سمير جعجع: ممارسات إيران في لبنان معضلة كبيرة.. والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله»

رئيس حزب القوات اللبنانية قال لـ «الشرق الأوسط» إن الحريري جاد في ترشيح عون.. وإن ضياع الفرصة سيجعل البلاد أمام «احتمالات رهيبة»

سمير جعجع: ممارسات إيران في لبنان معضلة كبيرة.. والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله»
TT

سمير جعجع: ممارسات إيران في لبنان معضلة كبيرة.. والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله»

سمير جعجع: ممارسات إيران في لبنان معضلة كبيرة.. والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله»

يأمل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في إنجاز الانتخابات الرئاسية في لبنان، ووصول حليفه المستجد رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الشاغرة منذ نحو سنتين ونصف السنة، معتبرا أن ما ينتظر لبنان إذا ما فشلت المحاولة الحالية لملء الفراغ الرئاسي بانتخاب عون «رهيب».
ولا يرى جعجع في تحالف عون مع «حزب الله» ما يضير، مراهنا على ما يبدو على «المسافة» التي يحتفظ بها الأخير عن الحزب، وعلى ماضيه باعتباره خصما للحزب والنظام السوري وكونه كان «رأس الحربة» في إقرار مشروع قانون «محاسبة سوريا» في الكونغرس الأميركي في العام 2003.
جعجع الذي يقيم في مقره الجبلي بلدة معراب، التي تطل على الساحل الشمالي لبيروت، ينظر «من فوق» إلى مفاصل الأزمة اللبنانية، ليستنتج أن لا إمكانية لأن يؤدي تقاربه مع عون إلى تقارب مع «حزب الله» لأن ثمة «مشاريع سياسية متناقضة كليا، ولا يمكن أن نتعايش مع فكرة السلطة بأمور لبنانية تكون خارج لبنان». وأكد جعجع قناعته بأن الحزب لا يريد عون، ولا غيره، رئيسا للجمهورية، فهو – أي الحزب – يفضل الفراغ لأن دولة ضعيفة تعني أن الحزب سيكون قويا، والعكس صحيح، كاشفا أن دبلوماسيين غربيين زاروا طهران مؤخرا سمعوا كلاما مفاده أن لا ضرورة ملحة الآن لانتخاب رئيس جديد للبنان. ورأى أن «ممارسات إيران في لبنان تشكل معضلة كبيرة ونتيجتها أنه لا توجد جمهورية تقوم كما يجب بوجود القرار الاستراتيجي خارجها، والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله».
وفي ما يأتي نص الحوار:
*أين وصلنا في مساعي ملء الشغور الرئاسي؟
- سوف أحاول أن أرسم صورة دقيقة قدر الإمكان عما وصلت إليه الأزمة الرئاسية في الوقت الحاضر. الرئيس (سعد) الحريري جدّي جدا بالتحرك الذي يقوم به، جاد وجدّي، يحاول أن يتفاهم مع العماد عون على إمكانية دعمه لرئاسة الجمهورية، والكلام مستمر. وأنا تقديري الشخصي أنهم سوف يتوصلون إلى تفاهم. سوف تظهر نتيجة المفاوضات بين فريق الحريري وفريق الجنرال عون خلال أسبوع أو أسبوعين، بهذه الحالة تبقى علامة الاستفهام الكبرى جدا على موقف «حزب الله». فمنذ سنتين ونصف السنة الموقف واضح جدا، «حزب الله» لا يريد انتخابات رئاسية، ومؤخرا بعض الدبلوماسيين الغربيين الذين كانوا في طهران لمسوا من جديد أن هذا الوقت ليس لانتخابات رئاسية لبنانية.
وفي حال أخذ الحريري قراره النهائي بالقبول بالجنرال عون أعتقد أن «حزب الله» سوف يكون أمام معضلة كبيرة جدا، ليست على الأجندة عنده أن يسير بانتخابات رئاسية الآن، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يمتنع بعد أن يكون الحريري (مشي فيها)، فكيف يحل «حزب الله» هذه المعضلة؟ لا أملك الجواب.
