3 حروب خاضتها «الجارتان النوويتان».. والتوتر ينبئ بحرب رابعة

التوتر يتصاعد بين الهند وباكستان في منطقة كشمير المتنازع عليها

3 حروب خاضتها «الجارتان النوويتان».. والتوتر ينبئ بحرب رابعة
TT

3 حروب خاضتها «الجارتان النوويتان».. والتوتر ينبئ بحرب رابعة

3 حروب خاضتها «الجارتان النوويتان».. والتوتر ينبئ بحرب رابعة

في وقت مبكر من 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، تسللت قوات العمليات الخاصة الهندية عبر خط السيطرة إلى داخل ولاية كشمير الباكستانية وهاجمت مواقع لإرهابيين كانوا تجمعوا بهدف التسلل إلى الأراضي الهندية.
ازدادت حدة التوتر بين الدولتين النوويتين، اللتين خاضتا ثلاث حروب شاملة، انتهت الأولى بتقسيم كشمير عام 1949، ولم تفلح الثانية عام 1965 في تغيير هذا الوضع، في حين أسفرت الثالثة عام 1971عن تقسيم باكستان نفسها إلى دولتين بعد انفصال باكستان الشرقية وتأسيس جمهورية بنغلاديش.
لماذا اندلعت الحرب بين الهند وباكستان؟ وكيف كانت مجرياتها؟ وما أبرز النتائج التي تمخضت عنها؟ بالعودة إلى تاريخ الحرب نجيب عن هذه الأسئلة بالتفصيل.
الحرب الأولى اندلعت عام 1947 - 1948 بسبب قضية كشمير إذ رغبت كل من الدولتين ببسط سيطرتها على تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة، وانتهت هذه الحرب بعد أن قسمت كشمير بينهما فيما بات يعرف الآن بولاية جامو وكشمير الخاضعة للسيادة الهندية وآزاد كشمير (كشمير الحرة) التابعة لباكستان.
بدأت الحرب بتصعيد سياسي ومناوشات عسكرية محدودة ثم تبعه اجتياح عسكري شامل من جيوش الدولتين، وفي 17 يونيو (حزيران) 1947 أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال وتقسيم الهند ومنح الإمارات والولايات الحق في الانضمام إما إلى الهند أو إلى باكستان، فانضمت معظم الولايات إلا ثلاثا كان من بينها ولاية جامو وكشمير إذ تردد حاكمها هاري سينغ في تنفيذ القانون البريطاني، الأمر الذي دفع الكشميريين المسلمين في مقاطعة بونش الواقعة في الجزء الأوسط الغربي للقيام بثورة مسلحة ساعدتهم فيها باكستان، وأعلن الثوار إقامة أول حكومة لـ«آزاد كشمير» أو كشمير الحرة.
وفي أغسطس (آب) 1947 رد الهندوس المتعصبون المدعومون من قبل حكومة الولاية، خصوصًا في جامو التي كان بها أغلبية مسلمة قبل أن تتحول إلى أقلية بمذابح جماعية ضد مسلمي الولاية، ما أدى إلى قتل نحو 200 ألف مسلم وفرار الكثير منهم إلى منطقة آزاد كشمير.
ودخل رجال مسلحون من قبائل الباتان في شمال غربي باكستان في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1947 إلى كشمير، للدفاع عن المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد الهندوسي، بينما أرسل المهراجا سينغ يطلب المساعدة العسكرية من الهند فاشترطت عليه إعلان الانضمام إليها أولا فوافق على ذلك.
الهند أعلنت موافقتها الرسمية على انضمام جامو وكشمير إليها في 27 من الشهر نفسه، وأمرت قواتها النظامية بالتدخل المباشر في هذا النزاع، ورد الحاكم العام لباكستان محمد علي جناح على التدخل الهندي بإصدار أوامره إلى الجنرال جراسي القائد البريطاني المؤقت للقوات الباكستانية لإرسال قوات باكستانية إلى كشمير، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) اجتمع الحاكم العام للهند اللورد مونباتن، بعد أن اعتذر رئيس الوزراء الهندي نهرو لمرض ألمّ به، مع محمد علي جناح في أول مباحثات هندية - باكستانية بشأن كشمير، وقدم جناح في هذا الاجتماع اقتراحات تدعو إلى وقف إطلاق النار وسحب القوات الهندية ورجال القبائل الباكستانيين في وقت واحد من أراضي ولاية جامو وكشمير على أن تتولى الهند وباكستان إدارة الولاية ويجري استفتاء تحت إشراف البلدين المباشر. فرفضت الهند هذه المقترحات، واستمر القتال بين الطرفين طوال شتاء وربيع عام 1948، وفي أواخر مارس (آذار) 1948 اشتركت القوات النظامية الباكستانية في القتال.
في تلك الأثناء، احتجت الهند رسميا لدى الأمم المتحدة على ما سمته بالاعتداء الباكستاني على أراضٍ انضمت إلى الهند قانونيًا، وذلك بالإحالة إلى المادتين 34 و35 من الفقرة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة عن «الحل السلمي للنزاعات».
وفي مايو (أيار) 1948 تمكنت القوات الباكستانية من تحقيق بعض الانتصارات العسكرية واستبسلت في الدفاع عن قطاع مظفر آباد، مما اضطر القوات الهندية للتوقف وأصبح القتال متقطعًا ومتأثرًا بالنشاط الدبلوماسي للدولتين في الأمم المتحدة.
