية، إلى جانب إحراز تقدم نحو السلام والاستقرار المؤسسي.


الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)

كثّفت الحكومة اليمنية من تحركاتها لطمأنة السكان مع بدء تنفيذ قرار تحرير سعر الدولار الجمركي، مؤكدةً أن القرار لن ينعكس على أسعار السلع الأساسية، وأنه يقتصر على السلع الكمالية وغير الضرورية، في حين تبقى المواد الغذائية والأدوية الأساسية معفاة من الرسوم الجمركية.

جاءت التحركات الحكومية وسط مخاوف وشكاوى متزايدة من السكان بشأن احتمال استغلال التجار قرار رفع أسعار الديزل بنسبة 24 في المائة، إلى جانب تحرير سعر الدولار الجمركي بنسبة تصل إلى 100 في المائة، لفرض زيادات كبيرة على أسعار السلع، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى.

وأكد وزير الصناعة والتجارة اليمني، محمد الأشول، أن السلع الأساسية المعفاة جمركياً لن تتأثر بقرار تحريك سعر الدولار الجمركي، مشدداً على أن القرار يطول السلع الكمالية فقط وبنسب محدودة لا تمس الاحتياجات الأساسية للسكان.

وزارة الصناعة والتجارة اليمنية كثّفت تحركاتها لطمأنة السكان (إعلام حكومي)

وقال الأشول إن الحكومة تضع تحسين الأوضاع المعيشية للسكان في مقدمة أولوياتها، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وحماية السوق المحلية من الاختلالات والممارسات الاحتكارية.

وأشار الوزير إلى أن صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 في المائة لموظفي الدولة، واعتماد العلاوات السنوية المستحقة للأعوام من 2021 إلى 2024، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً، يعكس توجه الحكومة نحو الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والتخفيف من الأعباء المعيشية عن السكان.

لجان رقابة وتحذيرات للتجار

دعا وزير الصناعة والتجارة اليمني القطاع الخاص والتجار إلى الالتزام بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وعدم استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مؤكداً أن الوزارة تتابع بصورة مستمرة حركة الأسواق والتغيرات السعرية بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وجدد الأشول تأكيد أهمية الشراكة مع القطاع الخاص بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق، داعياً التجار إلى التعاون مع الحكومة للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية وتعزيز الثقة بالسوق المحلية، في ظل استقرار أسعار الصرف والجهود الحكومية المستمرة لضبط الأوضاع الاقتصادية.

شكاوى يمنية من ارتفاع الأسعار وضعف فاعلية الرقابة (إعلام محلي)

وفي ظل تشكيك سكان بقدرة الوزارة على ضبط أسعار السلع، رغم التحسن الكبير في سعر العملة المحلية منذ منتصف العام الماضي، أعلن الأشول تشكيل لجان ميدانية وفرق رقابة في مختلف المحافظات للنزول إلى الأسواق وضبط المخالفات ومنع الاحتكار والمغالاة، بالتعاون مع السلطات المحلية والنيابات العامة والأجهزة الأمنية.

وتعهد الوزير بعدم تهاون الوزارة مع أي تجاوزات تمس استقرار السوق أو تثقل كاهل السكان، مشيراً إلى أن وزارة الصناعة والتجارة تمتلك منصة إلكترونية لتلقي البلاغات والشكاوى من السكان، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك وقف السجلات التجارية وإدراج المتجاوزين ضمن القوائم السوداء في حال استمرار المخالفات.

رهان على زيادة الإيرادات

أكدت مصلحة الجمارك اليمنية أن قرار تحرير سعر الصرف الجمركي لن ينعكس على الوضع المعيشي أو يمس احتياجات السكان الأساسية، موضحةً أن السلع المشمولة بالإعفاءات تشمل القمح والأرز والأدوية المدرجة ضمن القائمة الوطنية، بوصفها ركائز أساسية للأمن الغذائي والصحي.

وقالت المصلحة، في بيان، إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الضرورية، التي ظلت خلال السنوات الماضية تستفيد من احتساب الرسوم الجمركية وفق سعر صرف منخفض لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة في السوق، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للخزينة العامة.

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر استقراراً وعدالة وكفاءة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، ومعالجة الاختلالات القائمة، وتحسين كفاءة تحصيل الموارد العامة بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

الحكومة اليمنية تتوقع زيادة كبيرة في الإيرادات (إعلام حكومي)

ووفقاً لمصلحة الجمارك، فإن تحرير سعر الصرف الجمركي من المتوقع أن يحقق زيادة كبيرة في الإيرادات العامة خلال العام الجاري مقارنةً بعام 2025، وهو ما يمثل مورداً مهماً لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزاماتها الأساسية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وأضافت المصلحة أن الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية والجمركية ستساعد الحكومة على تعزيز الخدمات العامة وصرف المرتبات، في وقت تواجه فيه الحكومة تداعيات الحرب التي يشنها الحوثيون، والتي أدت إلى تعطيل جزء كبير من موارد الدولة، خصوصاً عائدات تصدير النفط.

مخاوف من موجة غلاء

بيّنت مصلحة الجمارك اليمنية أن استمرار احتساب الرسوم الجمركية بسعر صرف أقل بكثير من السعر الحقيقي في السوق كان يؤدي إلى فجوة كبيرة في الإيرادات، استفادت منها فئات محددة من المستوردين والتجار الذين كانوا يدفعون رسوماً منخفضة، بينما يتم تسعير كثير من السلع للمستهلك وفق أسعار السوق الفعلية.

وأوضحت أن هذا الوضع خلق تشوهات اقتصادية واختلالات في العدالة الضريبية والجمركية، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل مواردها السيادية بصورة عادلة وكفؤة.

وربطت المصلحة نجاح قرار تحرير سعر الصرف الجمركي بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة، ضمن رؤية حكومية تستهدف توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة الاختلالات السعرية، وتحسين كفاءة التحصيل الجمركي والضريبي، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة التهرب والفساد.

وأكدت أن الحكومة وجّهت الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي محاولات لاستغلال القرار في فرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مشيرةً إلى أن الأجهزة الرقابية والتموينية ستواصل متابعة حركة الأسعار وضبط المخالفات ومنع أي ممارسات احتكارية أو استغلالية تضر بالسكان.