إخضاع توأمين لأوسع دراسة عن تأثيرات الرحلات الفضائية

كلاهما من الروّاد المتمرسين

إخضاع توأمين لأوسع دراسة عن تأثيرات الرحلات الفضائية
TT

إخضاع توأمين لأوسع دراسة عن تأثيرات الرحلات الفضائية

إخضاع توأمين لأوسع دراسة عن تأثيرات الرحلات الفضائية

عندما سيرسل سكوت كيلي إلى الفضاء في العام المقبل، فإنه سيشارك في أوسع دراسة عن التوائم حصلت حتى الآن. وسوف يقوم العلماء بمراقبة كل نشاطاته أثناء تحليقه حول الأرض على متن محطة الفضاء الدولية لفترة سنة كاملة، وهي أطول مغامرة فضائية فردية بالنسبة إلى أي رائد فضاء أميركي، كما سيقومون بعد عودته بمراقبته عن كثب لمعرفة التغيرات التي تعرض لها أثناء رحلته الفضائية.
وظلت وكالة الفضاء والطيران الأميركي (ناسا) تدرس تأثيرات الرحلات الطويلة والإقامة في الفضاء على الرواد منذ سنوات، لكن مجموعة الأبحاث العشرة هذه المرة ستكون مختلفة، لأن العلماء سيقومون ببحوثهم وتحليلاتهم ذاتها على شقيق كيلي التوأم مارك رائد الفضاء المتقاعد.

* دراسة التوائم
* وقد تؤدي مثل هذه الدراسات المعمقة إلى فهم أوسع لتأثيرات العيش في الفضاء، وأضحت مهمة جدا، لأن وكالة الفضاء تخطط لرحلات مأهولة إلى المريخ وغيرها من المهمات، التي قد تتطلب سنوات لإنجازها.
ويقول الدكتور أندرو فاينبيرغ الباحث في كلية الطب بجامعة جون هوبكنز في الولايات المتحدة، وهو واحد من الباحثين المشتركين بهذا المشروع، «إن لهم رؤية طويلة الأمد جدا، وهو أمر مدهش».
والدراسات على التوائم هي أداة فعالة بالنسبة إلى العلماء لتفهم التأثيرات البيئية، خاصة أن هنالك توأما وحيدا قد قام بالتحليق في الفضاء، مما يفتح فرصة للبحث الفسيولوجي والنفسي بالنسبة إلى «ناسا». وكانت الأخيرة قد رصدت مبلغ 1.5 مليون دولار لإجراء عشر دراسات مدة كل منها ثلاث سنوات، والتي جاءت كاقتراح أولي من الشقيقين كيلي.
وذكر فاينبيرغ أنه سينجز تحليلا جينيا لكلا الشقيقين لدراسة التأثيرات الوراثية، وكيفية قيام البيئة بتغيير المورثات وأسلوب عملها. ومارك كيلي كشقيقه تماما هو رائد متقاعد من سلاح البحرية الأميركية، وقام برحلات فضائية أربع مرات كقبطان لمكوك الفضاء وقائد لفريق الرحلة. وقد أنهى رحلته الأخيرة في عام 2011. وهو متزوج عضوة الكونغرس السابقة غابرييلا غيفوردز. لكن بعد محاولة استهدفت حياتها في عام 2011 أدت إلى استقالتها من الكونغرس في العام الذي تلا.
وقام الشقيقان اللذان هما في سن الخمسين من العمر بزيارة إلى مكاتب «نيويورك تايمز» ذاكرين لها أنه مهما كانت إنجازات الفرد في هذا العالم، فإنه يشعر أنه لم يبلغ إلا منزلة ضئيلة، عندما يكون بقرب شقيقه! وعندما سئلا من هو الذي له الصدارة والأولية بينهما، أجاب مارك أنه أكبر من شقيقة بست دقائق، لكن سكوت سارع إلى القول إنه كان الأول الذي وصل إلى الفضاء، وإنه سيكون الأخير. وعندما طلب مصور الصحيفة أن يتقدم أحدهما عن الآخر قليلا لالتقاط صورة لهما معا، تدافعا بالأيادي مازحين ليكون كل واحد منهما في المقدمة.