وانتهت الحرب الأولى بإبرام اتفاقية، وتوقف إطلاق النار بين الدولتين بعد وساطة من الأمم المتحدة، وأصبح وقف إطلاق النار نافذ المفعول في أول يناير (كانون الثاني) 1949، وانقسمت كشمير إلى جزأين؛ الأول خاضع للسيادة الهندية ويسمى جامو وكشمير بعاصمته سرينغار، والثاني تسيطر عليه باكستان وعاصمته مظفر آباد، فيما هدأت الأوضاع نسبيا على الحدود لكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فبعد سنوات عاد التوتر وتصاعدت وتيرة الأحداث لتفضي إلى الحرب الثانية عام 1965.
في الحرب الثانية، توتر الموقف بين البلدين بصورة خطيرة عامي 1963 - 1964 بعد اضطرابات طائفية بين المسلمين والهندوس في كشمير، ثم وصلت الأزمة إلى حافة الحرب في ديسمبر (كانون الأول) 1964 بعدما أعلنت الهند إغلاق باب التسوية السياسية وإلغاء الوضع الخاص بكشمير مما فجر الحرب عام 1965.
وبدأت شرارة الحرب الثانية بين الهند وباكستان الأول من يناير 1965 بالنزاع على منطقة ران كوتش التي تعني في اللغة الهندية أرض المستنقعات، وهي منطقة ليس لها قيمة استراتيجية أو اقتصادية، ثم تكررت المناوشات العسكرية في مناطق أخرى حتى اندلعت الحرب الشاملة بينهما.
انتقل الهجوم الهندي من منطقة ران كوتش إلى المواقع الباكستانية في أقصى الشمال الغربي لكشمير، وذلك في الرابع والخامس من أبريل (نيسان) 1965، وتكرر الهجوم نفسه بعد ثلاثة أيام وتمكنت القوات الباكستانية من صد الهجومين.
وفي التاسع من الشهر نفسه، انتقلت القوات الباكستانية من دور الدفاع إلى الهجوم، فأغارت على بلدة سردار بوست، بجوار قلعة «كنجاركوت»، ونجحت في الاستيلاء على المواقع الهندية بها، مما أجبرها على التراجع إلى الخلف تاركة بعض عتادها.
وتوسعت باكستان في هجماتها على المواقع الهندية، خصوصًا بين بلدتي شدبت وبياربت، في الـ24 من الشهر ذاته، مستخدمة بعض الأسلحة الأميركية والدبابات للمرة الأولى، فيما حاولت الهند استعادة هذه الأماكن التي استولت عليها باكستان لكنها لم تستطع.
وحشدت الهند قواتها في البنجاب ودعمتها بالمدرعات واتخذت أوضاعًا هجومية، في الثامن من مايو 1965، وسارعت باكستان بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن.
وفي أواخر يونيو 1965، نجحت وساطة دولية قام بها رئيس وزراء بريطانيا هارولد ولسن في تخفيف حدة التوتر والتوصل إلى اتفاق نص على وقف إطلاق النار في ران كوتش وانسحاب الحشود العسكرية في البنجاب إلى الخلف والعودة إلى حالة ما قبل الحرب.
ولم تَدُمْ تلك الوساطة طويلاً، حيث عاد التوتر من جديد إلى حدود البلدين في الخامس من أغسطس 1965، وعبر متسللون باكستانيون مسلحون بأسلحة خفيفة وقنابل يدوية وعبوات ناسفة خط وقف النار داخل كشمير وحاولوا الاستيلاء على السلطة في سرينغار عاصمة ولاية جامو وكشمير التي تسيطر عليها الهند، وتكوين مجلس ثوري يطلب المساعدة المباشرة من باكستان، ليكون ذلك ذريعة لتدخل القوات الباكستانية النظامية إلى الولاية، لكن خططهم هذه باءت بالفشل.
وفي سبتمبر من العام ذاته، شنت باكستان هجومًا قويًا استخدمت فيه المدرعات في منطقة شامب جنوب غربي كشمير، ونجح هذا الهجوم في دفع القوات الهندية إلى الخلف، واستولت القوات الباكستانية على مدينة أخانور على مسافة نحو 20 ميلا داخل الأراضي الهندية.
بدوره مجلس الأمن الدولي، اتخذ قرارا في الثالث من سبتمبر دعا فيه الهند وباكستان إلى وقف الحرب فورا واحترام خط وقف إطلاق النار وانسحاب جميع الأفراد المسلحين والتعاون مع المراقبين العسكريين للأمم المتحدة في الهند وباكستان للإشراف على مراقبة وقف إطلاق النار.
ولم تحترم الهند القرار السابق وسارعت بشن هجوم واسع النطاق على الجبهة الغربية بأكملها في السادس من الشهر ذاته، خصوصًا في منطقة البنجاب ومدينتي لاهور وسيالكوت.
وفي 9 سبتمبر 1965، فشلت مهمة السكرتير العام للأمم المتحدة الرامية إلى وقف الحرب بين البلدين وعاد من الهند وباكستان دون أن تسفر جهوده عن شيء.
في غضون ذلك، وجهت الصين إنذارا شديدا إلى الهند وهددتها بالاشتراك الفعلي في الحرب إذا لم تستجب لنداءات المجتمع الدولي بوقف الحرب، لكن الولايات المتحدة رفضت هذا الإنذار، وقالت إن «الصين لا يمكنها أن تهاجم الهند دون أن تتعرض للردع الأميركي».
وعاد مجلس الأمن لإصدار قرار جديد، في 20 سبتمبر 1965، بوقف إطلاق النار وانسحاب الجيشين إلى ما قبل الخامس من أغسطس 1965، وقبلت الدولتان هذا القرار اعتبارا من 23 سبتمبر 1965.