*أنت على تواصل مع الحريري بهذا الموضوع ومع عون بطبيعة الحال..
- طبعا..
*ما الذي يمنع حتى اللحظة إعلان هذا الترشيح؟
- بتقديري الحريري يقوم بمهمة ليست سهلة ولا تنسى أنه كان لديه مرشح هو (النائب سليمان) فرنجية وكان واضعا جهده ووقته لدعمه. وليست بهذه البساطة أن ينتقل من مرشح لمرشح آخر، من جهة ثانية تعرف مدى حساسية قواعد الحريري على العماد عون وهذا كله يحتاج إلى تحضير وعمل، ومن جهة ثالثة أنت تعرف التباعد ببعض المواقف العملية بين المستقبل وعون.
*عندما نتكلم عن مفاوضات بين الطرفين.. ألا ترى تناقضا في رفض طرح رئيس مجلس النواب نبيه برّي «السلة» وقوله دعونا نتفق على كل شيء قبل الانتخاب؟
- أنا لا أعتقد أن هذا ما يحدث بين الحريري وعون. هما لا يتفقان على قانون انتخابات. أما مسألة رئاسة الحكومة فهي محسومة باعتبار أنه إذا أيد الحريري عون لرئاسة الجمهورية فعون سيؤيد الحريري لرئاسة الحكومة. أعتقد أن المفاوضات هي خطوط عامة عريضة انطلاقا من الخصومة السياسية التي كانت موجودة بين عون والحريري. أما بين عون وبري فليس هناك خصومة سياسية بل كانا بنفس الفريق السياسي منذ 11 سنة إلى اليوم، وهناك تنسيق مواقف كثيرة سويا ولو أنهما لم يكونا سويا في جميع المواقف، وهذا شيء طبيعي. ومن هذا المنطلق يجب أن يكون هناك حد أدنى من التقارب بين عون والحريري كي يتعاملا مع بعضهما البعض على الأرض، بناء ثقة للمستقبل، هي ليست قضية تفاهم على قانون انتخابات أو شكل الحكومة أو غيره.
*ما موقفك من مطلب «السلة»؟
- أنا كليا ضد موضوع السلة. هذا الموضوع مطروح منذ 11 سنة وليس موضوعا جديدا، وطرح تباعا على طاولة حوار منعقدة منذ 10 سنوات كقانون الانتخاب، والاستراتيجية الدفاعية، ومواضيع مشابهة. وفي كل جلسات الحوار التي حصلت لم تؤد إلى أي تفاهم بأي موضوع منها، فهل يجوز اليوم قبل الانتخابات الرئاسية متوقعة بعد 3 أسابيع أن نعود لنفتح موضوع السلة، وبالتالي لا أدري إذا كان هذا المطلب عمليا أو نوعا من طرح لتأخير الاندفاعة الحالية باتجاه الوصول إلى انتخابات رئاسية. بكافة الأحوال الكلام بين الأفرقاء وبناء ثقة وتفاهمات عادية هذا شيء طبيعي أما أكثر من ذلك فلا يكون طرحا واقعيا عمليا.
*هل تتهم الرئيس بري بأنه يعرقل الحل؟
- كلا أنا لا أتهم الرئيس بري بذلك، إلا أنني أقول قراءتي لما هو مطروح على الساحة. وبتقديري، فإن مواقف كثيرة من قضايا كبيرة يكون فيها تنسيق بين الرئيس بري و«حزب الله»، وأطراف آخرين بكتل نيابية أخرى أيضا.