* أبحاث طبية

* ويقول سكوت كيلي إن رحلة طويلة على متن المحطة الفضائية باتت أسهل اليوم من الماضي، مع وجود البريد الإلكتروني، والاتصالات الهاتفية، ووسائل التسلية واللياقة البدنية، فضلا عن نوعية الهواء الجيدة. وأضاف متحدثا عن رحلاته السابقة: «شعرت بنوع من الإنهاك جسديا، وهو أمر جيد»، لأنه يشير إلى أن جسده قد يتغير خلال الإقامة الطويلة في المحطة.
وكان حماسهما لهذه التجربة قد أذهل علماء «ناسا». «فقد تطوعت لكي يضعوا مسبار ضغط في جمجمتي»، يقول سكوت، «وقد فكرت أنه من الأمور الجذابة أن تكون هنالك عزقة صغيرة في رأسي»، مشيرا إلى بقعة في أعلاه. لكن العلماء اعترضوا على ذلك معتقدين أنه قد يسبب مشكلات وتعقيدات. وقال إنه حال عودته إلى الأرض، سيكون قد قضى 540 يوما في الفضاء. أما مارك فقد قال إنه قضى 55 يوما. لكن سكوت صحح ذلك بقوله «54 يوما، لكن من الذي يحصي العدد؟».
وذكر سكوت أنه غالبا ما يسأل عن الفرق بين الرحلات الفضائية الطويلة والقصيرة، فيجيب شقيقه مارك أن طول الرحلة يعني أخذ الأمور بجدية والتزام، وهي من خصال عائلتهما.
ويضيف مارك أنه خلال رحلاته القصيرة، شعر أنه من المستحيل التأقلم مع التغيرات الحاصلة في جسم الإنسان بسبب انعدام الجاذبية، «فبعد 17 يوما من التحليق على متن المكوك الفضائي، فأنت لا تشعر مائة في المائة بأي شيء». فعلق شقيقه سكوت بالقول إنه خلال رحلته السابقة إلى المحطة الدولية التي بدأت في عام 2010، واستمرت ستة أشهر، شعر أنه تأقلم جيدا مع الوضع بعد الشهر الثاني. لكن مارك توقع أن شقيقه سيمل من الحياة في الفضاء الخارجي بعد مضي أشهر قليلة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



دماغ الطائر المغرّد... يفسر ألغاز أصوات الموسيقى

طائر الزيبرا
طائر الزيبرا
TT

دماغ الطائر المغرّد... يفسر ألغاز أصوات الموسيقى

طائر الزيبرا
طائر الزيبرا

تخيل دجاجة تتكلم... أو حمامة تغني بصوت يُضاهي أجمل الطيور المغردة... صحيح أن العالم ربما لا يحتاج إلى دجاجات ثرثارة أو حمامات تُغرد. لكن، لماذا تتعلم بعض الطيور تكوين مخزون صوتي واسع في حين تعجز أخرى عن ذلك، لطالما كان هذا محور بحث لعالم الأحياء العصبية إريك د. جارفيس. ويقول جارفيس، مدير مختبر علم الوراثة العصبية للغة في جامعة روكفلر بنيويورك: «التعلم الصوتي، تماماً كاللغة المنطوقة نفسها، سمة نادرة».

هندسة جينية للأصوات

يدرس جارفيس مجموعة صغيرة من الأنواع الحية القادرة على الكلام، مع التركيز على الطيور والفئران، وقد طال أمله في هندسة حيوان وراثياً قادر على إصدار أصوات بطرق جديدة. إذ إن إدخال جينات مُعدلة إلى دماغ طائر أو فأر لا يُصدر أصواتاً- قد يُتيح له هذه القدرة ويُقدم أدلة جديدة حول أصول الكلام. وقد يُسهم هذا الاكتشاف يوماً ما في إيجاد علاجات للأشخاص الذين يعانون مشاكل في النطق أو اضطرابات دماغية.