توقفت الحرب بين البلدين بعد مباحثات السلام التي تمت بينهما برعاية الاتحاد السوفياتي في العاصمة الأوزبكية طشقند في يناير 1966، التي أسفرت عن التوقيع على «اتفاقية طشقند»، وأبرزت هذه الحرب عدة حقائق منها أن تصعيد القتال في كشمير يمكن أن يستدرج الدولتين إلى حرب شاملة، وأنه لم يعد التهديد الصيني للهند ذا بال بسبب الردع الأميركي والتأكيد على أنها لن تسمح لبكين بالاشتراك في هذا النزاع.
ورغم توقف القتال بعد اتفاقية طشقند فإن مشكلة كشمير التي فجرت الحرب بينهما للمرة الثانية لم تحل الأمر الذي مهد الطريق أمام الحرب الثالثة عام 1971.
الحرب الثالثة التي تعرف بحرب الأسبوعين أو الحرب الخاطفة، أدت في أواخر عام 1971 إلى فصل باكستان الشرقية عن الغربية وقيام جمهورية بنغلاديش.
بدأت الحرب الثالثة بتصعيد سياسي صحبته عمليات عسكرية محدودة على الحدود استمرت ثمانية أشهر قبل أن يحدث الهجوم الشامل.
ففي 23 نوفمبر 1971، أعلن الرئيس الباكستاني يحيى خان حالة الطوارئ عقب أول هجوم هندي ذي شأن، وفي الأول من ديسمبر قطعت الهند - بمساعدة «الموكيتي باهييني» (أي فدائيي بنغلاديش) - خطوط السكك الحديدية بين العاصمة داكا وخولنا وشيتا كونغ الميناءين الرئيسيين على خليج البنغال وكوميلا قرب الحدود الشرقية.
وفي اليوم التالي، شنت القوات الهندية الجوية ضربات مركزة استهدفت مطارات وطائرات باكستان، واستمر القصف طوال يومين، دُمرت خلالها معظم الطائرات الباكستانية وفرضت الهند سيطرتها الجوية في سماء باكستان الشرقية.
وفي الخامس من الشهر ذاته، أغرقت مجموعة قتال بحرية هندية المدمرتين الباكستانيتين خيبر وشاه جيهان، كما أعطبت سفينتين أخريين في معركة بحرية على بعد 20 ميلا من كراتشي، وأغرقت غواصة باكستانية وعلى متنها بحارتها الثمانون في خليج البنغال.
وضربت الهند بلدة جيسور تمهيدا لانتقال حكومة بنغلاديش إليها من منفاها في كلكتا (6 ديسمبر 1971) وانقسم إقليم شيتا كونغ في الشرق إلى شطرين، واستطاعت القوات الهندية أسر السفينتين الباكستانيتين «مينيلوف» و«مينيليدي»، ولم ينته ذلك اليوم إلا وقد أمر الجنرال نيازي قائد القوات الباكستانية الشرقية قواته بالانسحاب الاستراتيجي العام.
وحاول مجلس الأمن الدولي في اليوم نفسه وللمرة الثانية خلال 24 ساعة استصدار قرار يدعو الهند وباكستان إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات المسلحة لكل منهما من أراضي الطرف الآخر، لكن الاتحاد السوفياتي حال دون ذلك باستعماله حق النقض (الفيتو)، الذي يتضمن دعوة باكستان لوقف أعمال العنف في باكستان الشرقية.
وفي ال 8 من ديسمبر 1971 أحيلت القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث لا يتمتع أي من الدول بحق النقض، فأصدرت قرارا بعد 24 ساعة يفرض على الهند وباكستان وقف إطلاق النار فورًا وسحب القوات العسكرية من الأراضي التي احتلتها كل منهما، لكن هذا القرار ظل دون تنفيذ وسارت الحرب الهندية الباكستانية حتى نهايتها.
وما إن اتخذت القوات الباكستانية المنسحبة مواقعها حول دكا حتى بادرتها القوات الجوية الهندية بقصف شديد أدى إلى استسلام ألفي جندي وضابط باكستاني في العاشر من الشهر نفسه.
ووصلت طلائع الأسطول السابع الأميركي في 14 ديسمبر 1971، إلى خليج البنغال تتقدمها حاملة الطائرات الذرية «إنتربرايز» مقبلة عبر مضيق ملقا وذلك سعيا منها لوضع حد لهذه الحرب المستعرة، لكن بعد فوات الأوان، أعلنت رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي أن «دكا مدينة حرة في وطن حر».
وبعد يومين، وقع قائد القوات الباكستانية الجنرال نيازي وثائق الاستسلام في دكا وتسلمها منه قائد القوات الهندية الجنرال أورورا.
انتهت الحرب بعد أن فقدت باكستان جزأها الشرقي ولم يستطع الرئيس يحيى خان مواجهة الغضب الشعبي فقدم استقالته في 20 ديسمبر 1971 ليخلفه الزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو.
وكبدت الحرب الثالثة باكستان خسائر فادحة كان أهمها انفصال شطرها الشرقي كدولة جديدة عرفت باسم جمهورية بنغلاديش.
الحروب الثلاث التي خاضتها الهند وباكستان، كبدت الدولتين خسائر بشرية ومادية جسيمة، لكن نظرا لصعوبة إحصائها من جانب ولطبيعة هذه المعلومات وحساسيتها بالنسبة للروح المعنوية لدى كل طرف من جانب آخر جاءت الأرقام التي تتحدث عن المحصلة النهائية لحربي 1965 و1971 مبتسرة ومتضاربة.
