الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

المدير الجديد لمعهد العالم العربي في باريس انفرد بشغفه بالثقافة الفرنسية

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
TT

الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي

في عام 1979 اختار معجب الزهراني فرنسا وجامعة السوربون خصوصًا لدراسته العليا، رغم أنه حصل على فرصة للتوجه لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، أسوة بآلاف السعوديين الذين اختاروا الدراسة هناك، لكن الزهراني انفرد منذ ذلك الوقت بشغفه بالثقافة الفرنسية. واحتضنته باريس عشر سنوات (حتى منتصف 1989)، حيث حصل على شهادة «الدرجة العليا في اللغة الفرنسية»، من جامعة السوربون الرابعة، عام 1982، ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي الحديث، من جامعة السوربون الجديدة، عام 1984، وشهادة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن، من جامعة السوربون، سنة 1989. عن أطروحة بعنوان: «صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة». وها هو يعود إليها مجددًا مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي ، مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس بعد أن اختاره مجلس السفراء العرب نهاية مايو (أيار) الماضي. وكان عمل قبل ذلك، أستاذا لعلم الجمال والأدب الحديث، بجامعة الملك سعود، ومشرفا على كرسي غازي القصيبي بجامعة اليمامة، كما أنه كاتب ومؤلف الكثير من الدراسات، ومشرف على الكثير من الرسائل العلمية، وناقد في مجال الشعر والأدب والنقد، وهو أيضًا روائي صدرت له مؤخرا رواية «رقص».
أما معهد العالم العربي، فقد تأسس في العام 1980 بمبادرة من 18 دولة عربية، وهو يسعى لأن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي، عبر تشجيع المبادلات الثقافية والمعرفية، خصوصا في مجالات العلوم والتقنيات. وهو يُدار مناصفة بين الدولة الفرنسية والدول العربية عبر مجلس السفراء العرب، ويخضع للقانون الفرنسي، ويقوم المعهد، منذ تأسيسه، على رئيس ومدير. الأول فرنسي يرشحه رئيس الجمهورية الفرنسية، والثاني عربي يختاره مجلس السفراء العرب المؤلّف من 22 دولة. هنا حوار مع الدكتور معجب الزهراني بعد توليه مسؤوليته الجديدة:
> مع تسلمك رئاسة معهد العالم العربي في باريس، ما أولى مهامك في هذا الوقت الحرج الذي يشهد «انعدام الثقة» بين الثقافات؟
- لا علاقة لمهمتي بالظروف العابرة بكل تأكيد. المعهد مؤسسة عريقة عمرها ثلاثة عقود، وهناك أنظمة ولوائح تحدد الصلاحيات النظامية لكل موظف، بغض النظر عن موقعه. نعم ربما يكون للأحداث المؤسفة التي تشير إليها دور المحفز على ضرورة بذل المزيد من الجهد الفاعل للتواصل والتبادل لتعريف الآخرين بثقافة عريقة يمثلها المبدعون المنتجون في كل المجالات، وليس هؤلاء القتلة المنحرفون الذين يعيثون فسادًا في كل مكان.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي يتعالى على عناصر التوتر القائمة؟
- المعهد ليس جسر عبور محايدا، بل هو فضاء تواصل وتفاعل، يلعب دوره ويؤدي وظيفته بكفاءة عالية، كغيره من المؤسسات الثقافية الجادة في كل مكان. ولأنه كسب ثقة كبيرة ومصداقية عالية لدى جمهور متنوع الاتجاهات والاهتمامات بفضل منتجاته الخلاقة خلال عقود فقد زاد عدد زواره حتى تجاوزوا المليونين الآن. وكل من يطلع على برامجه وأنشطته سيدرك أن القائمين عليه يحرصون كل الحرص على التنويع والابتكار لتلبية الحاجات، وإرضاء كافة التطلعات المتوقعة لجمهور باريسي هجين يبحث عن المتعة والفائدة في مدينة جذابة غنية كريمة مع كل مقيم وعابر.
> ماذا يلزمه لتحقيق هذا الهدف؟
- الاستمرارية مع التطوير هو هدف كل مؤسسة ثقافية حديثة فاعلة. وتراكم التجارب والخبرات هو ذخيرة ثمينة لكل من يريد أن يجتهد ويبدع ويضيف لبنة في البناء أو شجرة في الحقل ذاته. لا مجال هنا لاستئناف البدء أو للقطيعة والتأسيس كما يتوهم كثيرون في بلداننا، حيث يحولون المؤسسات إلى حقول تجارب ينقض بعضها بعضًا، فلا خبرة تتعمق ولا عمل ينجز.