الطيور المغرّدة تنتج خلايا عصبية جديدة كل ربيع

لم يبدأ جارفيس، البالغ من العمر 60 عاماً، مسيرته المهنية في الهندسة العصبية. فقد كان يطمح في السابق إلى أن يصبح راقصاً محترفاً، عندما بدأ يتساءل عن كيفية قدرة الدماغ على ابتكار حركات الرقص. ثم كان مرشده في جامعة روكفلر هو فرناندو نوتيبوم، الباحث الذي اكتشف في أوائل ثمانينات القرن الماضي أن أدمغة الطيور المغردة تُنتج خلايا عصبية جديدة كل ربيع لتمكينها من التغريد. وقد أدى هذا الفهم الثوري لتكوين الخلايا العصبية إلى اكتشافات أخرى تُفيد بأن جميع الأدمغة، بما في ذلك أدمغة البشر، تُنمي خلايا عصبية جديدة طوال الحياة. وحتى ذلك الحين، كان من المُسلّم به علمياً أن الإنسان يولد بعدد ثابت من هذه الخلايا.

من عام 2002 إلى عام 2005، أسهم جارفيس في قيادة «اتحاد وضع الأسماء لأدمغة الطيور»، وهو مشروع أعاد تسمية مناطق دماغ الطيور لإظهار مدى تعقيده. وقد دحض هذا البحث استخدام مصطلح «دماغ الطائر» على سبيل الازدراء.

في العام نفسه، فاز بجائزة «آلان تي. ووترمان»، ثم فاز بجائزة الرواد من مدير المعاهد الوطنية للصحة بعد ثلاث سنوات.

الباحث إريك جارفيس

مشروع «سفينة الجينوم»

قادت جهود جارفيس في فهم تغريد الطيور إلى مشاريع أخرى، من بينها مشاريع تعمل على تجميعات جينومية عالية الجودة - وهي خرائط تُمكّن الباحثين من تحديد الجينات المرتبطة بالصفات المختلفة. وبناءً على ذلك؛ عُيّن رئيساً لمشروع جينومات الفقاريات، وهو جهد عالمي لتسلسل جينومات 70 ألف نوع من الفقاريات.

جينومات 10500 نوع من الطيور

تضمن المشروع إنشاء «سفينة الجينوم»، وهي قاعدة بيانات مرجعية للبحث والحفظ، وخاصة للأنواع المهددة بالانقراض. أوشكت المرحلة الأولى من مشروع تسلسل الجينات، التي شملت 260 نوعاً، على الانتهاء. ويعمل جارفيس أيضاً على تسلسل جينومات جميع أنواع الطيور، التي يبلغ عددها نحو 10500 نوع.

مكوّنات التعلّم الصوتي

ويشمل هذا العمل تحليل أصغر مكونات التعلم الصوتي. وقد أعلن جارفيس وزميله الباحث روبرت ب. دارنيل، من جامعة روكفلر أيضاً، في فبراير (شباط) 2025، عن اكتشافهما حمضاً أمينياً في جين واحد يُحتمل أن يكون قد أسهم في تطور اللغة البشرية المعقدة.

وقال دارنيل إن استبدال جين مُعدَّل في فأر «غيّر طريقة تواصل الفئران فيما بينها». وأضاف: «أصبحت صغار الفئران تنادي أمهاتها بطرق مختلفة، كما أن ذكور الفئران التي تسعى لجذب الإناث للتزاوج حاولت لفت انتباهها بأصوات مُعدَّلة».

