الطويبي.. يصطاد الشعر بـ«رمية حجر»

صدرت ترجمته إلى الفرنسية ضمن مهرجان «سيت» بفرنسا

عاشور الطويبي - غلاف المجموعة
عاشور الطويبي - غلاف المجموعة
TT

الطويبي.. يصطاد الشعر بـ«رمية حجر»

عاشور الطويبي - غلاف المجموعة
عاشور الطويبي - غلاف المجموعة

تنشغل نصوص ديوان «رمية حجر» للشاعر الليبي المقيم بالنرويج عاشور الطويبي بالهم الإنساني، في تقاطعاته الخاصة والعامة، حيث صراع الإنسان مع ذاته وواقعه والعالم من حوله. ويبدو الشعر في القصائد وكأنه حلقة وصل خفية، بين الماضي والحاضر، بين الأحلام والذكريات، بين اللغة بوصفها وعاءً للوجود ومناخات الطفولة القصية، في مفارقات دالة تومض بالتشتت والحنين والخوف من عتبات المجهول.
صدر الديوان مترجمًا إلى الفرنسية في إطار فعاليات مهرجان «سيت» الدولي للشعر بجنوب فرنسا «أصوات من المتوسط» الذي انعقدت فعالياته في يوليو (تموز) الماضي. وقد حرص الشاعر على أن يوجد بالكتاب النص العربي في مقابل النص الفرنسي، وترجم النصوص إلى الفرنسية المترجمة سهام بو هلال.
على مدار نحو 70 صفحة من القطع الصغير، تنساب القصائد في تدفقات شعرية مكثفة، مسكونة بإشراق العقل والروح، كاشفة عن طاقة معرفية متنوعة مفعمة بالتأمل والقدرة على النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، محاولة القبض على دلالتها وعلائقها المهمشة في طوايا الروح والجسد وفجوات الشعر والحياة.
يكتب الشاعر عن الخفافيش وهايكو الحرب، عن جرس يرن في أعلى الجبل، عن متاهة الحدود والواقفين خلف السواتر، عن الظلال والنوافذ والصراخ والحجر، عن ابن رشد ويوكيو ميشيما، عن صبراتة المدينة الليبية النائمة في عين التاريخ والزمن. إنه يريد لحجره الصغير ورميته الطفلة أن يحركا بحيرة الشعر والحياة معًا.
ففي نص من ثلاثة مقاطع، بعنوان «ابن رشد في لباس البحر»، يركز الشاعر على الرائحة، باعتبارها حياة أخرى تترسخ في الذاكرة والخيال، وتمتد حبالها في الحلم كصيرورة على حيوات انقضت، لكن رائحتها لم تزل حية طازجة، كفعل وجود يتفتح في جسد القصيدة والزمان والمكان.. تقول القصيدة مستحضرة صورة الفيلسوف المغدور:
«الرائحة ذاكرة شجرة
أي عنوان تبحثُ
وأي طريق ستأخذ وأنت خارج الصلوات
لعلك ستجد روحك الهاربة
في ميلان الخط ودكنة الحبر!
>>>
الغيب مطر
المخيلة غطاء
القتلى ملح
الأرض تبكي
الأرض تضحك
اقفل الكتابَ جفف الحبر وتمدد على السرير
قليلاً قليلاً تغمض العينين
وتسقط الشجرةُ ثمارها رقيقة الأعناق
>>>
المسلحون في كل الطرقات والدروب
الخوف قِفاف مملوءة
وأسوار البيوت صامتة
الخوف يتنفس ويبكي».
ينأى النص عن فكرة المرثية بإيقاعها التقليدي، جاعلا من ابن رشد مدار سؤال يشتبك مع الماضي والحاضر، كحرية مطاردة ومقموعة ومحاصرة. ويظل السؤال حاضرًا يشتبك مع الواقع الحي الراهن، حتى وهو يتسلل من عباءة ماض انقضى. فكل شيء يبكي، المطر والمخيلة، بل الخوف نفسه يبكي ويتنفس، ويصل النص بهذه اللطشة الأخيرة إلى ما يمكن أن أسميه «اللحظة الحرجة»، حين يصبح كل شيء في الطبيعة عاجزًا عن الكلام.
اللافت أيضًا في الديوان أن الشاعر يبني وعيه دائمًا على علاقة غير مطمئنة، ملتبسة بين الأشياء وظلالها، وبينها وبين الحقيقة التي تتجسد دائمًا في شكل ومضات خاطفة وأسئلة حادة أحيانًا، وهادئة ترتدي ثوب الحكمة، أو تبحث عنه أحيانًا أخرى.. تطالعنا ملامح هذه العلاقة في نص بعنوان «هل ينهض البازي بغير جناح؟»، حيث يقول الشاعر:
«جناح ملقى على الأرض
جناح تدوم به الريح
جناح في أوله ريشة
وفي آخره شهقة
في عين كل ريشة دواة حبر
وفي قلب كل دواة خط لا يشبه غيره
الريشة مكحلة الفقراء
الدواة حافظة أسرار القنديل
الشهقة بلا أزرار
مفتوحة أبدا..
هل تنهض الدنيا بغير جناح؟»
