لعل أفضل توضيح لما ترنو إليه روسيا عبر قراراتها بتعليق العمل باتفاقيات نووية، التي سيكون لها تأثير مباشر على الأمن والاستقرار الدوليين، لا سيما اتفاقية إعادة تدوير البلوتونيوم، هو ما جاء على لسان فرانتس كلينتسيفيتش نائب رئيس لجنة الدفاع في المجلس الفيدرالي الروسي، الذي عبر عنه قائلا، إن «تعليق روسيا العمل بتلك الاتفاقيات عبارة عن دعوة لإعادة تشغيل العلاقات بين البلدين»، وهو المصطلح الذي أطلق على العلاقات بين البلدين في عام 2009، عندما التقى الرئيسان الروسي ديمتري مدفيديف حينها والأميركي باراك أوباما لأول مرة، واتفقا بشأن توقيع معاهدة الحد من الأسلحة النووية. وكذلك بالنسبة للمحادثات بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيرته الأميركية هيلاري كلينتون في العام ذاته، والتي أعلنا خلالها «إعادة تشغيل العلاقات الثنائية»، إلا أنه لم تجر في الواقع أي إعادة تشغيل، واستمر التوتر بين البلدين على حاله. ويرجح مراقبون أن هذا التصعيد «النووي السلمي» الروسي ليس أكثر من محاولة لكبح إدارة أوباما في أيامها الأخيرة، ورسائل للإدارة المقبلة حول ضرورة البحث عن سبل للتفاهم مع روسيا؛ لأن ذلك ستكون له تداعيات على أسس الأمن والاستقرار دوليًا.
وبعد تعليقها العمل بالاتفاقية الأميركية - الروسية حول إعادة تدوير البلوتونيوم (الحربي)، أعلنت الحكومة الروسية عن قرار آخر ينص على تعليق العمل باتفاقية بين البلدين حول التعاون في الدراسات والأبحاث في مجال الطاقة النووية، ومن ثم أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة النووية «روس آتوم» عن تعليق العمل باتفاقية مع وزارة الطاقة الأميركية لتحويل المفاعلات النووية للأبحاث إلى العمل على اليورانيوم منخفض التخصيب. وقالت الخارجية الروسية في بيان رسمي، إن موسكو مستعدة لاستئناف التعاون مع الولايات المتحدة في المجالين النووي والطاقة، بعد أن تعلن الولايات المتحدة استعدادها للالتزام بتنفيذ تلك الاتفاقيات على أكمل وجه.
وقد وصف مارك تونر المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية تلك القرارات الروسية بأنها «مأساة حقيقية» موضحا أنه «كان هناك تعاون ناجح بين البلدين في تلك المجالات». إلا أن روسيا تلقي بالمسؤولية عن وقف العمل بتلك الاتفاقيات على الولايات المتحدة، وتقول وزارة الخارجية في بيان رسمي بهذا الصدد، إن «واشنطن أبلغت موسكو عام 2014 بتجميد ذلك التعاون (في مجال الطاقة النووية) مع روسيا بسبب الأحداث في أوكرانيا»، وبهذا الشكل فإن الجانب الأميركي قد أوقف عمليا التعاون في كل المجالات التي تشير إليها الاتفاقية. ووفق ما جاء في بيان الخارجية الروسية الذي يختم مشددا على أن «الجانب الروسي قرر ضمن الوضع القائم تعليق العمل بالاتفاقية ردا على الممارسات الأميركية غير الودية» نحو روسيا.
