الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

عمل في الـ«نيوزويك» سنوات طويلة ويكتب الآن في الـ«فورن بوليسي»

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها
TT

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

الصحافي الأميركي كريستيان كارل: حزنت على نهاية «نيوزويك».. وعبقرية ثاتشر دفعتني للكتابة عنها

الصحافي الأميركي كريستيان كارل أحد كبار «نيوزويك» الأميركية التي أغلقت أبوابها هذا العام، وهو من الإعلاميين الذين ذهبوا إلى أفغانستان في سنوات الحرب بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وقد شاهد على الأرض ماذا فعل الإخوة المجاهدون بهذا البلد الذي تحول إلى مشاهد وبانوراما من الخراب والدمار.. يقول في حواره مع «الشرق الأوسط»: «لا يمكن إغفال أن الحياة في أفغانستان توقفت في السبعينات، تطلع على بعض الكتب، وتتصفح المجلات، لتكتشف أن هذا البلد كان تقريبا مثل إيران، كان بلدا متطورا ومنطلقا، وكان وجهة سياحية يقصدها الأجانب، ولكنه أشبه بمن ارتطم بجدار وأخذ يتحرك إلى الوراء».
وجاء الحوار على النحو التالي:

* من أين أتت فكرة كتابك الأخير الذي يتحدث عن أهمية عام 1997 في التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبته؟
- بدأت فكرة الكتاب عندما كنت في أفغانستان في عام 2001، ذهبت للتغطية الصحافية بعد أسابيع قليلة من أحداث 11 سبتمبر. كانت لحظة مهمة أن تأتي لهذا البلد الذي لم يعرف أبدا الاستقرار منذ عام 1979. البلد يعيش في حرب وقلاقل مستمرة منذ ذلك الوقت. لا يمكن إغفال أن الحياة هناك توقفت في السبعينات. تطلع على بعض الكتب، وتتصفح بعض المجلات من تلك المرحلة، لتكتشف أن أفغانستان في السبعينات كانت تقريبا مثل إيران. متطورة ومنطلقة. أفغانستان كانت وجهة سياحية يقصدها الأجانب الذين ينتشرون في مدنها، وخصوصا كابل. الحياة الاجتماعية مختلفة والفتيات يلبسن التنورات القصيرة. ولكن في عام 1979 ارتطمت أفغانستان في جدار، وأخذت تتحرك إلى الوراء. ذهبت إلى العراق عام 2003 ولاحظت أيضا السيارات، والأثاث من مرحلة السبعينات. الرئيس صدام حسين تسلم الحكم عام 1979، وبعدها دخل العراق في سلسلة من الحروب والأزمات. العراق بالطبع أكثر تطورا من أفغانستان، ولكن بدا لي أن العراق ارتطم في جدار في نهاية عقد السبعينات ولم يتحرك بعدها. فكرت كثيرا بعدها في هذه المصادفة التي جعلت بلدانا في أماكن متعددة يحدث لها تقريبا ذات الشيء.

* لماذا وصفت شخصيات مثل الخميني، مارغريت ثاتشر، الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، والبابا يوحنا بولس الثاني بـ«المتمردين الغرباء» كما جاء في عنوان الكتاب؟
- السبب أن كل هذه الشخصيات التي ذكرتها في سؤالك شخصيات قامت بأعمال ثورية تحت عنوانين محافظة. المحافظة تعني إبقاء الوضع كما هو عليه، ولكن هذه الشخصيات خرجت من هذه الأفكار المحافظة لتقوم بمشاريعها الراديكالية، لذا هم غرباء بهذا المعنى. المحافظون الثوريون. تسمية غريبة ومتناقضة. هكذا رأيتهم.
هؤلاء القادة كانوا مهتمين في الأفكار ومشغولين بها. ليسوا مجرد قادة مهمتهم إنجاز برامج سياسية أو إصلاحات اقتصادية معينة، بل كانت لهم رؤية فكرية أوسع.

* هذه أحد الأسباب التي جذبتك للكتابة عنهم. أليس كذلك؟
- هذا صحيح. هم في الحقيقة قادة عمليون، ولكنهم يملكون رؤى تغييرية جذرية. ليس طموحهم أن يمرروا بعض القوانين. أوباما على سبيل المثال ليس مثلهم. لا يملك مثل هذه الرؤية الكبيرة التحويلية، بل أراه محافظا يميل للوسط. لكن هذه الشخصيات كانت تريد أن تغير الواقع وحتى معاني الكلمات. في حملة ثاتشر الانتخابية وصفت بـ«الرجعية». الوصف بالرجعية في السبعينات يعد كالشتيمة، ولكنها قالت: «بالطبع أنا رجعية. أنا سعيدة لكوني رجعية. هناك أشياء خاطئة في بلدنا وعلينا أن نرجع ونصححها». هذا كان ردا عبقريا منها ولا يصدق. إنه يكشف عن عمق وجدية نياتها الراديكالية. دينغ شياوبينغ غير معاني كلمات مثل «الماوية» و«الرأسمالية». غير بالكامل الخطاب في الصين. نعم حافظ على بعض الأشياء، ولكنه دفع برقة وهدوء السفينة الهائلة التي سماها الصين إلى مسار آخر مختلف تماما. كان استراتيجيا عبقريا.

* هل ذلك الوقت المتوتر، نهاية السبعينات، هو الذي أنتج هذه الأسماء أم هو عائد إلى مزاياها الشخصية؟
- أعتقد أن الشخصيات التاريخية الكبيرة تظهر عندما تكون الحاجة لها ماسة. ما حدث في نهاية السبعينات هو إعلان لموت المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فترة طويلة من السلام غير المسبوق. صعود أوروبا ونهاية الاستعمار وازدهار الاقتصاد الأميركي، ننسى أحيانا كيف كانت هذه الأحداث سائدة في ذلك الوقت. كل هذه الأشياء بدأت تفقد زخمها تدريجيا. إنه أشبه بالانهيار الحتمي لنظام جيلي، في ذلك الوقت تبرز شخصيات تقود. انتعاش الصحوات الدينية في نهاية السبعينات يعبر عن ذلك. انتشرت في العالم الإسلامي وكذلك في الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا. شيء غريب. أليس كذلك؟!

* أوباما ليس رئيسا تغييريا كما توقع الكثيرون في بداية رئاسته. هل ترى في عالمنا اليوم قادة ذوي رؤية خاصة؟
- لا يوجد في عالمنا اليوم قادة يملكون رؤى ثاقبة واسعة، وذلك يعود إلى طبيعة العالم الذي نعيش فيه. عالمنا أكثر تعقيدا. عالم كوكبي تكنوقراطي تكنولوجي أكثر من كونه آيديولوجيا. لهذا السبب باتت الحاجة أقل لقادة عظماء يحدثون إنجازات كبيرة. العالم يدفع لإنتاج قادة تكنوقراط. قادة مثل أوباما يصلحون بعض الأخطاء لجعل النظام يعمل بشكل أفضل.

* عملت في المجلة الشهيرة «نيوزويك» لفترة طويلة. كيف شعرت بعد أن سمعت خبر إغلاقها؟
- كنت حزينا ولكن لم أكن متفاجئا. عندما كنت في «نيوزويك» كنت أعرف أن المجلة متورطة ماليا وتعاني في زمن الإنترنت. قوة مجلتي الـ«نيوزويك» والـ«تايم» كانت في وقت سابق، حيث اعتبرت من المطبوعات القليلة التي تمثل مصدرا للمعلومة والمعرفة للناس الذين ليس لديهم مصادر أخرى. لكن هذه السوق بدأت في التضاؤل تدريجيا وأتى بعد ذلك الإنترنت ليخنقها. من الصعب أن تنجو المجلات في هذا الوقت. الـ«تايم» مستمرة ولكنها منغمسة بمشكلات عويصة. قلت إنني حزنت ولكن هذا أمر متوقع. للقصة جانب إيجابي هو صعود إعلام متعدد ومتنوع يغطي العالم الواسع الكثيف الذي نعيش فيه اليوم. الصحافة الكلاسيكية غير قادرة على تغطية هذا التنوع. لا أرى كيف بإمكانها أن تقوم بذلك.

* تكتب الآن لمجلة الـ«فورن بوليسي»، ولكن فقط في موقعها الإلكتروني.. ما الفرق عن تجربتك في الـ«نيوزويك»؟
- تجربة مثيرة. في الـ«نيوزويك» كنت أستقبل كل ثلاثة أو أربعة أشهر رسالة من قارئ. الرسالة تصلني حيثما كنت عبر قسم البريد في مقر المجلة في نيويورك. أنا متأكد أن هناك رسائل كثيرة لا تصلني (يضحك). أقوم بالرد عليها إذا استطعت. ولكن علي القول إنني أحب وأفضل الصحافة الإلكترونية لأن التواصل مع القراء مباشرة وأسرع. هناك تبادل واسع للأفكار. في الـ«نيوزويك» كنت أشعر بأنني أحاضر على جمهور افتراضي لا أعرفه.
ولكن الانتقادات التي توجه للصحافيين الإلكترونيين الشباب - إذا صحت التسمية - تتهمهم بعدم الالتزام بالأعراف الصحافية.

* هناك صحافيون هواة، ولكن هناك أيضا صحافيين يلتزمون بالعمل المهني، والناس تثق أكثر بإنتاجهم. عندما يحصل أحد مشاهير المدونين على عقد كتاب يشعر كأنه جرى الاعتراف بأهميته وجديته. لماذا؟
- لأن الجميع قادر على كتابة مدونة.. لكن ليس كل أحد قادرا على تأليف كتاب. لهذا يعتبر الكتاب كالشهادة بجدية الصحافي واحترافيته. الصحافة الإلكترونية الجادة المحترفة موجودة وستكون مطلوبة.

* قلت لي في محادثة سابقة قبل وقت قصير عقب عودتك من ليبيا إن شبح القذاقي ما زال يحوم فوق البلاد. كيف ذلك؟
- يؤسفني القول إن القذافي ما زال هناك.. سيطر القذاقي على حياة الليبيين عقودا، ويبدو أنه من الصعب التخلص من شبحه المرعب بسهولة.. اسمه يأتي في كل حوار، مطبوع على كل جدار.. رسوماته منتشرة في أماكن متعددة.. تشعر بحضور إرثه الذي من الصعب الهروب منه، لكن من الأشياء المثيرة في ليبيا هو كيف أن الناس تريد فعلا النظام الديمقراطي حتى بالتعريف الغربي للكلمة. لم ينتخبوا الجماعات الإسلامية، ويتظاهرون على الجماعات المتطرفة وبالتأكيد هم معارضون للآيديولوجيات التكفيرية. هذا كان واضحا بالنسبة لي، لكنها لحظة مثيرة وخطيرة في ليبيا، أتمنى أن يستطيعوا الخروج منها بوضع مستقر، وأن لا ينزلقوا إلى فترة طويلة من القلاقل يعقبها حكم تسلطي.. بالتأكيد هم لا يريدون ذلك ولا يستحقونه.



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.