أما حصيلة الحرب الأولى 1947 – 1948، فإن المصادر المتوافرة عنها اكتفت فقط بنتيجتها النهائية وهي تقسيم كشمير نفسها بين الدولتين المتحاربتين، وربما ألقى هذا الجدول ضوءا ولو خافتا على خسائر كل طرف في الحرب الثالثة (1971) التي يعتبرها بعض الخبراء العسكريين أهم وأخطر ما اندلع من حروب بينهما.
وبصفة عامة يمكن القول بعد استعراض هذه الحروب الثلاث إنه إذا لم تجد المشكلة الكشميرية التي كانت سببا في تفجير كل الحروب التي اندلعت بين الهند وباكستان حلا فإن احتمالات وقوع حرب أخرى رابعة بينهما أمر ليس مستبعدا، وإن كان ما سيميزه هذه المرة هو أن العالم سيتابعه وهو يحبس أنفاسه خوفا من لجوء إحداهما أو كلتيهما إلى السلاح النووي، وهو ما سيعني كارثة بيئية وبشرية في أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.
ووصفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية تفاصيل العملية الهندية الأخيرة بالضربات الجراحية الغامضة، ومن المرجح أن تتكرر، ذلك أن عبور الهند لخط السيطرة ليس حدثًا جديدًا بالكامل، لكن مدى الضربات والاعتراف العلني للجيش الهندي بها، تدشنان آفاقًا جديدة.
ورحب القادة والرأي العام الهندي بالضربات على أساس أنها رد مبرر على هجوم في 18 سبتمبر 2016 في منطقة أوري بكشمير الهندية أسفر عن مقتل 19 جنديًا.
ونفت باكستان أن تكون الضربات الجراحية الهندية قد حصلت، قائلة إن اثنين من جنودها قتلا في تبادل للقصف المدفعي.
ورغم ذلك، فإن الإعلان عن الضربات من قبل الحكومة الهندية من شأنه المساعدة في تهدئة الغضب الهندي المحلي حيال الإرهاب الذي يتخذ باكستان مقرًا له وأن يبعث برسالة إلى إسلام آباد.
ووفقًا للصحيفة، يبدو أن الهند قد اتخذت أيضًا خطوات لتخفيف التصعيد العسكري بين الدولتين النوويتين، من طريق استهداف منشآت غير عسكرية، وإجراء اتصال مع الجيش الباكستاني حول الطبيعة المحدودة للعمليات.
وتمثل الضربات الجراحية الهندية جزءًا من الاستدارة المستمرة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي نحو باكستان، حيث توقع الكثير أن يتبنى مودي سياسة متشددة حيال باكستان عند انتخابه، فإن الأخير استثمر الكثير من الموارد لحمل إسلام أباد على الانخراط في عملية سياسية خلال العامين الماضيين.
ومن بين الأمور التي قام بها، كان دعوة نظيره الباكستاني نواز شريف لحضور مراسم تنصيبه عام 2014 وقيامه بزيارة مفاجئة لمسقط رأس شريف في باكستان.
لكن مزاج الهند أخذ بالتشدد في يوليو (تموز) عندما حاولت باكستان تحقيق مكاسب دبلوماسية وسياسية بناء على موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في كشمير الهندية.
ورد مودي برفض التنديد بهجوم إرهابي في مدينة كويتا الباكستانية في أغسطس، وللمرة الأولى أثار في خطاب ألقاه في يوم الاستقلال في 15 أغسطس مسألة حقوق في إقليمي بلوشستان وكشمير الباكستانيين.
ولم يكن من شأن هجوم أوري سوى إضفاء مزيد من التعقيدات على العلاقات وتصليب القرار الهندي.
وفي الأيام التي تلت الهجوم تداول القادة السياسيون والعسكريون الهنود خيارات عدة، وفي خطابه الأول بعد الهجوم، أطلق مودي ردًا محسوبًا ميز فيه بين الشعب الباكستاني وقيادته، وتلته وزيرة الخارجية شوشما سوارج عبر خطاب حاد اللهجة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، رأت فيه أن الإرهاب الذي يتخذ باكستان مقرًا له يشكل تحديًا دوليًا وله علاقة بهجمات حصلت أخيرا في نيويورك وبروكسل وكابل ودكا، ورفعت من منسوب الانتقاد لسجل حقوق الإنسان في بلوشستان، بينما جاء رد الفعل الأميركي على التوتر الأخير أكثر دعمًا للهند مما كان عليه في الماضي.
وتعتمد المؤشرات الآتية، على ما ستقرره باكستان من خيارات للرد على الضربات الجراحية الهندية، فإذا ما اختارت القيادة الباكستانية اتخاذ خطوات لوضع حد لعمليات التسلل عبر الحدود، فإن الضربات الهندية والتنديد الدولي بباكستان يكون قد أعطى ثماره.
لكن نظرًا إلى وقوع هجوم آخر (الأحد) في بارامولا، فإن الدلائل الأولى ليست مشجعة، ويبقى الجيش الباكستاني القوة المهيمنة في الأمن القومي للبلاد، وتخليه عن دعم الجماعات المتشددة سيعني المخاطرة بأفضليته في السياسة الباكستانية. وأكثر من ذلك تتشجع الحكومة الباكستانية بدعم لا سابق له اقتصاديًا وسياسيًا من الصين، وقد يقلل ذلك من زخم الضغط الدولي على إسلام آباد.