*ما الذي يجعلك تشكك بجدية «حزب الله» بالوقوف وراء عون؟
- سوف أتكلم عن واقعة واحدة من مجموعة وقائع فقط لا غير. هو (حزب الله) يقول منذ سنتين إن عون مرشحنا، وكل العالم يقول، «حزب الله» وغيره، لتتفق القوى المسيحية على رئيس، ولا تنسى كيف بدأنا وأين وصلنا، فقد كانت هناك مجموعة كبيرة من المرشحين أنا والرئيس أمين الجميل والنائب فرنجية والعماد عون بالإضافة إلى مجموعة أسماء أخرى. الجميع قال لتتفق القوى المسيحية الكبيرة على رئيس لنعرف كيف نتصرف. ولما وصلنا إلى وقت أن القوى الرئيسية المسيحية وتحديدا القوات والتيار الوطني الحر اتفقا على مرشح هو المرشح نفسه الذي يدعمه «حزب الله». فلو «حزب الله» جدي ألم يكن ذلك يستدعي أن يجلس «حزب الله» مع كل حلفائه ويقول لهم إننا منذ 10 سنوات ننادي وبالأخص آخر سنتين أن عون هو القطب المسيحي في «8 آذار» وأن عون هو مرشحنا للرئاسة وأنه أكثر زعيم يمثل المسيحيين، وبالتالي هو الذي له الحق الأكبر بالرئاسة، وصلنا إلى هذا الوقت وحتى القوات اللبنانية ساروا به، فتفضلوا بالنزول إلى المجلس النيابي لانتخاب عون، ألم تكن تقتضي فقط هذه الخطوة؟!
لنفترض أنه لسبب من الأسباب لا يريد أن يؤيد عون فوصل وقت أن الحريري و(نبيه) بري و(وليد) جنبلاط أيدوا فرنجية الذي هو من صلب «8 آذار»، ألم يكن يقتضي ذلك أن يقول «حزب الله» لجماعته إنه منذ سنتين نحن بانتظار الانتخابات ولم تحصل ولم يُنتخب عون، لذلك صار من الطبيعي أن نذهب للانتخابات طالما أن المستقبل وغيره أيدوا فرنجية، لننتخب فرنجية الذي هو «منا وفينا». لذلك كانت هناك خطوات كثيرة كان «حزب الله» يستطيع فعلها لإجراء الانتخابات الرئاسية ولحسابه هو، إلا أنه عمليا هو لم يعمل شيئا بل طرح أدبيات بما يتعلق برئاسة الجمهورية، بأنه يجب أن تحصل الانتخابات ونحن مرشحنا عون وفرنجية بؤبؤ العين. فكل هذه الوقائع لا تدل على أنه لا يريد انتخابات رئاسية.
*لقد أعطيتم فريق «8 آذار» مرشحين من هذا الفريق، فلماذا لا يريد اغتنام الفرصة؟
- للعديد من الأسباب، أولها هدف استراتيجي وبالأساس وبالعمق، أن وجود جمهورية «مهلهلة» مثلما هو الوضع بغياب رئيس جمهورية، أفضل بكثير بالنسبة لـ«حزب الله». المعادلة واضحة لدى الحزب، الجمهورية قوية الحزب ضعيف، جمهورية ضعيفة حزب قوي. وطالما أن هناك تعقيدات برئاسة الجمهورية اختبأوا وراء هذه التعقيدات ليبقى الوضع على ما هو عليه وهم سعيدون به كذلك، كي تبقى الجمهورية ضعيفة ويبقى الحزب قويا. وهناك أسباب عملية أخرى لا داعي لتكرارها من جديد.
*ما الفرق بين مرشحي «8 آذار» لتنحاز إلى أحدهما (عون) وترفض الآخر (فرنجية)؟
- العماد عون متحالف مع الحزب منذ 10 سنوات، إلا أنه قبل ذلك لم يكن حليفا بل خصما سياسيا للحزب. يعني أنه بما يتعلق بموقف عون فهو موقف برغماتي وليس لصيقا بـ«حزب الله»، بل كان متحالفا معهم في المرحلة الماضية، لأن المرحلة ما قبل الماضية لم يكن بموقع التحالف مع الحزب. وعون قال في أكثر من مناسبة إن قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي هو كان بطله.
*التحالف بين عون و«حزب الله» كم عمره؟ ما هي قدرته على الاستمرار؟
- لا أستطيع أن أقدّر، إلا أنني متأكد أن عون على الرغم من تحالفه مع حزب الله فإنه يبقي على مسافة معينة بينه وبين «حزب الله» وهذا واضح.