أدمغة اللبائن والطيور

انحدرت أدمغة اللبائن (الثدييات)، والطيور من دماغ أصلي واحد قبل أن يحدث تباين بينهما منذ أكثر من 320 مليون سنة. ومنذ ذلك الحين، سلكت مسارات تطورية منفصلة، ​​وأصبحت تبدو الآن مختلفة تماماً: إذ يُشبه تركيب أدمغة البشر كعكة متعددة الطبقات، بينما تُشبه أدمغة الطيور كعكة الفواكه. مع ذلك، تتشابه بعض المناطق بشكل ملحوظ، بما في ذلك تلك التي تحتوي على آليات تعلم الصوت. يُطلق على اكتساب سمات متشابهة بشكل مستقل اسم التطور التقاربي. يقول جارفيس: «إذا درسنا هذا التقارب ووجدنا أوجه التشابه، فسيمكننا ذلك من فهم الكلام البشري من خلال دراسة هذه الطيور».

فئران «مغردة»

وقد طرح مات بيغلر، الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر جارفيس، بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات: «ما هي أصول الكلام؟ كيف تطور؟ لماذا تطور؟ وما هي الآليات التي تُتيح حدوثه؟». ولتحقيق هذه الغاية، تمكن جارفيس وزملاؤه أيضاً من هندسة مسار صوتي جديد في فأر، كما هو موثق في ورقة بحثية نشرها المختبر. قال: «لقد تمكّنا من تغيير نمط التعبير الجيني لهذا الجين في دماغ الفأر، وجعله أقرب إلى النمط البشري وأقرب إلى نمط تغريد الطيور. تُغرّد هذه الفئران بتنوع أكبر في النغمات».

فهم اضطرابات التواصل والتأتأة

وأضاف مات دافنبورت: «الهدف هو نقل هذه القدرة إلى أنواع لا تمتلكها. هذا يفتح آفاقاً جديدةً واعدةً، حيث يمكن هندسة الصفات العليا. كما يمنحنا رؤى جديدة حول اضطرابات التواصل والتوحد والتأتأة».

تُعدّ طيور الزيبرا البرتقالية والرمادية، التي تُربّى في الأسر، من أنواع الطيور المُفضّلة لهذا النوع من الأبحاث؛ نظراً لتشابه شبكاتها العصبية بشكل لافت مع شبكات البشر. لكن المختبر درس أيضاً أدمغة الطيور البرية. واعتاد جارفيس على استدراج الطيور الطنانة إلى معلف باستخدام الماء المُحلّى. قال: «ستجد الطيور مصدر الغذاء، وفي الصباح، كجزء من جوقة الفجر، ستُغرّد بجانبه» لتحديد منطقتها. (وتسمى طيور الزيبرا zebra finches طيور «تينيوبيجيا» وهي جنس من الطيور الجواثم الصغيرة في عائلة شمعية المنقار، وتحتوي على نوعيين ينحدر كلاهما من أستراليا-ويكيبيديا).

مادة الدماغ المسؤولة عن اللحن

يُفعّل اللحن جزيئاً ناقلاً. ولو أُزيل الدماغ وفُحص بسرعة كافية، في غضون نصف ساعة، لتمكّن جارفيس من تحديد المادة الكيميائية المسؤولة عن اللحن. وقال إنّ فهماً أفضل لدوائر التعلّم الصوتي يحمل في طياته وعوداً كبيرة، مضيفاً أنّ الأمر يستحق التضحية ببعض الطيور.

وأوضح جارفيس: «إذا استطعنا فهم ذلك في الطيور، فسنتمكّن من معرفة كيفية إصلاح الدوائر المتضررة في حالات السكتة الدماغية والصدمات لدى البشر». ربما يكون من الممكن استقراء هذه النتائج للمساعدة في اكتشاف أدوية جديدة تُساعد الناس على استعادة النطق بعد السكتة الدماغية، على سبيل المثال، أو التوصل إلى علاج للتأتأة، وهي حالة دماغية تُصيب بعض الطيور أيضاً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


حين يختلف الذكاء الاصطناعي مع نفسه... من يعالج المريض؟

عندما يختلف الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي
عندما يختلف الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي
TT

