إنعام كجه جي: «طشّاري» تعبير عن حالة الشتات العراقي الراهن

اختيرت روايتها ضمن القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العربية

TT

إنعام كجه جي: «طشّاري» تعبير عن حالة الشتات العراقي الراهن

ربما من سخرية الأقدار أن الرواية العراقية، منذ الاحتلال الأميركي لبغداد، في تألق مستمر، إذ سطعت أسماء كثيرة من أبناء الرافدين في سماء السرد العربي وخطت أقلامهم نصوصا جريئة سعت إلى تفكيك الشخصية العراقية في فترة حرجة من تاريخ البلاد، أقل ما يمكن أن توصف به أنها مأساة.
وفي خضم هذه الطفرة الروائية خرجت إنعام كجه جي، الكاتبة والصحافية العراقية المقيمة في باريس منذ عقود، التي بدأت مشروعها الروائي بـ«سواقي القلوب» (2005، المؤسسة العربية) ثم «الحفيدة الأميركية» (2008، دار الجديد)، عملها الأول الذي يصل إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في 2009. أما ثالث أعمالها الروائية «طشّاري» (2013، دار الجديد) فاستطاع أيضا أن يصل إلى نفس القائمة هذا العام. تقول كجه جي إنه جاء «للتعبير عن حالة الشتات العراقي الراهن».
وهنا حوار معها عن روايتها هذه، وأعمالها الأخرى:

> «طشّاري» عنوان غريب قد يستعصي على القارئ غير العراقي. ما معنى هذه الكلمة وكيف وقع الاختيار عليها؟
- قد يكون الاسم غريبا لكن معناه كامن في سياق الرواية. إنها طلقة بندقية الصيد التي تنفجر في عدة اتجاهات. ورغم إدراكي لغرابة العنوان فإنني لم أجد ما هو أفضل منه للتعبير عن حالة الشتات العراقي الراهن.
> «هذا هو الإليزيه إذن»، تقول وردية، اللاجئة العراقية في فرنسا، مفتتحة «طشّاري». الجملة لا تحمل معنى محددا. هل هي انعكاس لشعور اللاجئ بالإحباط من المكان الغريب أم الشوق إليه؟
- لا هذه ولا تلك. لقد سمعت وردية كثيرا عن قصر «الإليزيه» لكنها عندما وقفت أمامه وجدته مبنى قديما بحراسة عادية ورصيف بسيط يسير عليه المارة العابرون دون أن يمنعهم جدار إسمنتي أو يردعهم شرطي. إنها تقارن ما ترى بما تعرف عن القصور الرئاسية والمناطق المحظورة في بلدها.
> «طشّاري» عمل يتتبع مسيرة حياة طبيبة عراقية بين الموصل وبغداد والديوانية وصولا إلى فرنسا. إلى أي حد تجسّد وردية مأساة الشخصية المسيحية في العراق؟ وهل برأيك يعاني مسيحيو الشرق من أزمة هوية؟
- أزمة هوية؟ كلا بالتأكيد. إنهم من أقدم أهل البلاد وجزء أصيل من نسيجها الاجتماعي. ولا أظن أن هناك مأساة تختص بما تسميه «الشخصية المسيحية»، بل واقع مرير يثقل على العراقيين ككل بحيث بات يهدد مكونات الشخصية العراقية. أزمة الهوية موجودة لدى من يضيق فكره عن استيعاب أن مسيحيي الشرق هم أبناء هذه الأرض وليسوا دخلاء طارئين ولا «جالية» كما يتوهم بعض الطائفيين.
> تتحدث وردية في بداية الرواية لتصف ما حل بالعراق عن «ساحرة تطرد أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا، تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يحل بهم». هل رمز الساحرة إشارة مبطنة إلى وجود طرف محدد مسؤول عن تفتت المجتمع العراقي؟
- قد يدس الروائي صورا من الواقع في تلافيف الخيال دون أن يكون من مهماته أن ينصب قفص اتهام. مع هذا أقول لك إن المجتمعات لا تتفتت بفعل عوامل خارجية فحسب، والمثل البليغ يقول: «دود الخل منه وفيه». كما أعترف بوجود «إشارات مبطنة» في كتاباتي، والمثل الساخر يقول: «البطانة أغلى من الوجه».
> يقوم المراهق إسكندر، أو حفار القبور كما يسميه والده، بتصميم مقبرة إلكترونية يجمع فيها الأرواح الافتراضية لعراقيي المنفى، الأمر الذي يعيد إحياء علاقته بالمكان الذي ينتمي إليه ولكن لا يعرفه، خصوصا أنه عاش في باريس بعيدا عن العراق. هل نبش الذاكرة حرفة المهاجر؟
- نبش الذاكرة حرفة المهاجر والمقيم في بلادنا. هل تظن أن الساكنين هناك، في البصرة وحلب والكويت وبيروت والإسكندرية، لا يعانون من مطارق الذاكرة؟ لا يحملون لوعة السؤال الممض: أين كنا وأين أصبحنا؟ لعل المنفى الداخلي أشد مضاضة على المرء من وقع المَهجر أو المنفى الخارجي.
> تتداخل ثيمتا الموت والحياة في الرواية بشكل ملحوظ من خلال مقبرة إسكندر الافتراضية وشخصية وردية، الطبيبة النسائية التي «تملص الأبناء من بطون الأمهات». إلى أي حد تداخلت الحدود الفاصلة بين الموت والحياة في عراق اليوم؟
- الجواب موجود في مطالعة الجرائد ونشرات الأخبار، وهو يبعث على التشاؤم، لكنني أجتهد لأطرده من نفسي ومن كتاباتي لأنني أعرف أي شعب محب للعيش هو هذا الشعب. والحضارات لا تبنيها سوى الأقوام التي تتمسك بالحياة، فتروض الحيوان وتدوزن يومياتها على إيقاعات الطبيعة، أي الشمس والمطر والفيضانات وعواصف الرمل. تشيد المدن وتخترع العجلة وتسن القوانين وتنحت حسناوات الحضر في نينوى وتبتدع الثيران المجنحة. هل نحن أقل همة من أجدادنا؟ لعل إسكندر، بطلي الصغير، هبّ لنجدتي عندما لجأ إلى فكرة المقبرة الإلكترونية. إنها حل مؤقت يرضي بشرا يحبون الحياة ويرحلون في طلبها و«يتطشرون» في القارات البعيدة. يؤرقهم أن تتباعد خطواتهم وخطوات أحبتهم بسبب عشوائية الرحيل. مقبرة تضج بالموسيقى والألوان والشجر والفنون وتطير على جناح الخيال.
> تقول وردية إنها «لا تريد أن تنزلق إلى فخ الحنين.. إنه مرض نفسي يهاجم أهل الهشاشة ويصيب المهزومين». هل وقعت إنعام كجه جي في شراك النوستالجيا أثناء كتابتها لـ«طشّاري»، خصوصا أنك تقيمين في المهجر منذ عقود؟
- النوستالجيا لا تمهل ولا تؤجل شراكها إلى ما بعد ثلاثين عاما. ومن حظي أنني أقيم في أكثر البلدان الأوروبية نشاطا ثقافيا عربيا. وكان صديقنا الأديب المغربي محمد الباهي يصف باريس بأنها قلب العروبة النابض. وهو اختيار نابع من حاجتي إلى ترف الحرية، ولم أكن لاجئة ولا منفية. أما استعادة سيرة الدكتورة وردية حجّة للكتابة عن عراق الأمس فليست حنينا بقدر ما هي من واجباتي كأُم إزاء أبنائي. إن البلد الذي يشاهدون ورفاقهم حرائقه ونزيفه على الشاشة، كل يوم ومنذ سنوات، لم يكن أرض مفخخات واغتيالات، بل هو وطن عريق وكريم ويطيب العيش فيه. ولا تسألني متى. هناك زمن ما قبل السفاهة وزمن ما بعدها.
> في القسم الأخير من الرواية الذي يدور حول حياة الابنة هندة، هناك وصف مسهب للسكان الأصليين لإحدى المناطق النائية في كندا. لماذا جاء التركيز على الهنود الحمر بالذات؟ وهل باعتقادك أن مثل هذا التشعب يبعد النص عن موضوعه الأساسي، أي التغريبة العراقية؟
- هندة هاجرت إلى كندا لتعمل طبيبة هناك فلم تجد وظيفة إلا في مانيتوبا، منطقة السكان الأصليين. وبهذا فإنها تمر بما مرت به والدتها من «الخدمة في الأرياف والمناطق النائية» التي كانت مفروضة على الخريجين الجدد في العراق. وما تراه تشعبا يمكن أن يكون تواصلا وتقاربا بين المصائر. أما «التغريبة العراقية» فقد يصلح عنوانا شاعريا للرواية، على أمل ألا نصبح «هنودا حمرا» مسلوبي الماضي.
> أسماء كثيرة لمعت في سماء السرد العراقي خصوصا بعد الغزو الأميركي لبغداد، مثل حسن بلاسم وأحمد سعداوي وسنان أنطون وغيرهم ممن تناولوا دموية المشهد العراقي، لكن ما يميز عملك الأخير عن غيره هو الابتعاد عن الوصف المباشر لآليات العنف على الرغم من أن الحرب هي المحرك الأساسي للعمل. كيف ترين ذلك؟
- لا أدري كيف أراه. وآليات العنف تتعبني ولن أبرع في وصفها بالمهارة التي تُنفذ بها على الأرض. امنحني السلام وأنا أصفه لك وأتجلى في تأثيث زواياه وابتداع شخصياته. ألا ترى أن الغرفة الدافئة المضاءة هي التي تمنحنا الإحساس الأقوى بحلكة الخرائب؟
> هذه هي المرة الثانية التي يصل فيها اسم إنعام كجه جي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) بعد «الحفيدة الأميركية» في 2009. ما شعورك؟ وكيف ترين دور «البوكر» في إيصال الرواية العربية إلى العالم؟
- سعيدة طبعا. ولو نجحت «البوكر» وغيرها من الجوائز الأدبية في إيصال الرواية العربية إلى القراء العرب لكان ذلك كافيا ويستحق الامتنان.
> هذه السنة وصلت روايتان عراقيتان إلى القائمة القصيرة لـ«لبوكر». هل هو انعكاس لتطور السرد العراقي أم أنها مجرد مصادفة؟
- بل لتطور السرد العراقي وصدور عشرات العناوين كل عام. نحن نعيش فورة روائية حقيقية وكأن كل كاتبة وكاتب فينا يجتهد للقبض على هزّة الأرض العراقية ورصد ذبذباتها من زاويته. هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن شروط النشر ليست ميسّرة ولا جهات ثقافية تدعم الروائيين الشباب. إن الروايتين في القائمة القصيرة مجرد عينة متواضعة من الفيض الصاخب.



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.