*كيف ستكون معالم مرحلة العماد عون رئاسيا، ماذا سيتغير؟
- المطلوب الآن أن يصل عون رئيسا ولكل حادث حديث. سوف يتغير الكثير، وأول شيء هو أن تبدأ المسيرة من جديد ببناء جمهورية ما، فنحن منذ سنتين ونصف السنة في مرحلة تفكفك الجمهورية. في حال انتخاب عون رئيسا سوف تقف مسيرة فكفكة الجمهورية، وستبدأ مسيرة معاكسة تجاه بناء جمهورية ما، وهذه سوف تكون مسؤولية جميع القوى السياسية لأن القرار الرئيسي بمجلس النواب وبالثقل السياسي للكتل النيابية، وفي مجلس الوزراء.
*«جمهورية ما» تقتضي تعديلات دستورية!
- طبعا جمهورية الطائف وليست جمهورية ما في المطلق بإطار اتفاق الطائف الممارسة تختلف.
*ألسنا بحاجة إلى تعديل دستوري يخلصنا من هذه الدوامات في كل انتخابات رئاسية؟
- إذا كان تعديلا دستوريا بحجم أنه لا يعود هناك إمكانية لتعطيل انتخابات الرئاسة نعم، أما أن تتكلم أبعد من ذلك، فكلا، لأنه ليس من الحكمة أن نلعب بالدستور بالمرحلة الحالية بأمور عميقة ليس بأمر تحصين الدستور كي لا يتمكن أحد من تعطيل الانتخابات الرئاسية وهذا واجب علينا جميعا لكن أبعد من ذلك لا.
*تحصين الدستور يختلف عن عقد جديد بين اللبنانيين كما طرح في فترة من الفترات؟
- أتمنى على أي أحد يطرح عقدا اجتماعيا جديدا، أن يشرح ما هو، من السهل أن نقول نريد عقدا جديدا لكن عندما نريد أن تفكر فيه، فإننا نرى أنه في غاية من الصعوبة والتعقيد. وبالتالي أنا في تقديري ليس من الحكمة في هذه المرحلة، حيث دول تتفكك بالشرق الأوسط ونحن نلعب في نقطة ارتكاز وجودنا التي هي الدستور اللبناني.
*يتكلمون عن الحكومة المقبلة ودور القوات بها وأن للقوات حقيبة سيادية دفاع أو داخلية، أين أنتم من هذا النقاش؟
- نعم، «القوات» يقع الظلم عليها منذ 25 سنة إلى اليوم بحكم الأمر العسكري الأمني الذي كان مفروضا بعهد الوصاية (السورية) وهل يجوز أن يستمر بالوقت الحاضر؟ وأعتقد أن أكثر حزب جمهوري (نسبة للجمهورية) في الوقت الحاضر، هو حزب القوات اللبنانية، وأعتقد أن تمثيله الشعبي من أكثر الأحزاب تمثيلا. ومن ناحية الفساد وإدارة الدولة هو من الأحزاب القليلة جدا بالدولة التي لا يوجد أي شعرة تمس هذا المجال، بالتالي طبعا أقله يجب أن يشارك حزب القوات كما تشارك الأحزاب الكبيرة في أي حكومة من الحكومات، وليس لأحد الحق في أن يضع فيتو على أحد.
*هل أنتم متمسكون بمسألة الوزارة السيادية؟
- نحن لسنا متمسكين بشيء محدد، بل بأن يكون تمثيلنا مثلنا، ومثل غيرنا مع حبة مسك انطلاقا من مسارنا والعوامل التي ذكرتها.
*هل يمكن القول إن المرحلة القادمة القوات داخل الحكومة وليس خارجها؟
- نعم إن شاء الله.
*ما الذي تغير وجعلكم تتخذون هذا القرار؟
- وقتها ترى وأنا أسألك هذا السؤل.
*نحن نرى تبدلات كبيرة بالتحالفات فما هو مصير «14 آذار»؟
- على الرغم من برودة العلاقة بين كثير من أطراف «14 آذار» في آخر سنتين، لكن هل أي طرف من «14 آذار» اعتمد مشروعا آخر غير مشروع «14 آذار»؟
*اعتمد مرشحا آخر للرئاسة..