حين يختلف الذكاء الاصطناعي مع نفسه... من يعالج المريض؟

عندما يختلف الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي
عندما يختلف الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي

إن كان الطبيب يتساءل قبل سنوات قليلة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدتي في اتخاذ القرار؟ فقد أصبح السؤال اليوم مختلفاً تماماً: ماذا يحدث عندما تبدأ أنظمة الذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات والتفاوض فيما بينها داخل المستشفى؟

إنه الجيل الجديد المعروف باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (Agentic AI)، الذي لا يكتفي بتحليل المعلومات أو الإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع التخطيط، وتنفيذ المهام، وطلب الفحوصات، وتحليل نتائجها، والتواصل مع أنظمة أخرى، واتخاذ قرارات متتابعة لتحقيق هدف محدد. ويرى كثير من الخبراء أن هذا التطور قد يمثل أكبر تحول في الرعاية الصحية منذ ظهور السجلات الطبية الإلكترونية.

لكن مع اتساع استقلالية هذه الأنظمة وتزايد قدرتها على التعاون واتخاذ القرار، تتزايد أيضاً الأسئلة حول المسؤولية، والثقة، وسلامة المرضى، وهي أسئلة قد لا تقل أهمية عن التطور التقني نفسه.

صراع العقول الاصطناعية داخل غرفة المريض

من المساعد إلى «الوكيل»

تناولت مراجعة علمية حديثة نُشرت في 14 مارس (آذار) 2026 في مجلة «إن بي جيه للطب الرقمي» (npj Digital Medicine) مفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيل، واعتبرته مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية. فبدلاً من انتظار أوامر الطبيب، أصبح النظام قادراً على تنفيذ سلسلة من الخطوات بصورة شبه مستقلة، مثل مراجعة ملف المريض، واقتراح الفحوصات، وتحليل النتائج، ثم تقديم خطة علاجية أولية، مع إمكانية التعاون مع وكلاء آخرين داخل المنظومة الصحية.

وترى الدراسة أن هذه القدرات قد ترفع كفاءة الرعاية الصحية وتخفف الأعباء الإدارية، لكنها في الوقت نفسه تستدعي إعادة التفكير في آليات السلامة، والمسؤولية القانونية، والأطر التنظيمية قبل تطبيقها على نطاق واسع.

* الذكاء الاصطناعي للتشخيص قد يتحاور مع الذكاء الاصطناعي للعلاج*

عندما يختلف الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي

عندما يتحدث الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي

في المستشفى التقليدي، يتخذ الطبيب القرار النهائي بعد الاستماع إلى آراء المختصين. أما في المستقبل القريب، فقد نجد وكيلاً ذكياً مسؤولاً عن التشخيص، وآخر يختار العلاج، وثالثاً يراقب العلامات الحيوية، ورابعاً يدير الأدوية، وخامساً يتواصل مع شركة التأمين.

لكن ماذا يحدث إذا اختلفت هذه الأنظمة فيما بينها؟ من يملك القرار النهائي؟ وهل يستطيع أي إنسان تفسير الكيفية التي توصلت بها هذه المنظومة المعقدة إلى قرارها؟

هذه ليست أسئلة افتراضية أو فلسفية، بل تحديات حقيقية بدأت تفرض نفسها على أجندة الباحثين، والهيئات التنظيمية، وصناع السياسات الصحية حول العالم.

ثلاثة تحديات ترسم مستقبل الذكاء الاصطناعي في الطب

ثلاثة تحديات يحددها الدكتور أنتوني تشانغ

في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور أنتوني تشانغ، مؤسس مبادرة «الذكاء الاصطناعي في الطب» (AIMed) في ولاية فلوريدا الأميركية، وأحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي الطبي، إن «الذكاء الاصطناعي الوكيل لن يغير مستقبل الطب فحسب، بل سيغير الطريقة التي نفكر بها في سلامة المرضى والمسؤولية الطبية». وأضاف أن الذكاء الاصطناعي الوكيل يواجه ثلاثة تحديات رئيسية ينبغي معالجتها قبل اعتماده على نطاق واسع في الرعاية الصحية.