ويأتي قرار موسكو تعليق العمل باتفاقيات التعاون في مجال الطاقة النووية مع واشنطن، بعد يومين على قرار روسي بتعليق العمل باتفاقية إعادة تدوير البلوتونيوم (الحربي) أي الذي يُستخدم في الرؤوس النووية. وقالت حينها إن القرار جاء نظرا لعدم التزام واشنطن بنص الاتفاقية، وبسبب الممارسات غير الودية من جانب الولايات المتحدة. وترى روسيا أن استئناف العمل بتلك الاتفاقية ممكن لكن ضمن مجموعة شروط تمثل في الواقع مطالبة بإعادة نظر شاملة من جانب الإدارة الأميركية في العلاقات مع روسيا. وتشمل تلك الشروط الروسية مطالبة واشنطن بإلغاء كل العقوبات التي فرضتها على روسيا والتعويض عن نتائج تلك العقوبات، بما في ذلك العقوبات الجوابية التي اضطرت موسكو لفرضها، وكذلك طالبت بتقليص قوات «الناتو» في أوروبا الشرقية.
وتزامن إعلان موسكو عن قراراتها «النووية» تلك مع تعثر الجهود الأميركية - الروسية المشتركة في سوريا، وهو ما أثار غضب موسكو على ما يبدو، لا سيما لجهة فشل الجهود بإطلاق مركز مشترك بين البلدين للتنسيق العسكري الشامل في سوريا. إذ يبدو أن موسكو كانت تأمل في إطلاق علاقات شراكة مع واشنطن تكون بدايتها من سوريا، للولوج بعد ذلك في عمق الملفات الخلافية الأخرى والتوصل بشأنها لتفاهمات ثنائية ترضي الطرفين، وترسخ في آن واحد، تدريجيا وعلى مراحل طويلة، فكرة الشراكة في الشأن الدولي، التي طالما سعت موسكو لتحقيقها طيلة السنوات الماضية.
وكان ميخائيل أوليانوف، مدير إدارة حظر الانتشار والرقابة على الأسلحة بوزارة الخارجية الروسية، قد صرح بأن بلاده والولايات المتحدة خفضتا ترسانتيهما النووية إلى المستوى الذي كان قائما في أواخر حقبة خمسينات القرن الماضي. وأضاف أوليانوف: «نمتثل بشكل ممنهج لمسؤولياتنا بموجب معاهدة حظر الانتشار. روسيا والولايات المتحدة تخفضان باطراد ترسانتيهما النووية». وتابع: «خفضنا أسلحتنا النووية بنسبة 80 في المائة منذ ذروة الحرب الباردة. أوقفنا سباق التسلح النووي. الترسانات الروسية والأميركية عند مستويات أواخر حقبة خمسينات ومطلع حقبة ستينات القرن الماضي».
وذكر أوليانوف أن روسيا وقوى نووية أخرى لن تشارك في محادثات بشأن حظر الأسلحة النووية. واستطرد المسؤول الروسي: «نشاطر الهدف المتمثل في إقامة عالم خال من الأسلحة النووية، ولكن القضية هي كيفية التحرك صوب تحقيق هذا الهدف. أحد الطرق لاتخاذ قرار بحظر الأسلحة النووية محفوف بالمخاطر الآن. الطريق الآخر طريق واقعي ويتمثل في عملية تدريجية صوب تحقيق هذا الهدف».
وأشار أوليانون إلى أن «الجانب الروسي تحكمه الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بوصفها جزءا من اتفاقية حظر الانتشار التي تتضمن التحرك تدريجيا صوب إقامة عالم خال من الأسلحة النووية.
10:17 دقيقه
تصعيد «نووي سلمي» روسي للدفع نحو «إعادة تشغيل العلاقات» مع واشنطن
https://aawsat.com/home/article/754751/%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%C2%AB%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A-%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%C2%BB-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D9%86%D8%AD%D9%88-%C2%AB%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D8%BA%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA%C2%BB-%D9%85%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86
تصعيد «نووي سلمي» روسي للدفع نحو «إعادة تشغيل العلاقات» مع واشنطن
بهدف كبح إدارة أوباما في أيامها الأخيرة.. ورسالة تحذير للإدارة المقبلة
- موسكو: طه عبد الواحد
- موسكو: طه عبد الواحد
تصعيد «نووي سلمي» روسي للدفع نحو «إعادة تشغيل العلاقات» مع واشنطن
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