نعم انطلاقا من الأمر الواقع الموجود بلبنان بالوقت الحاضر، وضرورات المرحلة فقط لا غير، ولأسباب عملية بحتة. بالتالي مشروع «14 آذار» باق، ونريد أن نلم أطراف «14 آذار» أكثر مما كان بالسابق على مشروع «14 آذار»، للانطلاق بالمرحلة الجديد إن شاء الله.
*ماذا لو فشل المسعى الجديد لإيصال عون للجمهورية؟
- سوف يكون هناك مشكلة كبيرة جدا وبالعمق. أفضل ألا أتخيل هذا الاحتمال لأنه احتمال رهيب، يصبح لبنان على غير هدى، وأفضل ألا أضع هذا الاحتمال بالوقت الحاضر وأن نضع جهدنا للحل.
*هل هو الفرصة الأخيرة؟
- لا يوجد بالتاريخ والدنيا فرصة أخيرة، لكنها فرصة مهمة جدا يجب ألا نضيعها ويجب أن نكون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) قد انتخبنا رئيسا للجمهورية اللبنانية.
*تقاربكم من عون وتحالفه مع «حزب الله» هل يقربكم إلى «حزب الله» أو يبعد «حزب الله» عن عون؟
- قصة التقارب مع «حزب الله» ليست من منطلق عداء شخصي ولا حساسية ولا تضارب مصالح، إلا أن المشروع السياسي لـ«حزب الله» يتناقض كليا مع مشروعنا السياسي، بالتالي ليست قضية نحب أو لا نحب التقرب منهم، إلا أنها مشاريع سياسية متناقضة كليا، ولا يمكن أن نتعايش مع فكرة السلطة بأمور لبنانية تكون خارج لبنان.
أريد أن أذكرك بواقعة صغيرة، عندما فكر «حزب الله» بدخول البرلمان بعد الطائف، على أي أساس اتخذ قراره؟ كان ذلك بعد أن أجاز آية الله (علي الخامنئي) له شرعية المشاركة بالمجلس بعد أن اجتمع مجلس شورى «حزب الله» ورفع ذلك إلى آية الله، وليس كما فكرت القوات اللبنانية بالدخول بالانتخابات النيابية، فهي فكرت بمعطيات لبنانية داخلية وموافقتنا على اتفاق الطائف أم لا، وغيره من المعطيات، منهم من قرر أن يدخل ومنهم امتنع.
وهذا يعني أن ليس هناك جمهورية، والأولويات والمنطق ليس منطقا جمهوريا له علاقة بالجمهورية اللبنانية، بل منطق آخر وبالتالي كيف يمكنك أن تتقارب؟ فأنت تريد حدا أدنى من الأرض المشتركة كي تستطيع أن تدخل انطلاقا منها، للأسف ليست موجودة.
*«حزب الله» يطرح نفسه حاميا للأقليات والمسيحيين في المنطقة..
- لا نريد أن نتعبه. نحن لسنا أقلية بالمنطقة بل منسجمون تماما بوجودنا فيها، والقصة ليست قصة أعداد. نحن لسنا أقلية أبدا، بل مندمجون بقضايا المنطقة وبأمورها وبقضايا شعوبها من موقعنا كمسيحيين، ومن طريقة تفكيرنا. هذا المنطق غير مقبول، موقفنا من الأزمة السورية ليس من هذا المنطلق بل من منطلقات أخرى واضحة جدا.
*ما هو موقع لبنان؟ ألا تخشون عليه من تداعيات الأزمة الحاصلة على حدوده؟
- صراحة خشيتنا على لبنان من تداعيات الأزمات التي تحصل على حدوده بالمنطقة ككل هي التي تجعلنا مندفعين لانتخابات رئاسية وأتذكر مقولة أن اللعب من ضمن الدولة يبقى أفضل بكثير من اللعب خارج الدولة. ولقيام الدولة يجب أن يكون عندك رئيس جمهورية ومجلس وزراء يعمل، ومجلس نواب طبيعي. ولكي نزيد من مناعة لبنان، على الرغم من عدم وجود دولة بالمعنى الفعلي للكلمة، علينا أن نزيد من المناعة ونحلحل الكثير من المشاكل التي نحن بها مثل أزمة اللاجئين وغيرها، فيجب أن تكون لديك دولة وتلعب ضمنها، وليس في أن يلعب الجميع خارجها.