إن النص - كما نلاحظ - يدور في تراسلات بصرية تلتقط مجموعة من العناصر، المتداخلة المتنافرة، وتعتمد على خلخلة الأشياء، وتضييق الفجوة بينها وبين ظلالها، فالجناح الملقى على الأرض محض يقين ناقص، وموضع تساؤل، بينما «الريشة مكحلة الفقراء»، هي ظل حقيقة معاشة في خبرة البشر والمكان والزمان، لكن يظل سؤال النص «هل تنهض الدنيا بغير جناح؟» قابلا لتفجير الدهشة والحيرة والغرابة، وكلها مقومات حية في بصيرة الشاعر والواقع معًا.
يدرك الشاعر أن التجريب والتغيير في الشعر، بل في الحياة أيضًا، ينبع من الداخل؛ من إعادة النظر في الوظيفة السيكولوجية للقصيدة، حتى لا تصبح مجرد نثار هش في قبضة اللغة ومجموعة من الأدوات الفنية التي تعيد إنتاج نفسها بشكل رتيب. فاللغة على السطح تكتسب فعاليتها من القدرة على تلمس الأعماق، والعكس صحيح أيضًا.. يبرز هذه المعنى بصيغ مختلفة في كثير من نصوص الديوان، موسعًا من مشهدية الشعر، وضخ حيوية خاصة في إيقاع المفارقة، والتعامل معها ليس بوصفها مجرد علامة فنية عابرة، وإنما بوصفها موقفًا من العالم والوجود.. ففي قصيدة بعنوان «اقلب ما شئت ينقلب».. يقول الشاعر:
«أجل..! هذا هو الحال حتى هذه الساعة:
اقلب المئذنة تصر بئرا
اقلب الجبل يصر بحرا
اقلب اليد تصر لصا
اقلب القدم تصر سجنا
اقلب النار تصر سرابا
اقلب النهر يصر طائرا
اقلب الشجرة تصر حجرا
اقلب الضحكة تصر حبل مشنقة
اقلب القصيدة تصر حاكمًا يَقتل ويُقتل
اقلب السماء تصر ألواح أناشيد
اقلب الأرض تصر أرضًا أخرى».
تداعب هذه القصيدة فكرة الضد، من زوايا مباغتة تذكرنا بضربات الفرشاة العفوية المرتجلة على مسطح الرسم، بينما تنداح الصور الشعرية في حركة صاعدة من الأسفل إلى الأعلى، من العمق إلى السطح، في ظل توافق ظاهري للعقل والروح، ما يجعل المفارقة نابعة من الداخل، ويبتعد مفهوم الضدية عن نمطيته الشكلية الصورية، كدغدغة للمخيلة والمشاعر، ليصبح ضرورة شعرية لسبر أغوار الأشياء، واستشراف نوازع الثابت والمتغير في أعماقها. فثمة أشياء يمكن زحزحتها عن مساراتها النمطية، لتكتسب ملامح مغايرة وطبيعة مفارقة لوجودها، وثمة أشياء يظل جوهرها ثابتًا لأنها قادرة على احتواء المع والضد معًا، وتذويبهما في حركتها، وكأن كل شيء يتجمع ويفترق منها وإليها، وهو المعنى الذي تشير إليه اللطشة الأخيرة في النص «اقلب الأرض تصر أرضًا أخرى».
إن إحساسًا ما بالدراما، أو بمعنى أدق بوقع التراجيديا الإنسانية، ينشع في أجواء الديوان، ويتكثف خاصة في لحظات تشبه العدم، حيث يتساوي المع والضد وكأنهما موتان في موت واحد، فـ«من تخلف مات، ومن تقدم مات»، ولا شيء آخر على الدرب يمكن أن تناضل من أجله لترتفع راية العدل والحرية. أيضًا في النص نفسه، وبعنوان «غزوة»، يتابع الشاعر: «الموتى غابة من أغنيات حزينة»، و«الأرض التي ارتوت بالدم خرساء».
يترك الشاعر لنصوصه حرية التداعي، فلا مسافة بين السبب والنتيجة، بين الأنا بوصفها حاضنة للذات وللآخر في الوقت نفسه. كما أن اللغة، بكل مظاهرها الأسلوبية، تعمل كطاقة تحرر، ليكتسب النص مساحة من الجمال والمعرفة الأعمق، كما تمنحه قوة النمو دراميًا، بشكل عفوي من داخل نسيجه الخاص.
مسحة أخرى من أجواء هذه الدراما تطالعنا في نص بعنوان «حرام».. يقول الشاعر فيها، مستفيدًا من لعبة التكرار، وكأنها توليد للمعنى الواحد بدلالات متنوعة عاطفيًا وإنسانيًا ونفسيًا:
«حرامٌ إراقة دِنان الهوى تحت أقدام العسس
حرام طي الليل كالسجل
حرام شروق شمس بلا مِعزف
حرام ترك فتات الكلام على الطاولة»
إننا أمام شاعر يعيش نصه بحب وحميمية، كل همه أن يولد الشعر في نسيج كينونة جديدة، ويكون قادرًا على التسامي والعلو فوق مهازل الحياة وقبحها، كما أنه لا يمكن أن يتنكر لقصيدته، ولا هي أيضًا يمكنها ذلك، مهما كانت فداحة المأساة التي يعبران عنها، ويعيشانها تحت سقف هذا العالم.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.