> هل نحن، بصفتنا عربا، في حاجة فعليًا إلى التواصل مع فرنسا؟ ماذا تضيف لنا الثقافة الفرنسية؟
- نحن في أمس الحاجة إلى لتواصل الثقافي الخلاق مع كل العالم. ولعل فرنسا من أكثر البلدان الأوروبية أهلية وجاذبية لتواصل كهذا، والسبب بيّن بنفسه. فالجالية العربية الأكبر والأهم في الغرب تقيم في فرنسا كما نعلم. وفرنسا الرسمية والشعبية قريبة جدًا من تطلعات شعوب المنطقة وقضاياها، وفي مقدمتها قضية فلسطين. هذا فضلاً عن تقارب نخبها السياسية المتعاقبة يسارية كانت أو يمينية مع سياسات دول المنطقة العربية، وبخاصة في شمال أفريقيا ودول الخليج. ومن ينسى أن النخب الثقافية العربية التنويرية ظلت تجد في فرنسا الحديثة النموذج الأكثر جاذبية وفتنة بعد أن توجهت أولى البعثات التعليمية إلى مدينة النور منذ بداية القرن التاسع عشر، وظلت الصيرورة متصلة حتى منتصف القرن العشرين. ولعل كبار المفكرين والمبدعين الفرانكفونيين في بلدان المغرب بالأمس واليوم أهم ثمرة للتواصل مع اللغة والثقافة الفرنسية، حيث زال الاستعمار وبقيت الغنيمة.
> ما الذي يميز الثقافة الفرنسية والفرانكفونية تحديدًا، عن الثقافات العالمية الأخرى؟
- الثقافة الفرنسية جزء من الثقافة الغربية الحديثة، وتأثيراتها الكونية لم ولن تنافس تأثيرات الثقافة الإنجليزية دون ريب. لكن المؤكد أنها طالما تميزت بأمرين لا جدال فيهما. الأول تدشينها للدولة الحديثة، حيث مثلت فرنسا ما بعد الثورة الثمرة العملية لعصر التنوير وفكر الأنوار حد أن «هيغل» عد الجمهورية الأولى النموذج العملي المتحقق للوعي أو التاريخ بالمعنى الحديث. والثاني نمط الحياة الراقي المرهف، أو ما يسمى «معرفة العيش» الذي ما زال معترفًا به شرقًا وغربا، ويشمل بالطبع فنون الأكل والشرب واللباس والتخاطب، حد أن باريس تعد عاصمة الموضات الجديدة في مختلف الفنون التي قد تبدأ من أي مكان، لكنها لا تنتشر وتكسب مشروعيتها الجمالية إلا منها. وهناك طرفة شائعة لا تخلو من دلالة بهذا الصدد مفادها أن الأفكار العظيمة تخرج من ألمانيا وتستعمل في بريطانيا وتشيع أو تشع من فرنسا. ولعل أكثر من يعرف هذه المميزات أو الخصوصيات ويعترف بها هم الأميركان الذين يرون في فرنسا النموذج الحضاري الأرقى والأكثر جاذبية رغم أنهم امتداد للثقافة الإنجليزية العريقة كما نعلم. أما من منظور عربي، فالكل يعلم أن الثقافة الفرنسية شكلت المثال أو الحلم الذي رنت إليه النخب المصرية، ثم العربية جيلاً بعد آخر منذ عهد محمد علي حتى اليوم.
> عانت فرنسا من الصدام الثقافي الذي أفرز التطرف والإرهاب وآخرها ما حدث في باريس ونيس وغيرهما.. كيف يمكن لهذا المعهد أن يعيد الثقة للثقافة العربية باعتبارها صالحة للشراكة الأممية؟
- قلت في مناسبات سابقة وأكرر أن تحولات التاريخ تخضع لمنطق أبستمولوجي عميق لا تصنعه ولا تمنعه الحوادث العابرة أيًا كانت. الإرهاب آفة كونية ضرب فرنسا كما ضرب غيرها من قبل، ولا بد أن هناك جماعات عملت وستعمل على استثمار الكارثة لصالحها كما يفعل اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى ولا ينصت طويلاً لصراع الجهالات كما يسميه إدوارد سعيد. والمعهد بدأ استجابة لشرط تاريخي عميق، وسيظل يعمل في سياقه لتحقيق أهدافه ولو كره المتطرفون من كل الأعراق والأديان والمذاهب والأحزاب.