* التحدي النظامي. وأوضح أن هذا التحدي أولها، إذ إن تفاعل عدد كبير من الوكلاء الأذكياء داخل المستشفى قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الأخطاء الناشئة»، وهي أخطاء لا تنتج عن خلل في نظام واحد، بل من تفاعل الأنظمة المختلفة مع بعضها بعضاً.

الدكتور أنتوني تشانغ

* التقييم. وهو التحدي الثاني، حيث يرى أن المقاييس التقليدية، مثل الدقة والحساسية والنوعية، لم تعد كافية للحكم على أنظمة تتخذ قرارات متعددة الخطوات بصورة مستقلة وتتعاون مع وكلاء آخرين.

* البنية المعمارية. ويتمثل التحدي الثالث في البنية المعمارية، إذ قد تتعارض أهداف الوكلاء المختلفين خلال رحلة علاج المريض، ما يفرض سؤالاً محورياً: كيف نضمن أن تعمل جميع هذه الأنظمة في اتجاه واحد، وأن تبقى مصلحة المريض هي الأولوية؟

*أفضل «الوكلاء» لم يحقق سوى نحو 42 في المائة من الأداء المتوقع في المهام السريرية المعقدة*

الواقع أكثر تواضعاً مما نتصور

ورغم الحماس الكبير لهذه التقنيات، فإن دراسة حديثة جداً نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «آركايف» (arXiv) تحت عنوان «هيلث إيجنت بنش» (Health Agent Bench)، وهي أول منصة معيارية لتقييم الوكلاء الأذكياء في بيئات صحية واقعية، قدمت صورة أكثر واقعية. فبعد اختبار مجموعة من أقوى الوكلاء الأذكياء في بيئات صحية تحاكي الواقع، أظهرت النتائج أن أفضلها لم يحقق سوى نحو 42 في المائة من الأداء المتوقع في المهام السريرية المعقدة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي الوكيل لا يزال في مرحلة مبكرة، وأن الانتقال من المختبر إلى المستشفى يتطلب اختبارات أكثر صرامة قبل الاعتماد عليه في اتخاذ قرارات تمس حياة المرضى.

من يتحمل المسؤولية؟

السؤال الأكبر لا يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ القرار، بل بمن يتحمل المسؤولية إذا كان القرار خاطئاً. هل هي الشركة المطورة؟ أم المستشفى؟ أم الطبيب؟ أم النظام الذكي الذي اتخذ القرار؟

كلما ازدادت استقلالية هذه الأنظمة، ازدادت الحاجة إلى أطر قانونية وتشريعية جديدة تحدد المسؤولية، وتضمن الشفافية، وإمكانية تفسير القرارات، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى «صندوق أسود» يصعب فهمه أو مساءلته، فالثقة في الطب لا تُبنى على دقة القرار وحدها، بل على وضوح المسؤولية عندما يقع الخطأ.

الذكاء الاصطناعي الوكيل فرصة عربية لقيادة الطب الذكي

ماذا عن العالم العربي؟

يقف العالم العربي اليوم أمام فرصة استراتيجية، إذ لا يزال كثير من منظوماته الصحية الرقمية في مرحلة البناء والتطوير، وهو ما يمنحه فرصة تصميم بنية تحتية تستوعب الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي الوكيل منذ البداية، بدلاً من محاولة تكييف أنظمة قديمة معه لاحقاً.

ويمكن للمؤسسات الصحية العربية، بالتعاون مع الجهات التنظيمية والجامعات، أن تقود هذا التحول عبر تطوير أطر تنظيمية واضحة، وإطلاق برامج لتقييم سلامة الوكلاء الأذكياء، والاستثمار في إعداد الكوادر الطبية للعمل مع هذه الأنظمة، مع الحفاظ على أن يبقى القرار السريري النهائي بيد الطبيب.

الإنسان يبقى الحلقة الأهم

قد يأتي يوم يتولى فيه عشرات الوكلاء الأذكياء إدارة رحلة المريض من لحظة دخوله المستشفى حتى خروجه، لكن سيبقى سؤال واحد يحسم مستقبل هذه الثورة: عندما تختلف الأنظمة الذكية فيما بينها، من يتحمل مسؤولية القرار؟ وحتى يجيب العلم والقانون عن هذا السؤال، سيظل الإنسان الضامن الأخير للثقة، والمسؤولية، وسلامة المرضى.


دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا
TT

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

نجح باحثون في إجراء أول دراسة شاملة للخصائص الجينية لأورام سرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في الولايات المتحدة، كاشفين عن اختلافات جزيئية مميزة قد تؤثر في استجابة المريضات للعلاج، وربما تُسهم في تفسير ارتفاع معدلات الوفاة الناجمة عن المرض داخل هذه الفئة مقارنة بغيرها.

ونُشرت الدراسة في مجلة «npj Precision Oncology» في 17 مارس (آذار) 2026، وتمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لسرطان الثدي لدى واحدة من أكثر المجموعات السكانية تهميشاً في الأبحاث الطبية.

فجوة كبيرة في أبحاث السرطان

وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة بسرطان الثدي بين نساء السكان الأصليين أقل مقارنة بالنساء البيض فإن معدلات الوفاة الناجمة عن المرض تبقى أعلى بشكل ملحوظ. وفي الوقت الذي شهدت فيه وفيات سرطان الثدي انخفاضاً تدريجياً خلال العقود الأخيرة في معظم الفئات السكانية ظلت هذه المعدلات شبه ثابتة بين نساء السكان الأصليين.

ويرى الباحثون أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك يتمثّل في ضعف تمثيل هذه الفئة في الدراسات الجينية التي تشكل الأساس لتطوير العلاجات الحديثة.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، أستاذ الرياضيات التطبيقية والإحصاء الحاسوبي في جامعة نوتردام في الولايات المتحدة، أحد المشرفين على الدراسة، جون لي، أن النساء من السكان الأصليين لأميركا لطالما كنّ غائبات تقريباً عن أبحاث سرطان الثدي. فبينما تضم أكبر قاعدة بيانات عالمية لسرطان الثدي، المعروفة باسم «أطلس جينوم السرطان»، بيانات أكثر من ألف مريضة، لا يوجد بينها سوى مريضة واحدة فقط من السكان الأصليين. ويعني ذلك أن معظم الفحوصات والعلاجات الحالية طُورت اعتماداً على بيانات تخص مجموعات سكانية أخرى مع افتراض أنها ستعمل بالكفاءة نفسها لدى الجميع. وأضاف لي أن هذه الدراسة تُعدّ الأولى التي تبحث بشكل متعمق في الخصائص البيولوجية لأورام الثدي لدى نساء السكان الأصليين، وهي خطوة كان ينبغي القيام بها منذ وقت طويل.

اختلافات جينية لافتة

كما حلل الباحثون عينات أورام من 17 امرأة من السكان الأصليين، وقارنوها بنحو 700 عينة أورام لنساء بيض مسجلة في مشروع «أطلس جينوم السرطان» إحدى أكبر قواعد بيانات السرطان في العالم.

وكشفت النتائج عن اختلافات واضحة في التركيبة الوراثية للأورام، شملت أنماط الطفرات الجينية وآليات استخدام الحمض النووي (دي إن إيه) ومستويات نشاط الجينات المختلفة.

