الحكومة اليمنية: شروط الانقلابيين تتحدى المجتمع الدولي وقراراته

وفد «الشرعية» قال إن مطالبات الميليشيات تقوض العملية السياسية

عناصر أمن تابعة لأجهزة الانقلاب تزرع نقاط تفتيش متعددة في العاصمة صنعاء (أ.ف.ب)
عناصر أمن تابعة لأجهزة الانقلاب تزرع نقاط تفتيش متعددة في العاصمة صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية: شروط الانقلابيين تتحدى المجتمع الدولي وقراراته

عناصر أمن تابعة لأجهزة الانقلاب تزرع نقاط تفتيش متعددة في العاصمة صنعاء (أ.ف.ب)
عناصر أمن تابعة لأجهزة الانقلاب تزرع نقاط تفتيش متعددة في العاصمة صنعاء (أ.ف.ب)

عبر وفد الحكومة اليمنية لمشاورات السلام عن استعداده الدائم للتعاون الكامل مع مبعوث الأمم المتحدة، إسماعيل ولد الشيخ أحمد من أجل إحلال السلام وحقن دماء اليمنيين، في وقت أعلن الانقلابيون رفضهم المشاركة في أي مشاورات للسلام برعاية الأمم المتحدة، إلا بشرطين، هما: وقف العمليات العسكرية لقوات التحالف ورفع الحصار البحري المفروض على واردات الأسلحة إلى اليمن، وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي.
واعتبر وفد الحكومة اليمنية للمشاورات وضع الميليشيات لشروط مسبقة للحل السياسي، بمثابة «عرقلة واضحة لجهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ، ولجهود الدول الراعية للحل السياسي في اليمن، ومحاولة لشرعنة الانقلاب»، مؤكدا أن «هذه الخطوة التي تأتي امتدادًا لخطوات سابقة، قوبلت برفض واستنكار المجتمع الدولي، تؤكد بشكل جلي رغبة التحالف الانقلابي (الحوثي - صالح) في الإصرار على خيار الحرب، والإمعان في استخدام القوة، وانتهاج العنف لتدمير البلاد وقتل الأبرياء، والعبث بأمن واستقرار اليمن، خدمة للأجندة الإيرانية التي تدعم الميليشيات وتمدهم بالأسلحة، لاستهداف أمن اليمن والمنطقة، والإضرار بأمن اليمن ودول الجوار، ودعم الميليشيات وإشعال الفتن الطائفية، وتحطيم بنية الدولة، استمرارًا لممارساتها المرفوضة في عدد من الدول العربية»، مؤكدًا أن «استمرار هذا النهج العدواني من هذه الميلشيات، يبدد فرص السلام ويزيد من معاناة شعبنا».
كما جدد الوفد موقفه «الثابت في العمل من أجل حل سياسي مبني على المرجعيات الثلاث المتفق عليها، المتمثّلة بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216؛ وذلك لبناء يمن اتحادي قائم على العدالة والمساواة والشراكة في إدارة السلطة والثروة لكافة أبناء الشعب اليمني».
وتعليقا على تكليف الانقلابيين إحدى الشخصيات الموالية للمخلوع صالح بتشكيل ما سميت «حكومة إنقاذ»، اعتبر الوفد، في بيان صادر عنه، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، التكليف أو الإعلان «وما سبق ذلك من قرارات اتخذوها، هدفت إلى التسلط على حياة وقوت يوم الشعب اليمني، يمثل تحديًا مباشرا لقرارات مجلس الأمن، ومحاولة استباقية جديدة لإعاقة المساعي والجهود الأممية والدولية لتحقيق السلام، وخطوات ممنهجة لإفشال عملية السلام المنشودة».
وقال وفد الحكومة اليمنية لمشاورات السلام إن «تعنت القوى الانقلابية وتصعيدها العسكري، وتماديها في ارتكاب المزيد من جرائم الحرب والأعمال الإرهابية بدعمٍ إيراني، لم يعد خافيًا على أحد، حيث تجاوز حدود اليابسة لتهديد الملاحة الدولية في باب المندب ومنطقة جنوب البحر الأحمر، وذلك بعد الاعتداء الإرهابي الذي استهدفت به الميليشيات سفينة المساعدات الإغاثية الإماراتية (سويفت)، التي كانت تقوم بنقل المساعدات الإنسانية، وإخلاء الجرحى المدنيين لعلاجهم»، معتبرا «هذا الاعتداء الإرهابي ليس سوى حلقة من حلقات الإرهاب الانقلابي الذي تمارسه ميليشيات (الحوثي - صالح)، ضد أبناء الشعب اليمني في الداخل ودول الجوار في الإقليم، والسلامة الملاحية في البحر الأحمر»، مشددا على أنه «آن الأوان لأن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته المباشرة في وضع حد للتهديدات التي تمثلها الجماعة الانقلابية في صنعاء وميليشياتها المسلحة، وأن يكون موقف المجتمع الدولي أكثر حزمًا تجاه تلك القوى الانقلابية المتطرفة ومن يمولها ويقف خلفها».