*ما هي تداعيات مشاركة «حزب الله» بالحرب السورية على لبنان؟
- خطأ تاريخي وليس استراتيجيا فقط، تحمل لبنان جزءا من نتيجته منذ 4 سنوات، للأسف الطائفة الشيعية بلبنان وغيره سوف تتحمل نتائجه على مدى الأجيال القادمة، لأنني لا أتصور أن الناس تنسى بسهولة.
*إلى أين تذهب الأزمة السورية برأيك وما هي تأثيراتها على لبنان؟
- بالوقت الحاضر هناك هجوم كبير من قبل النظام على حلب، كر وفر، وعملية همجية كي تستطيع قوات النظام السيطرة على حلب لأن القوات البرية للنظام منهكة، لذلك هم مضطرون أن يدمر طيرانهم مع الطيران الروسي الحجر والبشر وأي شيء كي يمهدوا لقوات النظام الدخول إلى حلب. وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، أنا لا أعتقد أن هناك أي إمكانية أن يبقى بشار الأسد في السلطة وهذه تبقى تحركات تكون خسارة على الذي يقوم بها والذي يتلقاها، من دون نتيجة. وبكافة الأحوال من يقول إن الأسد سوف يبقى مخطئ لأن القوى المقاتلة اليوم بسوريا في غالبيتها لا علاقة لها ببشار الأسد. هي إما قوى ذات طابع إيراني من لبنان إلى العراق والحرس الثوري الإيراني وإما قوى روسية، وأين بشار الأسد هنا؟ ولا إمكانية لهم أن يربحوا الحرب لأنها تمس بالكثير من التوازنات. بالمطلق ما يحدث في سوريا خسارة بخسارة ولن يؤدي إلى أي مكان إلا المزيد من الخسائر البشرية والكوارث الإنسانية.
*هناك شكوى عربية من التدخلات الإيرانية فأين لبنان منها؟
- في لبنان هناك جمهورية موجودة على أسس واضحة من بعد حرب 15 سنة أنتجنا دستور الطائف وبدل أن تلتزم إيران بالقانون الدولي وأعراف تعاطي الدول بين بعضها، وتتصرف على هذا الأساس، تتصرف خارجه تماما من خلال أخذ جزء من الشعب اللبناني وتمويله بشكل مستمر وتسليحه باتجاه آخر أبعد من الكيان والدستور والوجود اللبناني، مما خلق مشكلة لبنانية لا يعرف حلها إلا الله. شئنا أم أبينا فإن ممارسات إيران في لبنان تشكل معضلة كبيرة ونتيجتها أنه لا يوجد جمهورية تقوم كما يجب بوجود القرار الاستراتيجي خارجها، والقرار الاستراتيجي عند «حزب الله». هذه الإشكالات من هذا الحجم التي خلقها تدخل إيران بدول المنطقة.
إيران تسعى لدور إقليمي هذا شيء مشروع لكننا نتمنى لو كانت تسعى له بما تسمح به الأعراف والسياسات الدولية والعلاقات بين الدول وليس خارج الأطر الموجودة. فلو دعمت إيران حزبا في لبنان بإطار دستور وسعى الحزب من ضمن الدستور ومن ضمن الدولة اللبنانية وليس على هامشها وخارجها وليس بمصادرة قرارها، سعت وأخذت الأكثرية فلا أحد لديه مشكلة لكنها تسعى خارج أي إطار شرعي موجود وهنا خلافنا معها، لتلعب دورا إقليميا لكن كما يجب وبأصول العمل السياسي.
نتائج التدخل الإيراني أن لبنان في أزمة مستمرة منذ 25 سنة بالأخص آخر 11 سنة، وسوريا أصبحت مشكلة إنسانية كبرى وأضحت أكبر مشكلة بعد الحرب العالمية الثانية، وماذا تريد أكثر من مشكلة العراق واليمن.



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.