ابن كيران: علاقتي مع الملك مبنية على الطاعة في المعروف.. والنصح والتعاون

رئيس حكومة المغرب قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأصالة والمعاصرة» المعارض مجرد ظاهرة إعلامية

عبد الإله ابن كيران
عبد الإله ابن كيران
TT

ابن كيران: علاقتي مع الملك مبنية على الطاعة في المعروف.. والنصح والتعاون

عبد الإله ابن كيران
عبد الإله ابن كيران

بدا عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية ورئيس الحكومة المغربية، أكثر ارتياحا وهو يتحدث كعادته مع «الشرق الأوسط» بقلب مفتوح، ديدنه قول ما يجول في خاطره بصراحته المعهودة، والتأكيد أن لديه اليقين بأن حزبه سيتصدر المشهد الحزبي في اقتراع 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ويرجح أنه سيتجاوز نتائج انتخابات 2011.
وعزا ابن كيران ترشحه للانتخابات في مدينة سلا المجاورة للرباط إلى سبب واحد، هو رغبته في أن يمر بامتحان اختبار شعبيته في البلد كشخص وليس كحزب فقط، مشيرا إلى أن سكان سلا سيتجاوبون مع ترشحه، وهم متأكدون أنه إذا لم ينجح في الاقتراع ستكون حياته السياسية قد انتهت.
ومما يزيد في حالة الارتياح لدى ابن كيران إيمانه بأن الدولة تقوم على الثقة، وعدم اعتقاده بأن المغرب قادر على أن يسمح لنفسه التلاعب بأسس الدولة، مشددا على أن الذي يضمن ألا يكون هناك تزوير في الانتخابات، بعد الله، هو الملك محمد السادس، واعتقاده الراسخ أن «الأصالة والمعاصرة» المعارض حزب غير موجود سياسيا، وأنه مجرد ظاهرة إعلامية، موضحا أن السياسة ليست هي الرياضيات، لكنها تعلم المرء أن يبتلع بعض الأشياء، وأن الدرس الأساسي الذي استخلصته خلال السنوات الخمس الماضية هو أن الإصلاح عملية شاقة وطويلة، بيد أنه يبقى ممكنا. وفيما يلي نص الحوار.
* بعد مرور خمس سنوات من ولايتكم على رأس الحكومة المغربية. ما هي الدروس والعبر التي خرجتم بها من هذه التجربة، خاصة أنكم على أبواب اقتراع يوم 7 أكتوبر؟
- قبل ذلك كنت أتخيل أن المسؤولية صعبة، لكن حينما تبوأتها وجدتها أصعب مما كنت أتخيلها، ولكن في نفس الوقت تمكن من القيام بأشياء مهمة لصالح الوطن والمجتمع. والدرس الأساسي الذي استخلصته هو أن الإصلاح عملية صعبة وشاقة وطويلة، وبالتالي لا يجوز للذين يريدون الإصلاح أن يتخلوا ويتراجعوا عنه، بل يجب عليهم أن يستمروا فيه. الإصلاح دائمًا ممكن، ومنطق الإصلاح يجد دائمًا في النهاية من يستمع إليه. ربما لا يكون الجميع متفقا، لكن شخصا يتحمل مسؤولية مثل التي تحملتها يكون عنده هدف أساسي وأصلي، وهو أن يختم مشواره بطريقة إيجابية.
* حرصتم خلال السنوات الخمس الماضية على جعل علاقتكم بالملك محمد السادس علاقة تعاون وليست علاقة تنازع، وقلتم للمغاربة عقب توليكم رئاسة الحكومة من خلال «الشرق الأوسط» (إذا كُنْتُمْ تبحثون عن رئيس حكومة يتنازع مع الملك فابحثوا عن شخص آخر غيري). هل استطعتم تحقيق مبتغاكم المتمثل في التعاون مع الملك؟
- على كل حال، أنا ما زلت على رأيي. وأقول للمغاربة إنهم إذا كانوا يريدون شخصا يخاصم ملكه وينازعه فليبحثوا عن شخص آخر. فأنا لا أصلح لهذا. وأنا لا يمكنني أن اشتغل مع جلالة الملك إلا في إطار الضوابط الشرعية المبنية على السمع والطاعة في المعروف بطبيعة الحال، ومبنية على النصح والتعاون. وأود القول إنه في اللحظة الأولى من ولايتي الحكومية، لم يكن جلالة الملك يعرفني ولم أكن أعرفه. الآن تعارفنا والحمد لله، ولا أخفي أنه نشأت بيننا علاقة ودية.
* الملاحظ أن حملة حزبكم الانتخابية بدأت بخطاب هادئ غاب عنه ذكر كلمة «التحكم». هل كان لبيان الديوان الملكي الأخير المتعلق بتصريحات حليفكم نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقا) بشأن علاقة أحد مستشاري الملك بـ«التحكم»، تأثير على تخفيف حدة لغتكم خلال الحملة الانتخابية؟
- أي سياسي يسمع هذا البيان الذي كان موضوعه الأخ نبيل بن عبد الله المحترم، ويدعي أنه لم يكن له عليه أي تأثير لا يمكن أن يكون إلا كاذبا. وبطبيعة الحال فقد كان لهذا البيان تأثير علي، ولا أخفي أن حدة الكلام عن «التحكم» خففت منها إراديا، واعتبرت أن ما قيل بشأنه في السابق فيه كفاية.
* تقصد أن الرسالة وصلت من الجانبين؟
- نعم الرسالة وصلت من الجانبين. وأجدد القول إنه لا يمكن لشخص يتحمل مسؤولية مثل مسؤوليتي (رئاسة الحكومة) أن ينكر أن مواقف وبلاغات (بيانات) جلالة الملك ليس لها أثر. هذا غير معقول.
* أنتم تترأسون حكومة ائتلافية تختلف فيها القناعات والأفكار السياسية وحتى الأمزجة. فكيف دبرتم هذا الموضوع خلال السنوات الخمس في ظل المتناقضات الموجودة داخلها، رغم حالة الانسجام الظاهري الموجود؟
- لم يكن انسجاما ظاهريا، بل كان انسجاما حقيقيا. بالفعل كان هناك قليل من التوتر مع السيد صلاح الدين مزوار (رئيس التجمع الوطني للأحرار ووزير الخارجية). وما كان يخفف من حدة هذا التوتر هو أن السيد مزوار كان لا يحضر اجتماعات الحكومة إلا قليلا. بيد أن هذا التوتر لم يكن توترا شديدا. ففي بعض الأحيان كان يقع هناك بعض الاحتكاك مع بعض الإخوة الوزراء حول بعض الأمور، لكن في النهاية فإن الطريقة التي دبرت بها تسيير الحكومة كانت مبنية على الثقة في الوزراء وكفاءتهم. كما أنهم كثيرا ما كانوا يرجعون إلى حينما يكونون في حاجة إلي. وكنت دائمًا أحاول أن أسهل لهم الأمور حتى أن عزيز أخنوش (وزير الفلاحة والصيد البحري) كان يسميني «المسهل». وهذا هو ما ساعد على الحفاظ على هدوء الجو العام للحكومة، والحفاظ على التفاهم والانسجام سواء في الحكومة الأولى، التي شارك فيها حزب الاستقلال حتى آخر يوم، أو في الحكومة الثانية التي شارك فيها التجمع الوطني للأحرار. وبطبيعة الحال فحكومة مثل هذه لا بد لها أن تأخذ بعين الاعتبار بعض الخصوصيات، ومثال على ذلك هل يمكن اعتبار وزارة الداخلية وزارة عادية؟ هي وزارة لها وزنها ومكانتها الخاصة. وقد كنا في بعض الأحيان نتدافع قليلا، من جهتي ومن جهتهم، لكن عموما مرت الأمور بسلام.
* على ذكر وزارة الداخلية. كيف كنت تتلقى مثلا قيام الوزارة بإصدار قرار يمنع تجمعا خطابيا لحزبك وأنت رئيس حكومة ورئيس وزير الداخلية. وكيف كنت تتعامل مع هذا النوع من التصرف؟
- السياسة ليست هي الرياضيات. صحيح أنا رئيس وزير الداخلية، لكن ليس لأنني رئيس وزير الداخلية فإن كل قراراته يجب أن أنظر إليها بنفس الطريقة. فهي قرارات مختلفة حسب التقدير الذي أقدر. قد يكون التقدير صحيحا وقد لا يكون كذلك. ولكي أقدر حقيقة الأمور علي أن أعرف ما هو مصدرها الحقيقي، ولماذا وماذا سينتج عنها؟
السياسة تعلم المرء أن يبتلع بعض الأشياء، ذلك أن استمرار الحكومة وصورة المغرب في الخارج يقتضيان تقديم تضحيات، وإذا لم يكن المرء مستعدا لها فمن الأحسن ألا يقرب هذه المسؤولية. واليوم مهما قيل ويمكن أن يقال عن هذه الحكومة فإنها أكملت خمس سنوات كاملة، وهذا شيء جيد جدًا بالنسبة لصورة المغرب في الخارج، ودليل على أنه دولة مستقرة.
* في نظركم ما هو أكبر خطأ ارتكبتموه خلال السنوات الخمس الماضية وندمتم عليه الآن؟
- بكل صراحة الأمر لا يتعلق بخطأ. ربما لم أفهم في بداية ولايتي الحكومية نوعية العلاقة التي يجب أن تربط الحكومة بمستشاري جلالة الملك، وعبرت عن هذا الشعور السلبي بالقول إنني لم أستطع أن أربط مع المستشارين علاقات تعاون، وجاء تنبيه وضع الحدود. آنذاك فهمت ما هي الحدود.
* ما هي؟
- الحدود تكمن في أنه ليس لي علاقة مع مستشاري الملك. المستشار يشتغل مع جلالة الملك، وأنا أشتغل مع جلالة الملك. وحينما يريد جلالة الملك أن يكلف مستشارا للاتصال بي يكلفه بذلك، وأنا بدوري لا يمكنني أن أتصل بأحد مستشاري الملك إلا بعد أخذ الأذن من جلالته. فهذا بينهما برزخ لا يبغيان. وبالتالي يمكن اعتبار ما صرحت به بشأن العلاقة مع المستشارين خطأ كلفني كثيرا لأنني كنت مضطرا لأن أعتذر لجلالة الملك، وأعتذر أيضا لمستشاريه. لكن بغض النظر عن هذا الأمر لا أتذكر أن هناك شيئا أعتبره خطأ. بعض الأشياء يمكن أنها كانت صحيحة وبعضها لم تكن صحيحة، لكنني أنظر على العموم إلى المسار، ولله الحمد، نظرة إيجابية.
* ترأس الملك محمد السادس أخيرا في طنجة اجتماعا لبحث موضوع الطاقة، وهو اجتماع حضرته أنت والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة ووزراء آخرون، وهو اجتماع يأتي بعد صدور بيان الديوان الملكي حول تصريحات نبيل بن عبد الله. فهل تذاكرتم سياسيا على هامش الاجتماع مع المستشار عالي الهمة؟
- بالفعل كان اجتماعا برئاسة جلالة الملك حول موضوع الطاقة. والتواصل بيني وبين السيد فؤاد عالي الهمة لم يتجاوز المصافحة.
* يرى كثير من المراقبين أن السباق الانتخابي الآن يكاد يبدو في الظاهر سباقا بين حزبكم (العدالة والتنمية) وحزب الأصالة والمعاصرة. كيف تنظرون إلى هذا الأخير؟ هل تنظرون إليه كمنافس حقيقي لكم أم مجرد حزب خارج من قمقم التحكم، كما دأبتم على اعتباره؟
- أنا أريد أن أسالك. أين وجدت أنت حزب الأصالة والمعاصرة. هل هو موجود في الساحة؟ في الشارع؟ إن تجمعاته الانتخابية إما فارغة أو يحضرها أشخاص يلبسون جميعا بدلة الحزب. وهذا معناه أنهم مستخدمون عند الحزب بشكل أو بآخر. إن حزب الأصالة والمعاصرة غير موجود سياسيا. هو موجود إعلاميا فقط.
* تقصد أنه ظاهرة إعلامية فقط ؟
- نعم. ينفخ فيه، يزمر ويطبل له. يجمع له رجال الأعمال. يساند من هنا ومن هناك. وبالتالي فهو كما قلت خرج من قمقم التحكم وما زال يستفيد منه. هذه هي قناعتي. فأنا لا أجد أمامي من الناحية العملية والواقعية حزب الأصالة والمعاصرة. كان من المفروض في حزب سياسي طبيعي، بعد أن افتتحت الحملة الانتخابية لحزبي بمهرجان خطابي شارك فيه 20 ألف شخص، أن ينظم هو أيضا مهرجانا خطابيا في مدينة أخرى بمشاركة 20 أو 25 ألف شخص. وهو الأمر الذي لم يقع، ومثل هذه الأشياء غير موجودة، وبالتالي فهو حزب غير موجود. هذا الحزب فرض نفسه من خلال الإعلام والمال والناخبين الكبار. وهذه أشياء أعترف أنه يهزمنا فيها. فنحن في حزبنا نعول على الناخبين الكبار المناضلين، وهم بطريقة معجزة يكون عندهم سبعة أو ثمانية مستشارين فيصوت عليهم بقدرة قادر 40 مستشارا. هل يعطونهم أموالا؟ هل يقومون بتخويفهم؟ لا أدري؟ لكن هذا هو الواقع.
السيد الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي هو أيضا رئيس جهة (جهة طنجة - تطوان - الحسيمة) فاز في انتخابات 2015 بـ171 صوتا حصل عليها في دوار (قرية صغيرة) بمنطقة الريف، كان فيه المرشح الوحيد. فيكف حصل على ما حصل عليه؟ نحن الذين كانت عندنا الأغلبية في الانتخابات الجهوية (32 صوتا)، بينما هو عنده (31 صوتا)، أصبح عنده 40 صوتا ونحن عندنا 20 صوتا. وبنفس الطريقة حصل حزب الأصالة والمعاصرة على رئاسة مجلس المستشارين، وبنفس الطريقة أخذ جهة بني ملال - خنيفرة، حتى إن حزبا متحالفًا معنا رشحناه لرئاسة الجهة، لكن أعضاء هذا الحزب صوتوا على حزب الأصالة والمعاصرة. هم يملكون أساليب في استقطاب الناخبين الكبار ليست عندنا. لكن الآن نحن سننزل إلى الشعب، وأنا بصراحة لا أرى هذا الحزب في الشعب. وكما سبق أن قلت فهو موجود في التلفزيون والإذاعات لكن عمليا هو غير موجود. ثم حتى من الناحية الجغرافية، وبغض النظر عن مدينة الحسيمة التي أعرف جيدا اين توجد، فإن حزب الأصالة والمعاصرة غير معروف أين يوجد. يقال في البوادي ولكننا لا نعرف له عنوانا حقيقيا. هو غير موجود في أي مدينة كبيرة، وحتى مدينة وجدة لم يستطع أن يسيرها رغم أنه فاز فيها بالمرتبة الأولى، حيث كان مضطرا للتحالف مع حزب الاستقلال الذي ما زال يسيرها حتى الآن. إذن ًفلنقلها بصراحة. هذا حزب مدعوم.
* من يدعمه؟
- مدعوم من قبل جهات ما، ويعيش بهذا الدعم. ويوم سيسحب منه هذا الدعم سيسقط على الأرض.
* في انتخابات 2011 أعلنتم عن توقعاتكم بالفوز بـ70 مقعدا وفزتم في الاقتراع بـ107 مقاعد. الآن ما هي توقعاتكم بشأن اقتراع 7 أكتوبر؟
- صحيح في 2011 كنت توقعت في بداية الحملة الانتخابية أننا سننال 70 مقعدا، وأعتقد أن آخر رقم توقفت عنده هو 90 مقعدا أو المائة مقعد، لأنه أثناء الحملة الانتخابية بدأت تظهر لي آنذاك علامات الانتصار. وهذه المرة الأمر مختلف، لأنه في2011 بدأت الحملة الانتخابية وتصاعدت. أما الآن فمنذ بداية الحملة أشعر بحماس منقطع النظير في الحزب والمجتمع. إن الذين حضروا تجمعاتنا، ولا أتكلم هنا عن الـ20 ألفا الذين حجوا إلى المركب الرياضي في الرباط، بل أتكلم عن مراكش التي كنت أترقب أن يحضر مهرجاننا الخطابي فيها ما بين 2000 و3000 شخص. لا أدري كم عدد الذين حضروا في مراكش، لكن عددهم كان من دون شك أكثر من المتوقع بثلاث أو أربع مرات، وفي مكان صعب جدًا وضيق. لذا أتوقع أننا سنتصدر المشهد الحزبي، وسنكون في المراتب الأولى. وفيما يخص العدد فإنه من الصعب الحديث عن رقم، لكن المرجح أننا سنتجاوز نتائج 2011.
* وحدكما أنت وحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال من بين قادة الأحزاب ترشحتما للانتخابات. إلى ماذا ترجعون عدم ترشح الكثير من قادة الأحزاب للانتخابات، وما هي الأسباب التي دفعتك للترشح؟
- كل واحد له أسبابه في عدم الترشح. لكنني ترشحت لسبب واحد هو أنني أردت أن أمر بامتحان اختبار شعبيتي في البلد كشخص وليس فقط كحزب. فقلت سأتوجه إلى السلاويين (نسبة إلى مدينة سلا المجاورة للرباط) الذين أوصلوني إلى قبة البرلمان في المرة الأولى، وأعيد اقتراح نفسي عليهم، وهذا ما فعلته. وأظن أن السلاويين يتجاوبون مع ترشحي، وهم متأكدون أنني إذا لم أنجح في اقتراع 7 أكتوبر ستكون حياتي السياسية قد انتهت. الأمور واضحة.
* تتوقعون أن يتجاوز حزبكم عدد المقاعد المتحصل عليها في 2011، ألا تخشون أن تؤثر العتبة الانتخابية بعد تخفيضها من 6 في المائة إلى 3 في المائة على نتائجكم؟
- تخفيض العتبة كان مطلبا ملحا لوزارة الداخلية، ومطلبا للأحزاب السياسية كذلك. ورأيت من الناحية السياسية أنه من الأجدى عدم الوقوف ضد تخفيض العتبة الانتخابية فتنازلت. أظن أن النجاح في الانتخابات تؤثر فيه التقنيات، لكن أساسه هو هل التيار قوي أم ضعيف. فإذا كان قويا فهذا كله لا ينفع، فقد نفقد مقعدا أو اثنين أو ثلاثة، وإذا كان التيار ضعيفا فإنه لن يصعد بك كثيرا. وتقديري أن أثر تخفيض العتبة على نتائج الحزب سيكون جد محدود.
* هناك حديث عما يسمى ب» الخط الثالث» و«الطريق الثالث» الذي تجسده «فيدرالية اليسار الديمقراطي». كيف تنظرون إلى هذه الحركية الجديدة في المشهد السياسي المغربي كأمين عام لحزب العدالة والتنمية ورئيس للحكومة؟
- «فيدرالية اليسار الديمقراطي» هم خصوم آيديولوجيون، ولكني أظن أنهم أناس جادون. فعلى الأقل سيكون معنا لاعبون جادون لأننا ضد الإقصاء. الديمقراطية حلبة كلما دخل إليها كل الفاعلين في المجتمع يكون هذا الأخير مؤمنا ضد المجهول. فمن لديه ما يقول فليتفضل لقوله، ومن لديه ما يعمل ويقترح فليتفضل. والديمقراطية هي التي تفرز وتحسم في الأمر. هذا حزب صغير جدًا ليس له أي نائب في البرلمان السابق. قد يدخل الآن إلى البرلمان ويحصل على عدد من المقاعد النيابية. وهذا شيء إيجابي. صحيح لا أتمنى لهم أن يفوزوا بالمرتبة الأولى لأنهم خصوم حزبي، ويعبرون عن هذه الخصومة بشراسة مبالغ فيها رغم أنني لا أرغب في الحديث عنهم بسوء، وبالتالي حينما نكون جميعا تحت قبة البرلمان سنرى كيف نرتب هذا الأمر. ومع ذلك فإن هناك شيئا جادا قادما من المجتمع. إن مشكلة السياسة في بلادنا الآن هي الكراكيز (الدمى المتحركة)، وقد آن الأوان للتخلص منها، لأن هؤلاء يتغيبون، وعندما يحضرون يكونون ضعافا وهزيلين ويضحكون علينا الناس. هذه هي المشكلة. ومن ثم فأنا مع أن لا يظل أي كان خارج قبة البرلمان، وأن تدخل إليه جميع التيارات السياسية، ولهذا السبب رشحنا السيد حماد القباج لأننا نعتبر السلفيين جزءا من المغرب وجزءا من المغاربة. فأن يكونوا حاضرين في البرلمان أحسن من أن يكونوا خارجه. ففي البرلمان سيراهم الناس وسيسمعون ما سيقولون، وبالتالي إما ستصعد شعبيتهم أو ستنزل، وآنذاك سيكونون مضطرين لأن يعتدلوا. ونكون بذلك نقترب من جو ديمقراطي يقطع الطريق أمام كل تشدد، لأنه من أين يأتي التشدد التطرف والإرهاب؟ الجواب هو الإقصاء. فالشخص الذي لا يجد نفسه في مؤسسات الدولة والمجتمع يبحث عن طرق أخرى، ولهذا فإن اندماج هؤلاء في المشهد السياسي، وقيامهم بتغطية عدد كبير من الدوائر الانتخابية شيء إيجابي. وأظن أن نتائجهم ستكون أحسن من المرات الماضية.
* أنت الآن مشرف على تنظيم الانتخابات، ووزارتا الداخلية والعدل تقومان بالإشراف الفعلي والميداني. ألا تتخوفون من التزوير أم أن عهد التزوير ولى إلى غير رجعة؟
- الدولة تقوم على الثقة، والذي يضمن ألا يكون هناك تزوير بعد الله هو جلالة الملك، الذي لديه مواقف رسمية وعلنية في هذا الصدد. لقد تناولنا في الحكومة الحديث بشأن ذلك مع وزير الداخلية، الذي قال إن جلالة الملك يتابعه بشأن نزاهة الانتخابات بقوة. ومن ثم لا يمكن أن نشارك في الحكومة والبرلمان ونظل نردد مثل هذا الكلام. طبعا الكل يرى ماذا يقع. ولم يعد هناك شيء قابل للاختباء. لهذا نحن نعتمد على هذه الثقة التي بنيت عليها البلاد، ولا أعتقد أن بلادنا قادرة على أن تسمح لنفسها بالتلاعب بأسس الدولة. هل تعرف أن أساس الدولة الأول هو الثقة قبل المال والرجال، وهذه مقولة ليست لي بل لكونفوشيوس وعليها إجماع في العالم. يجب أن نكون واضحين ونذهب ونشارك. طبعا أنا كما قال جلالة الملك، يقع الإشراف على الانتخابات تحت سلطتي ومسؤولية وزارتي الداخلية والعدل، لكن الفاعل الأساسي في كل هذا هي وزارة الداخلية. ووزارة العدل هي شريك لكن في حدود. وأنا مسؤول من خلال قيامي بالتحكيم حينما يكون هناك أشكال، ولكن هذا الشيء كله نحن قبلناه، ومن يقبل مسارا يمضي فيه حتى النهاية. فالكل يراقب ويتابع وحينما يكون هناك شيء ليس على ما يرام فإننا نثير الانتباه إلى ذلك.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.