وتطرق بيان الوفد إلى «استمرار الميليشيات الانقلابية في حصار المدن، ومنع دخول المساعدات الإغاثية للمتضررين في المدن والقرى، خصوصا في مدينة تعز، إضافة إلى استهداف المدنيين، التي كان آخرها المجزرة التي ارتكبتها الميليشيات يوم الاثنين الماضي في منطقة بير باشا، وهي جريمة حرب بشعة ذهب ضحيتها عشرات الضحايا المدنيين قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال بقصف صاروخي عشوائي استهدفت به الميليشيات أحد الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان»، واعتبر البيان «التصعيد السياسي والعسكري والإمعان في ارتكاب الجرائم الممنهجة من قبل الميليشيات الانقلابية ضد أبناء الشعب اليمني وجيرانه وتهديد الملاحة الدولية، يؤكد أن هذه الميليشيات الإجرامية لا تزال بعيدة عن السلام، أو حتى مجرد التفكير والقبول به؛ ذلك لأن هؤلاء اختاروا العنف واستخدام القوة في القتل والتدمير، واغتصاب السلطة، والسيطرة على الدولة بقوة السلاح، وقتل المواطنين، وحصار المدن، وممارسة أعمال النهب والسلب، وفرض الجبايات، وهو سلوك ومنهج للميليشيات الانقلابية، لم تبدِ أي استعدادٍ للتخلي عنه أو الاستجابة لجهود السلام من أجل حقن دماء اليمنيين».
في السياق ذاته، قالت مصادر سياسية يمنية رفيعة، إن الانقلابيين في صنعاء، بدأوا في تنفيذ سياسة تصعيد مدروسة، وذلك بهدف خلط الأوراق وإعاقة التوصل إلى أي حل سياسي في المدى المنظور، دون الرفض الصريح لكل المقترحات التي قدمت وستقدم من قبل مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ.
وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن سياسة الانقلابيين ترجع إلى تفاهمات وتوجيهات صدرت، مؤخرا، من طهران لهم، لاتخاذ المزيد من الإجراءات أحادية الجانب، وتكريس سلطة الأمر الواقع، إلى جانب افتعال مشكلات أخرى، كما حدث مع سفينة المساعدات الإنسانية، وتضليل الرأي العام المحلي والدولي، خصوصا الإنساني والحقوقي، من خلال تحميل التحالف مسؤولية جرائمهم لقوات التحالف، بصورة باطلة.
في هذا الصدد، أكد المحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي لـ«الشرق الأوسط» أن كسر القواعد وخلط الأوراق هي استراتيجية إيرانية تتجلى ملامحها بوضوح في سياق الحرب الدائرة في اليمن والأزمة التي تعصف بهذا البلد منذ سنوات»، مضيفا أن هذا «هو النهج ذاته الذي اعتمدته إيران وتوابعها في سوريا، إلا أن الانقلابيين ومن ورائهم إيران يواجهون في الحالة اليمنية إشكالية في التعاطي مع قرارات الشرعية الدولية التي تساند بقوة الحكومة الشرعية والتحالف، وتحصر الانقلابيين في زاوية ضيقة على الرغم من محاولات بعض القوى الكبرى وضع المخارج لهذه الزمرة الانقلابية عبر الدفع باتجاه استئناف المشاورات».
ويؤكد التميمي، أنه وأمام الزاوية التي حشروا فيها: «يعمل الانقلابيون وإيران عبر أذرع ناعمة وأخرى خشنة على تعقيد المشكلة وتوجيه الأضواء حول قضايا بعينها على هامش الحرب، ومنها القضايا المرتبطة بالجانب الحقوقي والإنساني من خلال إظهار أن هناك حصارا مفروضا عبر صرف الدلالة الحقيقية للحصار المفروض على توريد الأسلحة للانقلابيين»، مشيرا إلى أنه، في الوقت ذاته، يجري «وضع المزيد من التعقيدات في مسار الحل عبر التصعيد غير المسؤول في مواقع استراتيجية مثل باب المندب وتعريض هذه المنطقة للتهديد»، مؤكدا أن «الهدف الحقيقي وراء هذا التوجه نحو تعقيد المشهد اليمني، هو إفشال الحلول السلمية ومحاولة تغذية الاستقطابات الإقليمية والدولية ونسف المرجعيات، والتأسيس في أي عملية سياسية قادمة، على الفوضى والحرب لا على الوفاق والمرجعيات».



أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.


البنك الدولي: الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد اليمني

اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
TT

البنك الدولي: الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد اليمني

اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)
اليمن عُرضة لاضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن (إعلام حكومي)

حذّر البنك الدولي من أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران يلقي بظلال قاتمة على مستقبل الاقتصاد اليمني، في وقت يواصل فيه البلد مواجهة أزمات مركبة ناجمة عن توقف صادرات النفط، وتراجع التمويل الإنساني، وضعف الموارد الحكومية، مؤكداً أن قدرة الحكومة اليمنية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي ستظل مرهونة بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية والحفاظ على الدعم الدولي.

وفي تقريره حول الوضع الاقتصادي في اليمن، الذي حمل عنوان «السباحة ضد التيار»، ذكر البنك الدولي أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنسبة 1.5 في المائة خلال عام 2025، متوقعاً استمرار التراجع بنسبة إضافية تبلغ 0.5 في المائة خلال العام الحالي، نتيجة الاختلالات الهيكلية المزمنة والصدمات الخارجية المتلاحقة.

وأوضح التقرير أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً اتخذت خطوات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، من بينها إعداد أجندة إصلاح شاملة للعام الحالي، وإقرار الموازنة العامة للدولة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء، عادّاً أن هذه الخطوات تستهدف ضبط أوضاع المالية العامة وتحسين إدارة الموارد.

الحرب في إيران ستؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في اليمن (إعلام محلي)

وأكد البنك الدولي أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة اليمنية يعتمد على الاستمرار في تطبيقها وتواصل الدعم الدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المالية العامة بعد توقف صادرات النفط، التي تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات.

وبالتزامن مع قرار الحكومة تحرير سعر الدولار الجمركي، أوضح التقرير أن الاقتصاد اليمني واصل مساره المليء بالتحديات خلال العام الماضي، مع استمرار توقف تصدير النفط، وضعف النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات نتيجة هشاشة بيئة الأعمال وشح التمويل المحلي وتراجع الطلب الداخلي.

أوضاع هشة

أشار تقرير البنك الدولي إلى انخفاض حاد في تمويل المساعدات الإنسانية في اليمن، إذ لم تغطِّ الأموال المخصصة لخطة الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة سوى 28 في المائة من الاحتياجات الفعلية خلال عام 2025، مقارنة بـ56.5 في المائة في العام السابق.

وطبقاً لبيانات البنك الدولي، تراجعت الإيرادات الحكومية إلى 5.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متأثرة بانخفاض المنح الخارجية، وهو ما انعكس على قدرة الحكومة في تغطية رواتب الموظفين العموميين وإعانات الدعم والإنفاق الأساسي، الأمر الذي كشف ضيق الحيز المالي المتاح أمام السلطات.

هجمات الحوثيين حرمت الحكومة اليمنية من تصدير النفط (إعلام محلي)

على الصعيد النقدي، رأى البنك الدولي أن إجراءات البنك المركزي اليمني لتثبيت سعر الصرف أسهمت في استقرار قيمة الريال اليمني بعد موجة تراجع حادة شهدها في أغسطس (آب) من العام الماضي، مدعومة بتدفقات خارجية شملت دعماً مالياً سعودياً.

وأضاف التقرير أن هذه الإجراءات أسهمت في الحد من التضخم، إلا أن الوضع الاقتصادي لا يزال هشاً في ظل ضعف التحويلات المالية والصادرات والمساعدات الخارجية، التي تمثل مصادر رئيسية للدخل في البلاد.

كما نبه البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني يظل معرضاً بصورة كبيرة للصدمات الخارجية، بسبب اعتماده الواسع على الواردات لتأمين السلع الأساسية، الأمر الذي يجعله أكثر حساسية لأي اضطرابات إقليمية أو ارتفاع في تكاليف النقل والشحن.

توقعات غامضة

في شأن تأثير التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية، قال البنك الدولي إن تصاعد التوترات الإقليمية يزيد من غموض التوقعات الاقتصادية لليمن، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الواردات، ما يجعلها أكثر عُرضة لارتفاع الأسعار العالمية واضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن.

ورأى معدّو التقرير أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يعيش فيه نحو ثلاثة أرباع السكان تحت خط الفقر، بينما تعاني شريحة واسعة من انعدام الأمن الغذائي.

وقالت مديرة مكتب البنك الدولي في اليمن، دينا أبو غيدة، إن الاقتصاد اليمني «لا يزال يواجه تحديات عميقة، مع محدودية هوامش الأمان الضرورية لاستيعاب الصدمات الجديدة»، مؤكدة أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ودعم الخدمات الأساسية وفرص العمل يتطلب استمرار دعم شركاء التنمية، إلى جانب إحراز تقدم نحو السلام والاستقرار المؤسسي.


الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)

كثّفت الحكومة اليمنية من تحركاتها لطمأنة السكان مع بدء تنفيذ قرار تحرير سعر الدولار الجمركي، مؤكدةً أن القرار لن ينعكس على أسعار السلع الأساسية، وأنه يقتصر على السلع الكمالية وغير الضرورية، في حين تبقى المواد الغذائية والأدوية الأساسية معفاة من الرسوم الجمركية.

جاءت التحركات الحكومية وسط مخاوف وشكاوى متزايدة من السكان بشأن احتمال استغلال التجار قرار رفع أسعار الديزل بنسبة 24 في المائة، إلى جانب تحرير سعر الدولار الجمركي بنسبة تصل إلى 100 في المائة، لفرض زيادات كبيرة على أسعار السلع، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى.

وأكد وزير الصناعة والتجارة اليمني، محمد الأشول، أن السلع الأساسية المعفاة جمركياً لن تتأثر بقرار تحريك سعر الدولار الجمركي، مشدداً على أن القرار يطول السلع الكمالية فقط وبنسب محدودة لا تمس الاحتياجات الأساسية للسكان.

وزارة الصناعة والتجارة اليمنية كثّفت تحركاتها لطمأنة السكان (إعلام حكومي)

وقال الأشول إن الحكومة تضع تحسين الأوضاع المعيشية للسكان في مقدمة أولوياتها، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وحماية السوق المحلية من الاختلالات والممارسات الاحتكارية.

وأشار الوزير إلى أن صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 في المائة لموظفي الدولة، واعتماد العلاوات السنوية المستحقة للأعوام من 2021 إلى 2024، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً، يعكس توجه الحكومة نحو الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والتخفيف من الأعباء المعيشية عن السكان.

لجان رقابة وتحذيرات للتجار

دعا وزير الصناعة والتجارة اليمني القطاع الخاص والتجار إلى الالتزام بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وعدم استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مؤكداً أن الوزارة تتابع بصورة مستمرة حركة الأسواق والتغيرات السعرية بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وجدد الأشول تأكيد أهمية الشراكة مع القطاع الخاص بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق، داعياً التجار إلى التعاون مع الحكومة للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية وتعزيز الثقة بالسوق المحلية، في ظل استقرار أسعار الصرف والجهود الحكومية المستمرة لضبط الأوضاع الاقتصادية.

شكاوى يمنية من ارتفاع الأسعار وضعف فاعلية الرقابة (إعلام محلي)

وفي ظل تشكيك سكان بقدرة الوزارة على ضبط أسعار السلع، رغم التحسن الكبير في سعر العملة المحلية منذ منتصف العام الماضي، أعلن الأشول تشكيل لجان ميدانية وفرق رقابة في مختلف المحافظات للنزول إلى الأسواق وضبط المخالفات ومنع الاحتكار والمغالاة، بالتعاون مع السلطات المحلية والنيابات العامة والأجهزة الأمنية.

وتعهد الوزير بعدم تهاون الوزارة مع أي تجاوزات تمس استقرار السوق أو تثقل كاهل السكان، مشيراً إلى أن وزارة الصناعة والتجارة تمتلك منصة إلكترونية لتلقي البلاغات والشكاوى من السكان، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك وقف السجلات التجارية وإدراج المتجاوزين ضمن القوائم السوداء في حال استمرار المخالفات.

رهان على زيادة الإيرادات

أكدت مصلحة الجمارك اليمنية أن قرار تحرير سعر الصرف الجمركي لن ينعكس على الوضع المعيشي أو يمس احتياجات السكان الأساسية، موضحةً أن السلع المشمولة بالإعفاءات تشمل القمح والأرز والأدوية المدرجة ضمن القائمة الوطنية، بوصفها ركائز أساسية للأمن الغذائي والصحي.

وقالت المصلحة، في بيان، إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الضرورية، التي ظلت خلال السنوات الماضية تستفيد من احتساب الرسوم الجمركية وفق سعر صرف منخفض لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة في السوق، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للخزينة العامة.

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر استقراراً وعدالة وكفاءة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، ومعالجة الاختلالات القائمة، وتحسين كفاءة تحصيل الموارد العامة بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

الحكومة اليمنية تتوقع زيادة كبيرة في الإيرادات (إعلام حكومي)

ووفقاً لمصلحة الجمارك، فإن تحرير سعر الصرف الجمركي من المتوقع أن يحقق زيادة كبيرة في الإيرادات العامة خلال العام الجاري مقارنةً بعام 2025، وهو ما يمثل مورداً مهماً لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزاماتها الأساسية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وأضافت المصلحة أن الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية والجمركية ستساعد الحكومة على تعزيز الخدمات العامة وصرف المرتبات، في وقت تواجه فيه الحكومة تداعيات الحرب التي يشنها الحوثيون، والتي أدت إلى تعطيل جزء كبير من موارد الدولة، خصوصاً عائدات تصدير النفط.

مخاوف من موجة غلاء

بيّنت مصلحة الجمارك اليمنية أن استمرار احتساب الرسوم الجمركية بسعر صرف أقل بكثير من السعر الحقيقي في السوق كان يؤدي إلى فجوة كبيرة في الإيرادات، استفادت منها فئات محددة من المستوردين والتجار الذين كانوا يدفعون رسوماً منخفضة، بينما يتم تسعير كثير من السلع للمستهلك وفق أسعار السوق الفعلية.

وأوضحت أن هذا الوضع خلق تشوهات اقتصادية واختلالات في العدالة الضريبية والجمركية، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل مواردها السيادية بصورة عادلة وكفؤة.

وربطت المصلحة نجاح قرار تحرير سعر الصرف الجمركي بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة، ضمن رؤية حكومية تستهدف توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة الاختلالات السعرية، وتحسين كفاءة التحصيل الجمركي والضريبي، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة التهرب والفساد.

وأكدت أن الحكومة وجّهت الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي محاولات لاستغلال القرار في فرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مشيرةً إلى أن الأجهزة الرقابية والتموينية ستواصل متابعة حركة الأسعار وضبط المخالفات ومنع أي ممارسات احتكارية أو استغلالية تضر بالسكان.