جهاز سري في النرويج يعيد إحياء لغز «متلازمة هافانا»

مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
TT

جهاز سري في النرويج يعيد إحياء لغز «متلازمة هافانا»

مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)
مقر السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)

في تطور يضيف مزيداً من الغموض إلى ملف «متلازمة هافانا»، كشفت معلومات عن تجربة سرية أجراها عالم حكومي في النرويج، قام خلالها ببناء جهاز قادر على بث نبضات قوية من طاقة الميكروويف.

وفي محاولة لإثبات أن هذه الأجهزة غير ضارة بالبشر، أقدم الباحث عام 2024 على اختبار الجهاز على نفسه. إلا أنه عانى لاحقاً من أعراض عصبية مشابهة لتلك المرتبطة بـ«متلازمة هافانا»، المرض الغامض الذي أصاب مئات الجواسيس والدبلوماسيين الأميركيين حول العالم.

هذه الرواية غير المألوفة، التي نقلها أربعة أشخاص مطلعين على الأحداث، تمثل أحدث حلقة في مسعى استمر عقداً من الزمن لفهم أسباب «متلازمة هافانا». ويعاني المصابون بهذه الحالة من آثار طويلة الأمد تشمل صعوبات إدراكية، ودواراً، وغثياناً. وتُطلق الحكومة الأميركية على هذه الحالات اسم «الحوادث الصحية الشاذة»، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

ولم يُكشف سابقاً عن تفاصيل هذا الاختبار السري في النرويج. وأفاد شخصان مطلعان بأن الحكومة النرويجية أبلغت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) بنتائج التجربة، ما دفع مسؤولين من البنتاغون والبيت الأبيض إلى زيارة النرويج مرتين على الأقل خلال عام 2024.

ويؤكد المطلعون أن هذه التجربة لا تُثبت أن إصابات الدماغ الحادة ناجمة عن خصم أجنبي يمتلك سلاحاً سرياً شبيهاً بالنموذج الأولي الذي جرى اختباره في النرويج.

وأشار أحدهم إلى أن الأعراض التي عانى منها الباحث النرويجي، الذي لم تُكشف هويته بسبب حساسية الموضوع، لم تكن مطابقة لتلك المرتبطة بإصابة دماغية حادة «تقليدية». وقد تحدث جميع المصادر شريطة عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لطبيعة القضية الحساسة.

مع ذلك، عززت هذه التطورات موقف مَن يرون أن «أجهزة الطاقة النبضية»، وهي آلات تطلق حزماً قوية من الطاقة الكهرومغناطيسية، مثل الموجات الدقيقة، في دفعات قصيرة، يمكن أن تؤثر في بيولوجيا الإنسان، وأن خصوم الولايات المتحدة قد يعملون على تطوير مثل هذه التقنيات.

وقال بول فريدريش، الجراح العسكري المتقاعد والجنرال في سلاح الجو الذي أشرف على التهديدات البيولوجية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض خلال إدارة الرئيس جو بايدن: «أعتقد أن هناك أدلة قوية تدعونا للقلق بشأن القدرة على بناء سلاح طاقة موجهة يمكن أن يُسبب مخاطر متنوعة على البشر».

لكنه امتنع عن التعليق تحديداً على التجربة النرويجية.

تولت إدارة ترمب السلطة متعهدة بمتابعة قضية «الحوادث الصحية الشاذة» بجدية، إلا أن التقدم في هذا الملف ظل محدوداً. ومن المتوقع أن يركز التقرير الذي أمرت به مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، بصورة أساسية على كيفية تعامل إدارة بايدن مع القضية، غير أن نشر التقرير تأخر، وفقاً لمصادر مطلعة.

تغيير في التقييمات

وفي تطور منفصل كُشف عنه خلال الأسابيع الأخيرة، اشترت الحكومة الأميركية سراً، في نهاية ولاية إدارة بايدن، جهازاً أجنبي الصنع يُصدر موجات راديوية نابضة، ويعتقد بعض الخبراء أن له صلة محتملة بـ«الحوادث الصحية الشاذة»، حسب مصدرين مطلعين.

ويخضع هذا الجهاز حالياً لاختبارات لدى وزارة الدفاع الأميركية. ويحتوي على بعض المكونات روسية الصنع، غير أن الحكومة الأميركية لم تحدد بشكل قاطع الجهة المصنعة له، وفقاً لأحد المصادر.

وأوضح أحد المطلعين أن الجهاز الذي طوّره العالم في النرويج لا يتطابق مع الجهاز الذي حصلت عليه الحكومة الأميركية سراً. وأضاف أن النموذج النرويجي بُني استناداً إلى «معلومات سرية»، ما يوحي بأنه اعتمد على مخططات أو مواد أخرى مسروقة من حكومة أجنبية.

وفي الفترة نفسها تقريباً التي علمت فيها الولايات المتحدة بوجود جهازي الطاقة النبضية، عدّلت وكالتان استخباريتان أميركيتان تقييمهما السابق، وخلصتا إلى أن بعض الحوادث قد تكون من فعل خصم أجنبي. وصدر هذا التعديل في تقييم استخباراتي أميركي مُحدّث في يناير (كانون الثاني) 2025، خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية إدارة بايدن.

وجاء في التقييم أن «تقارير جديدة» دفعت الوكالتين إلى «تغيير تقييماتهما بشأن ما إذا كانت جهة أجنبية تمتلك قدرة على إحداث آثار بيولوجية تتوافق مع بعض الأعراض المُبلغ عنها».

وأفاد عدد من المطلعين أن إحدى الوكالتين هي وكالة الأمن القومي المسؤولة عن اعتراض وفك تشفير الاتصالات الإلكترونية الأجنبية. أما الأخرى، فهي، حسب شخصين من هؤلاء، المركز الوطني للاستخبارات الأرضية، وهي وكالة تابعة للجيش الأميركي مقرها شارلوتسفيل، وتختص بتحليل القدرات العلمية والتقنية والعسكرية للخصوم الأجانب.

ورغم ذلك، أكدت غالبية وكالات الاستخبارات الأميركية، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية وأربع وكالات أخرى، أنها لا تزال ترى أن احتمال وقوف خصم أجنبي وراء الهجمات أو تطويره سلاحاً جديداً لهذا الغرض «مستبعد للغاية». وأوضح مسؤولون أميركيون أن اتصالات جرى اعتراضها أظهرت خصوماً للولايات المتحدة يعبرون عن دهشتهم من الحوادث وينفون أي تورط فيها.

وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق على التجربة النرويجية أو على تأثيرها في تحليلها للقضية، كما لم ترد سفارة النرويج في واشنطن على طلب للتعليق.

وقد أشار بعض المسؤولين السابقين والضحايا إلى روسيا باعتبارها المشتبه به الرئيسي، نظراً لعقود من عملها في مجال أجهزة الطاقة الموجهة. وحتى الآن، لم يظهر أي دليل قاطع علناً، فيما نفت موسكو أي تورط لها.

ويبدو أن ظهور هذين الجهازين المعروفين للطاقة الموجهة، إلى جانب أبحاث أخرى، دفع إلى إعادة تقييم بعض الفرضيات المتعلقة بـ«متلازمة هافانا»، التي سُميت نسبةً إلى التفشي الغامض للأعراض عام 2016 بين موظفي السفارة الأميركية في هافانا.

وفي السنوات التالية، أبلغ موظفون أميركيون عن مئات الحالات حول العالم، من بينها الصين ودول أوروبا الشرقية. كما أفاد أحد كبار مساعدي مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، ويليام ج. بيرنز، بأنه عانى أعراضاً مشابهة خلال زيارة إلى الهند عام 2021.

ولا تزال تفاصيل كثيرة تتعلق بالتجربة النرويجية غير واضحة بسبب سريتها البالغة. ورفض المطلعون الكشف عن هوية العالم أو الجهة الحكومية النرويجية التي كان يعمل لديها.

وكانت نتائج التجربة صادمة بشكل خاص، إذ إن الباحث النرويجي كان معروفاً بموقفه الرافض بشدة لفكرة أن أسلحة الطاقة الموجهة قد تُسبب أعراضاً شبيهة بتلك المرتبطة باضطرابات السمع الحادة، حسب المطلعين. غير أنه، في سعيه لإثبات وجهة نظره بشكل قاطع، مستخدماً نفسه بوصفه حقل تجارب بشري، انتهى به الأمر إلى نتيجة معاكسة تماماً.


الديمقراطية... «غلالة رثَّت من الأدواء»

«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
TT

الديمقراطية... «غلالة رثَّت من الأدواء»

«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)
«الأكروبوليس» رمز الديمقراطية الأثينية (رويترز)

هل الديمقراطية في خطر؟ هل ماتت؟ هل كانت موجودة يوماً؟

لطالما كانت العقول مقتنعة ومشدودة إلى الغرب كمساحة حرية وديمقراطية؛ حيث أنظمة الحكم تعكس آراء الأكثرية ورغباتها، وحيث من يتولى السلطة التنفيذية لا يصل إلا بعد انتخابات برلمانية تُفضي إلى موالاة تحكُم ومعارضة تراقب وتحاسب.

أين الواقع من اليوتوبيا؟

في مينيابوليس، ما بدأ كحراك محلي ضد حملة فيدرالية متشددة على الهجرة، سرعان ما تحوّل إلى احتجاجات واسعة على ما رأى فيه المحتجون تعدياً من السلطة الفيدرالية في واشنطن على الحقوق الدستورية الأساسية، وتجاوزاً لسلطات المدينة والولاية (مينيسوتا)، وانتهاكاً فادحاً لمبادئ الديمقراطية.

دورية من حرس الحدود في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ب)

كتب أستاذا العلوم السياسية الأميركيان المرموقان، ستيف ليفيتسكي ودانييل زيبلات، في مؤلفهما «كيف تموت الديمقراطيات» (2018): «شاهدنا سياسيين يقولون ويفعلون أشياء غير مسبوقة في الولايات المتحدة، ولكنها أشياء نعرف أنها كانت في أماكن أخرى مقدمات لأزمات ديمقراطية... بات السياسيون الأميركيون اليوم يعاملون خصومهم كأعداء، ويُرهبون الصحافة الحرة، ويهددون برفض نتائج الانتخابات. كذلك، يسعون إلى إضعاف الحواجز المؤسسية التي تحمي ديمقراطيتنا، بما في ذلك المحاكم وأجهزة الاستخبارات وهيئات الرقابة الأخلاقية».

ليس هذا سوى نموذج من واقع يقول إن عدداً من الاتجاهات المقلقة يتقاطع بما يعيد تشكيل مشهد حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي على مستوى العالم. فالتطورات الأخيرة في الولايات المتحدة وديمقراطيات غربية أخرى، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في تمويل برامج أساسية لحقوق الإنسان والديمقراطية، والتسييس الفاضح لمؤسسات راسخة واستخدامها كأدوات صراع، تشير إلى تحول خطير. ويتزامن هذا التراجع مع صعود مقلق للآيديولوجيات السلطوية والانغلاقية، وتعزيز متزايد لصلاحيات السلطة التنفيذية، وتقويض متعمّد لشرعية الأقليات والمجتمعات الهشة، إلى جانب تآكل حرية الإعلام واستقلاله. ولا شك في أن هذه الممارسات تدل على عمل مدروس لتفكيك الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المنفتحة والخاضعة للمساءلة.

الجذور والمرامي

لم تولد الديمقراطية بسحر ساحر في لحظة واحدة؛ بل نشأت تدريجياً وبأشكال مختلفة، بينما كانت المجتمعات تبحث عن سبل للتخلص من الاستبداد، ولإشراك الأفراد في صنع القرار الجماعي.

ومعلوم أن مصطلح «الديمقراطية» مركّب من كلمتَي ديموس (الشعب) وكراتوس (الحكم أو القوة) في اللغة اليونانية. وكان مكان الولادة أثينا؛ حيث أرست الديمقراطية الأثينية أفكاراً جوهرية، أبرزها المساواة السياسية بين المواطنين، والنقاش العام، والمساءلة.