وأظهرت الدراسة أن عدداً من الجينات تعرّض لطفرات بمعدلات أعلى لدى نساء السكان الأصليين مقارنة بالنساء البيض، بما في ذلك جينات تؤدي دوراً أساسياً في تمكين الجهاز المناعي من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

واللافت أن بعض الطفرات المرتبطة بالجهاز المناعي ظهرت حصرياً لدى المريضات من السكان الأصليين، ولم تُسجل لدى المجموعة المقارنة.

وقال لي: «وجدنا اختلافات على جميع المستويات التي قمنا بدراستها. فهناك جينات مهمة للتعرف المناعي على الخلايا السرطانية كانت أكثر عرضة للطفرات، وبعض هذه الطفرات لم تظهر إلا لدى مريضات السكان الأصليين».

علاقة وثيقة بالجهاز المناعي

أشارت النتائج إلى أن كثيراً من الاختلافات المكتشفة يرتبط بآليات عمل الجهاز المناعي، مما يوحي بأن أورام الثدي لدى نساء السكان الأصليين قد تمتلك طرقاً مختلفة للتخفي من دفاعات الجسم الطبيعية مقارنة بالأورام لدى النساء البيض.

كما اكتشف الباحثون اختلافات في الجينات المسؤولة عن حماية الخلايا من أضرار الحمض النووي (دي إن إيه)، وهي عوامل قد تؤثر في نشوء السرطان وتطوره واستجابته للعلاج.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة، لأنها قد تؤثر في فاعلية العلاجات الحديثة، بما في ذلك العلاجان المناعي والكيميائي اللذان يعتمدان على تفاعلات بيولوجية محددة داخل الورم والجهاز المناعي.

ومع ذلك شدد الباحثون على أن الدراسة تهدف إلى توليد فرضيات علمية جديدة، ولا تستهدف حالياً تغيير الإرشادات العلاجية المعتمدة؛ إذ لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات لتأكيد النتائج.

نحو أبحاث أكثر شمولاً

ويؤكد فريق البحث أن ارتفاع معدلات الوفيات بين نساء السكان الأصليين لا يرتبط بالعوامل الوراثية وحدها، بل يتأثر أيضاً بعوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية. لكن الدراسة تبرز بوضوح أهمية إشراك الفئات السكانية المختلفة في الأبحاث الطبية لضمان تطوير علاجات أكثر عدالة وفاعلية.

وتأتي هذه الدراسة ضمن مبادرة أوسع يقودها معهد «هاربر» لأبحاث السرطان في جامعة نوتردام، وتهدف إلى جمع عينات أورام من مجموعات سكانية تعاني نقصاً في التمثيل داخل الدراسات العلمية.

ويخطط الباحثون لمواصلة التعاون مع مجتمعات السكان الأصليين، إلى جانب توسيع المشروع، ليشمل نساء من دول ومناطق أخرى تعاني التهميش البحثي مثل بنما وكينيا.

اكتشافات قد تفيد الجميع

وسيتم حفظ العينات المجمعة في بنك حيوي متخصص تابع للمعهد، ليكون مورداً علمياً متاحاً للباحثين والأطباء لدراسة بيولوجيا السرطان بشكل أكثر شمولاً. ويرى الباحثون أن دراسة المجموعات السكانية المهملة غالباً ما تقود إلى اكتشافات علمية غير متوقعة تعود فائدتها على جميع المرضى.

وقال لي: «عندما تدرس مجموعة سكانية جرى تجاهلها لفترة طويلة فإنك غالباً تكتشف جوانب بيولوجية لم تكن معروفة من قبل، وهذه الاكتشافات تعمّق فهمنا للسرطان، وتساعد في نهاية المطاف على تحسين الرعاية الصحية للجميع».

وتؤكد الدراسة أن مستقبل الطب الدقيق يعتمد على تمثيل التنوع البشري في الأبحاث العلمية، بما يضمن تطوير علاجات تستند إلى بيانات تعكس جميع الفئات السكانية وليس بعضها فقط.

عاجل مونديال 2026: سويسرا إلى ربع النهائي على حساب كولومبيا بركلات الترجيح