الحمام والبالونات والقرصنة الإلكترونية.. حرب الباكستانيين «الناعمة» على الهند

يستخدمونها لبعث رسائل شديدة اللهجة وانتقاد التحركات العسكرية على الحدود

متظاهرات يرفعن شعارات معادية للحكومة الهندية في سريناغار بكشمير أمس (أ.ف.ب)
متظاهرات يرفعن شعارات معادية للحكومة الهندية في سريناغار بكشمير أمس (أ.ف.ب)
TT

الحمام والبالونات والقرصنة الإلكترونية.. حرب الباكستانيين «الناعمة» على الهند

متظاهرات يرفعن شعارات معادية للحكومة الهندية في سريناغار بكشمير أمس (أ.ف.ب)
متظاهرات يرفعن شعارات معادية للحكومة الهندية في سريناغار بكشمير أمس (أ.ف.ب)

مع انهماك كل من الهند وباكستان في الانتقام سواء بالكلمات أو بالنيران على الحدود، يستخدم المواطنون الباكستانيون الحمام والبالونات، والموسيقى، للتعبير عن غضبهم في وجه الهند.
اعترضت أجهزة الأمن الهندية حماما، ووجدت بالونات تحمل كلمات مسيئة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وانتقادات له، وتهديدات بتلقين الهند درسًا، داخل الأراضي الهندية على مدى الأسبوع الماضي. كانت البالونات تهبط كل يوم في قرى هندية على بعد كيلومترين من الحدود مع باكستان، وتم اعتراض ثلاث حمامات تحمل رسائل مشفرة.
منذ الهجوم الإرهابي، الذي تم شنّه الشهر الماضي على معسكر للجيش الهندي في أوري والذي أسفر عن مقتل 20 جنديا هنديا، وما تلاه من بيان عسكري هندي بتنفيذ عمليات محددة الهدف على مواقع انطلاق الهجمات على طول الشريط الحدودي الفعلي، الذي يقطع إقليم كشمير، ويقسمه إلى جزء تابع للهند وآخر لباكستان، حاول الجانب الباكستاني عدة مرات إنكار هذه المزاعم، بل وأيضًا تنظيم حملة دعائية مضادة للهند. وتصاعدت التوترات من الجانبين على الصعيدين السياسي والمدني.
مع ذلك بدأ المواطنون المدنيون الباكستانيون حملتهم ضد الهند باستخدام طرق مبتكرة ومرحة. وكان هذا فحوى الرسالة، التي عثر عليها حرس الحدود الهندي على حمام رمادي اللون بالقرب من موقعهم، أن كل طفل الآن مستعد لقتال الهند؛ وحمل الطائر الرسالة مكتوبة على جسمه. وكان جزء من الرسالة مكتوبًا بالأردو، وهي اللغة الرسمية لباكستان. وتضمنت الرسالة أيضًا رقم هاتف باكستاني، مع توقيع «عسكر طيبة»، إحدى الجماعات الإرهابية الموجودة في باكستان، بحسب ما ذكره محققون.
واعترض جنود الهند حمامة أخرى، كان ريش ذيلها مصبوغًا بالأزرق بسبب الحبر، الذي تم استخدامه في الكتابة الأردو، مع رقم مكون من أحد عشر رقمًا، على حد قول ريسفال سينغ، مفتش مساعد في الشرطة. وتم استدعاء رجل دين مسلم للمساعدة في فكّ شفرة الرسالة، التي تبين أنها تحمل تحذيرات للهنود.
مع ذلك لا تعد الشكوك التي تحوم حول الطيور على طول الحدود بالأمر الجديد؛ فخلال العام الماضي، تم اكتشاف حمامة تحمل رقمًا غامضًا مكتوبًا على ريشها، وقبلها كانت هناك حمامة أخرى بها جهاز إرسال، مما أثار الشكوك في عمليات تجسس، والتي تعد من أكبر مخاوف السلطات من الجانبين.
وهبطت حمامة أخرى على منزل مشيد من الطوب للحلاق رامش تشاندرا في قرية مانوال، التي تقع على بعد نحو خمسة كيلومتر عن الحدود. وكان ما أثار شكوك الحلاق البالغ من العمر 14 عامًا، هو وجود علامات بالأردو. وتوجه رامش فورًا إلى أقرب مركز للشرطة وبحوزته الطائر «الجاسوس». وبعد فحص الطائر، تم وصف الطائر بالـ«جاسوس المشتبه به» في سجل محاضر الشرطة الرسمية للمنطقة. خلال شهر يوليو (تموز) العام الحالي، تم الإمساك بحمامة غير محددة الملامح مكتوب عليها باللغة العربية، وفي أرجلها حلقات، في ولاية غوجارات غربي الهند. وكان مكتوبًا على الرجل اليسرى للحمامة رقم 347867 / 0921، في حين كان مكتوبًا على رجلها اليمنى رقما آخرا هو201662431 PPA.