بعد الإغريق، انتقلت الراية إلى الرومان، ومع قرابة خمسة قرون من الجمهورية الرومانية التي قامت عام 509 قبل الميلاد عندما أُطيح النظام الملكي وانتهت فعلياً عام 27 قبل الميلاد، أرسيت مبادئ أخرى. ورسّخت هذه التجربة وجود مؤسسات تمثيلية، مثل مجلس الشيوخ والجمعيات الشعبية، ومبدأ حكم القانون لا الأفراد. وقد كان لهذه الأفكار تأثير عميق في تطور النظم الجمهورية والديمقراطية اللاحقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

لسنا هنا في معرض القيام بسرد تاريخي لمسار الديمقراطية؛ بل المقصود القول إن هذه الطريقة في حكم الدول وتسيير شؤون المجتمعات ليست أمراً طارئاً، وبالتالي يجدر السؤال والتساؤل عن أسباب الفشل.

الغرب المتعثِّر

يكفي للدلالة على فشل الديمقراطية عدد الحروب التي خاضها البشر، سواء داخل المجتمعات الواحدة (حروب أهلية)، أو بين الدول. فالمفترض أن روح الديمقراطية في داخل البلاد يجب أن تعمم التفاهم والوئام مع الذات ومع الآخر، أي ضمن حدود الدولة وخارجها.

والحقيقة أن المشكلة ليست ربما في الديمقراطية نفسها؛ بل فيمن ينتهك مبادئها ويحاول التحايل وادّعاء ممارستها، بينما يمعن فيها طعناً وتمزيقاً. وهكذا نرى القوي يأكل الضعيف، والدولة الكبيرة لا تساعد الصغيرة؛ بل تسعى إلى السيطرة عليها ونهب مواردها، كأن العلاقات عبر الحدود لا تقوم إلا على الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية.

وإذا نظرنا إلى الغرب فلا يمكن إلا أن يثير قلقنا واقع أن أقوى دولة في العالم تشهد تقويضاً مقلقاً لـ«الحلم» الذي رافق نشأتها واعتمدته شعاراً. وكل يوم نقرأ ونرى ونسمع أميركيين من أهل الفكر يسألون: هل تتجه الولايات المتحدة نحو الحكم الاستبدادي؟

يرى كثير من الباحثين السياسيين أن ملامح هذا المسار بدأت تظهر في خطوات الرئيس دونالد ترمب، ولا سيما مساعيه لإحكام السيطرة على وزارة العدل وإدارات الأجهزة الحكومية، ونشر عناصر من وكالة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد، إلى جانب إجراءات أخرى، منها على سبيل المثال الضغط السياسي والمالي على الجامعات.

تقول الصحافية والمؤرخة آن آبلباوم: «الولايات المتحدة ليست دولة استبدادية في الوقت الراهن. ولكن ما نشهده هو حزب حاكم يسعى إلى تقويض سيادة القانون أو تقييدها، وإلى خلق وضع نتحول فيه عملياً إلى دولة الحزب الواحد. والمسار الذي يسلكه الحزب الجمهوري في عهد ترمب -أو بالأحرى ليس الحزب الجمهوري بحد ذاته؛ بل حركة «ماغا» بقيادة ترمب- هو مسار مألوف، سبق أن سلكته أحزاب أخرى في ديمقراطيات مختلفة، كما في المجر وتركيا وفنزويلا».

تضيف: «أكرر، نحن لا نتحدث عن الولايات المتحدة كدولة استبدادية؛ بل عن مجموعة في السلطة تدفع باتجاه ذلك، وهدفها هو خلق وضع لا يمكن فيه خسارة الانتخابات».

شرطيون خارج محكمة في هونغ كونغ خلال محاكمة القطب الإعلامي المعارض جيمي لاي الذي صدر حكم بسجنه 20 سنة (د.ب.أ)

وإذا انتقلنا إلى أوروبا التي نهلت مجتمعاتها ودولها من الحضارتين الإغريقية والرومانية، نرى ديمقراطية تكبّلها التقاليد في بريطانيا؛ حيث الخيار بين الأحزاب محدود، وديمقراطية معطِّلة في فرنسا؛ حيث يعجز التيار الوسطي عن إقناع اليمين واليسار بما يقوم به لدفع عجلة البلاد إلى الأمام. ولطالما رأينا «تشظّياً» سياسياً في إيطاليا؛ حيث كانت كثرة الأحزاب تسقط الحكومات الواحدة تلو الأخرى، ليأتي بعدها اليمين المتطرف ويُحكم قبضته على السلطة.

في دول أخرى في طليعتها ألمانيا وعدد من دول المعسكر الشيوعي السابق، نشاهد تقدماً كبيراً للفكر الشعبوي المتطرف الذي يقوم على تضخيم المشكلات (الهجرة مثالاً) من غير أن يقدم حلولاً، بهدف أن يصل إلى السلطة، وإذا لم يصل ينصرف إلى العمل على عرقلة الحكم القائم وبالتالي إرباك المجتمع.

بعيداً عن الغرب

لا يُلقى كل اللوم على الولايات المتحدة، ولكنها في الواجهة لأنها يفترض أن تكون قائدة «العالم الحر». أما خصماها الرئيسيان فهما بعيدان جداً عن الديمقراطية: روسيا وريثة النظام الشيوعي لم تعتمد الديمقراطية إلا شكلياً، أي إنها أنشأت بنية دستورية للجمهورية، في حين أن الواقع يؤكد أن الحكم محصور في يد السلطة التنفيذية، والمنافسة السياسية شبه غائبة، والحريات المدنية مقيّدة، بينما وسائل الإعلام خاضعة لسيطرة الدولة.