> بالمناسبة نتحدث عن التطرف العربي الذي غزا فرنسا، لكننا نغفل أن هناك موجة تطرف مضاد تتمثل في صعود اليمين الفرنسي والأوروبي، وصعود ترامب في الولايات المتحدة.. هل هو عصر الأصوليات المتشابكة، أم هو ردود فعل متجانسة للأصولية الإسلامية؟
- لا يوجد شيء اسمه التطرف العربي، بل هناك تطرف ديني مذهبي من جهة، وتطرف قومي أو وطني من جهة أخرى، والجامع بينهما ما سميته فكر التوحش الذي عادة ما يرى في الآخر المختلف خطرا يهدد وجوده أو هويته أو مصالحه. ومع وجاهة هذا الطرح إلا أنه من الضروري التفريق بين تطرف عبثي متفلت من كل منطق عقلي أو أخلاقي أو قانوني وبين تطرف يحاصره قانون الدولة ذاته ولا يستطيع ممثلوه التفوه بعبارة عنصرية عدائية دون أن يحاكموا بكل صرامة. وفي كل حال التاريخ لا يصنعه الحمقى وحروب الجهالات تزعج الأفراد والجماعات هنا وهناك، لكنها لن تجد لها أفقا مناسبا في عصر يفرض على الجميع المزيد من التواصل والتعاون لمواجهة الرهانات والتحديات المشتركة.
> هل يمكن للثقافة أن تنجح فيما أفسدته السياسة والأصوليات المتوحشة؟
- الثقافة الشاملة للفكريات والعلميات والجماليات هي ما ميز الإنسان عن غيره من الكائنات، بالأمس، وهي ما يؤنسن البشر كل يوم، في كل لحظة اليوم وغدا. السياسة يفترض أن تكون جزءا من الثقافة بهذا المعنى لأنها تعني علم أو فن إدارة الدولة وتنمية طاقاتها البشرية وثرواتها الطبيعية والصناعية بما يضمن سعادة غالبية الأفراد المواطنين. وانحراف الفعل السياسي إلى مسارات خطرة دليل خلل في فكر النخب الحاكمة، وعادة ما ينتهي بزوالها لصالح نخب جديدة تحترم منطق التاريخ ومعطيات الواقع، وتلتزم أخلاقيا وقانونيا بحقوق المجتمعات والشعوب، وهنا يعود دور الثقافة التي توجه السياسة وليس العكس.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يستفيد من الحضور الثقافي العربي المنفتح على الحداثة لتعزيز التواصل وتوسيع قاعدة التغيير الإيجابي في العالم العربي؟
- هذا ما أنشئ المعهد من أجله وما يحرص عليه دائما؛ لأن الحداثة كانت وستظل أفقا متسعا لكل فعل تواصلي يروم تعزيز علاقات التبادل والتعارف والتعاون بين الثقافات والشعوب، لكنه لا يستطيع اجتراح المعجزات، خصوصا أن عالمنا العربي مليء بمؤسسات تقليدية معتبرة تعمل ليل نهار ضد كل حداثة وتحديث، ولبعضها قدرة كبيرة على التأثير في علاقات المجتمع، بل والتحكم أحيانا في منظومات التعليم نفسها.
> هل تعول على مشاركة الدول الراعية لمعهد العالم العربي؟ هل هناك مساحة للمثقف العربي غير الرسمي لكي يسهم معكم في المعهد؟
- الدول العربية التي لعبت دورًا رياديا في تأسيس المعهد، وفي مقدمتها المملكة (العربية السعودية) حتمًا، لم تقصر في دعمه، وإن ارتبكت المسيرة في فترة معينة نتيجة اجتهادات خاطئة من إدارات سابقة، أو سوء فهم عابر من قبل حكومات معينة. هناك حاجة ماسة إلى تصحيح المسار وتجديد الثقة بين جميع الأطراف، وهذا تحديدًا ما تعمل عليه الإدارة الحالية بقيادة جاك لانج، ويسرني أن أسهم بجهدي الخاص بهذا الصدد، وكلي ثقة في حكمة المسعى ونبل الهدف المشترك.
> التواصل بين فرنسا والعالم العربي قديم، لكنه متركز في شمال أفريقيا وجزء من الشام، وأنت القادم من الخليج والشرق الأوسط، هل يمكنك أن تفتح مسارات جديدة تعزز الحضور الثقافي بين الضفتين؟
- للجغرافيا والتاريخ منطق يفرض على الجميع. الفضاءات العربية التي يشير إليها السؤال توطدت بينها وبين فرنسا علاقات تواصل وتفاعل متنوعة من بدايات الحقبة الاستعمارية دون شك. لكني واثق تماما أن المعهد اليوم يحرص كل الحرص على توسيع دائرة اهتماماته لتشمل كامل المنطقة العربية كما تدل عليه الفعاليات الكبرى الأنشطة النوعية الصغيرة التي نظمت في الماضي القريب أو البعيد. وهناك بعد آخر للقضية يجب تذكره والتذكير به دائما ويتعلق بالجالية العربية الكبيرة في باريس وفرنسا، وهي في معظمها من شمال أفريقيا والساحل الشامي، ومن حقها علينا جميعا أن نتفهم تطلعاتها وحاجاته قدر الممكن. وفي كل حال نثمن كل اقتراح مهم، وسنحاول جهدنا التفاعل معه؛ عسى أن نلبي كل الطموحات المشروعة لكل الجهات والتوجهات.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».