لطالما لعب الحمام دورًا مهمًا في الحرب؛ فبسبب قدرته على العودة إلى دياره، وسرعته الكبيرة، وقدرته على الطيران المرتفع، كثيرًا ما تم استخدامه من طرف الجيوش. وكان يتم استخدام الحمام الزاجل من سلالة «المتسابق للعودة إلى الديار» لتوصيل الرسائل خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، وتم منح 32 حمامة من تلك المجموعة ميدالية «ديكين».
من الملحوظ أن السكان المقيمين على جانبي الحدود يربون الحمام كهواية، وأحيانا يكتبون أرقام هواتفهم وعناوينهم على الطيور للاستدلال بها إذا ما ضلت الطريق، ويعد وسم الحمام علامة لتمييزه في القرى الحدودية الواقعة على جانبي الحدود أمرًا شائعًا. مع ذلك أحيانا تستخدم عناصر مفسدة مخربة على الحدود الحمام لنشر رسائل تحريضية كما حدث في الحالة التي نتناولها هنا. كذلك فتحت السلطات الهندية تحقيقًا لمعرفة أصل البالونات «الغامضة»، التي تحمل رسائل بالأردو، والتي تم الحصول عليها من عدة مواقع على طول الحدود مع باكستان. وتم توجيه رسائل مكتوبة مرفقة بالبالونات إلى رئيس الوزراء الهندي، متحدية إياه بـ«تجربة واكتشاف شجاعة وبسالة القوات المسلحة الباكستانية».
وشوهدت بعض من تلك البالونات على ارتفاع يتراوح بين 8 و10 كلم. وكان قطر أكثر تلك البالونات يتراوح بين بوصة وبوصتين. ورغم أن تلك البالونات حملت رسائل مختلفة، كانت تتمحور جميعها حول موضوع واحد؛ وهو انتقام باكستان.
استهدفت بعض الرسائل النساء الهندوسيات ووصفتهن بأوصاف مهينة. وتأتي هذه الأحداث في وقت يتم فيه إخلاء المناطق الحدودية من المدنيين، حيث تم الطلب من السكان مغادرة قراهم إلى مسافة تبعد أكثر من عشرة كلم عن الحدود. من الملامح الأخرى للعبة الدعاية الباكستانية قراصنة الإنترنت، والموسيقى الباكستانية الوطنية.
ويواجه قائدو الطائرات الهندية، التي تهبط بالقرب من الشريط الحدودي الفعلي، مشكلة كبيرة هذه الأيام، حيث يخترق قراصنة الإنترنت الباكستانيون تردد الاتصال الذي يستخدمه الطيارون، عن طريق برج المراقبة في جامو، ويبثون أغاني مثل «ديل ديل باكستان، جان جان باكستان». ويحدث هذا الاختراق للتردد الخاص بالهند منذ فترة. يتوخى الطيارون، الذين يهبطون في جامو الحذر، فعند المناورة من أجل الهبوط على الممرات، يمرون على مقربة كبيرة من الشريط الحدودي الفعلي. كذلك اخترق قراصنة الإنترنت من باكستان الموقع الإلكتروني للجنة الخضراء الوطنية الهندية. ووصفت المجموعة، التي أطلقت على نفسها اسم «دارك أنجيل» «الملاك الأسود»، الأمر بأنه انتقام للضربات محددة الأهداف، التي وجهها الجانب الهندي، في 29 سبتمبر (أيلول) .
كانت الرسالة، التي تركتها المجموعة على الموقع الإلكتروني، مفادها «لا يمكن هزيمتنا، إنكم تقتلون الأبرياء في كشمير، وتدّعون أنكم تدافعون عن بلادكم. إنكم تنتهكون اتفاق وقف إطلاق النار، وتسمون ذلك «هجمات محددة الهدف». ذوقوا الآن مرارة حرب الإنترنت»؛ وكان النشيد الوطني الباكستاني يذاع في خلفية الرسالة.
وهناك مزاعم بقيام بعض الحشود من الجانب الباكستاني بإلقاء الحجارة على الجانب الهندي أثناء مراسم الانسحاب على معبر وجاه بين البلدين. مع ذلك، لم يسفر ذلك عن أي إصابات. ورغم إلقاء الحجارة على الجانب الهندي، ورفع بعض الجمهور الباكستاني شعارات معادية للهند، ومؤيدة لضمّ إقليم كشمير، أتمّ حرس الحدود من البلدين المراسم. ويقوم حرس الحدود من الهند وباكستان بإجراء مراسم الانسحاب في معبر وجاه عند الغروب كل مساء. ويشاهد المئات من سكان البلدين المراسم التي تستغرق 30 دقيقة يوميًا.
وبعد التوترات الأخيرة، التي شهدتها العلاقة بين القوتين النوويتين، عقب تنفيذ الجيش الهندي لهجمات محددة الهدف على الشريط الحدودي الفعلي من أجل تدمير مواقع انطلاق الهجمات، توقفت تلك المراسم تمامًا. وتعكرت العلاقة بين البلدين بعد هجوم أوري، إذ تبذل الهند قصارى جهدها من أجل عزل باكستان.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...