أما الصين فهي دولة يقودها حزب واحد، هو الحزب الشيوعي، وتعرّف نفسها على أنها «ديمقراطية شعبية شاملة»، مع التركيز على التشاور بدلاً من التصويت على النمط الغربي. ومعلوم أن الإعلام في الصين مضبوط، وحرية التعبير مقيّدة، والفضاء الإلكتروني كله خاضع لرقابة صارمة. ولنا فيما جرى في هونغ كونغ قبل سنوات قليلة دليل على عدم تقبّل الديمقراطية والمسارعة إلى إلغاء الرأي الآخر وتصنيفه على أنه أداة لمؤامرة خارجية.

كوريا الشمالية وميانمار غنيَّتان عن البحث، والهند التي توصف بأنها «أكبر ديمقراطية في العالم» لأنها تشهد انتخابات وتداولاً للسلطة، تعاني طبقية تُبقي الناس في «الحَجْر» وبالتالي تلغي المساواة، وهي عنصر من أهم عناصر الديمقراطية.

لا ضرورة لإكمال الجولة الجغرافية التي يمكن أن تعيدنا إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، عبر أميركا اللاتينية التي عرفت ديكتاتوريات مخيفة. فالمهم والخلاصة أن الديمقراطية عليلة.

فرز أصوات في داكا عاصمة بنغلاديش خلال الانتخابات البرلمانية (د.ب.أ)

الأزمة والأفق «المسدود»

تواجه الديمقراطية راهناً أزمة ناجمة عن نزعة تفكير قصير الأمد، واستقطاب حاد، وحصر صنع القرار بأيدي «النخب» التي تبدِّي مصالح الأثرياء على حساب الناس العاديين. وفي ظل هذا الخلل نرى عزوفاً واسعاً للناخبين عن الاقتراع، ونشراً مقصوداً للمعلومات المضلِّلة، وصعوداً صاروخياً للشعبوية التي تستغلّ الأزمات وهشاشة الرأي العام، وتوجيهاً للإعلام يحرفه عن دوره في نقل الحقائق والتوعية.

يُعدّ نقص الشفافية والمساءلة من أبرز المشكلات التي تشوب النظام الديمقراطي. كما أن تغيّر القادة والحكومات بوتيرة سريعة ومتكررة يولّد حالة من عدم الاستقرار. يضاف إلى ذلك أن اهتزاز منظومة الضوابط والتوازنات يؤدي إلى هيمنة أحد مكوّنات السلطة على ما عداه، وهو ما قد يقود إلى تفشّي الفوضى والفساد.

كان كتاب لورين جي جي سامونز «ما الخلل في الديمقراطية؟ من الممارسة الأثينية إلى التقديس الأميركي» الصادر عام 2007، جريئاً ومخالفاً للسائد؛ لأنه أكد أن الديمقراطية تؤدي دوراً خطيراً محصّناً ضد النقد والاعتراض. وشرَّح الكاتب المثال الأثيني داعياً القارئ إلى مساءلة التسليم غير النقدي بقيَم ديمقراطية، مثل الحرية والاختيار والتنوّع. يضاف إلى ذلك أن التسليم بحق الأكثرية مضلِّل؛ لأن الأكثرية قد تكون مضلَّلة، وتالياً على خطأ.

يجدر بنا أن نسأل: هل أثمرت العناوين البرّاقة سلاماً واستقراراً ورفاهية على مر القرون؟ قطعاً لا. ومن هنا لا بدّ من ولادة فكر ما في «أثينا» أخرى، لمعالجة الخلل، وقيادة البشر إلى مستقبل مختلف عما يُنبئ به الحاضر البائس.


الكرملين: روسيا الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار لمساعدة الفلسطينيين

المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

الكرملين: روسيا الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار لمساعدة الفلسطينيين

المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (د.ب.أ)

أكد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الجمعة، أن روسيا لا تزال الدولة الوحيدة التي قررت تخصيص مليار دولار مساعدات لفلسطين.

وقال بيسكوف للصحافيين: «روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي قررت تخصيص مليار دولار مساعدات لفلسطين. وهذا أمر بالغ الأهمية، ويجب ألا ننسى هذا»، حسب وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.

وأضاف: «لم نحدد موقفنا بعدُ بشأن مجلس السلام، ولا تزال وزارة الخارجية تعالج هذه القضية، بالتعاون مع شركائنا وحلفائنا، وتحاول معالجة هذا الأمر».

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح بأن بلاده مستعدة للمساهمة بمليار دولار من أصولها المجمدة في «مجلس السلام» الذي يتم إنشاؤه بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة إعمار قطاع غزة وحل القضية الفلسطينية.

ووصف ترمب هذا المقترح بأنه فكرة مثيرة للاهتمام.

ووجّهت الإدارة الرئاسية الأميركية دعوات لرؤساء دول من نحو خمسين دولة للمشاركة في «مجلس السلام» بشأن غزة، وأعلنوا تسلمهم دعوة الرئيس الأميركي.

وتضم قائمة المدعوين دولاً من مختلف المناطق، من أستراليا إلى اليابان، بالإضافة إلى روسيا وبيلاروسيا.

ووفقاً لما صرحت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لن يكون لروسيا تمثيل في الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن موقفها منه لا يزال قيد الدراسة.

وشهد منتدى «دافوس» في يناير (كانون الثاني)، مراسم توقيع ميثاق إنشاء «مجلس السلام»، بحضور الرئيس ترمب وعدد من قادة الدول، في خطوة تهدف إلى تعزيز الجهود الدولية لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة.