إردوغان: قانون «جاستا» اعتداء على سيادة الدول.. وعلى أميركا مراعاة حساسيات المنطقة

لفت إلى انقسامات في صناعة القرار الأميركي.. وأكد مواصلة الحرب على الإرهاب

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في افتتاح السنة البرلمانية الجديدة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في افتتاح السنة البرلمانية الجديدة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

إردوغان: قانون «جاستا» اعتداء على سيادة الدول.. وعلى أميركا مراعاة حساسيات المنطقة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في افتتاح السنة البرلمانية الجديدة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في افتتاح السنة البرلمانية الجديدة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا)، الذي أقره الكونغرس الأميركي أخيرا، يخالف القانون الدولي، ومبدأ شخصية العقوبة.
ووصف إردوغان القانون بأنه اعتداء على سيادة الدول، قائلا إنه يجب على أميركا أن تغير من هذه التوجهات، وأن تراعى حساسيات الدول الأخرى.
وقال إردوغان، في خطاب في افتتاح السنة البرلمانية الجديدة في البرلمان التركي، أمس، إن أميركا، خلال هذه الفترة التي تسودها أجواء الانتخابات الرئاسية، تشهد تناقضًا خطيرًا في سياساتها تجاه منطقتنا، فضلاً عن وجود مؤشرات لتعدد صنّاع القرار لديها. وضرب إردوغان مثالا بالتعامل الأميركي مع تركيا، قائلا إن هناك فريقا أو اثنين يتعاملان مع المنظمات الإرهابية، مثل منظمة حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب الكردية، دون مراعاة لحساسيات تركيا تجاه هذه التنظيمات ودورها الخطير في سوريا والعراق، في حين أن هناك فريقا يتجاوب مع حساسيات بلاده تجاهها.
كما انتقد إردوغان سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا، قائلا: «من المفترض أن تكون الوعود التي قطعها الاتحاد الأوروبي، برفع تأشيرة الدخول عن مواطنينا، قد دخلت حيز التطبيق الشهر الحالي، إلا أننا نرى أنهم يعملون على وضع شروط، كالمطالبة بتعديل قانون مكافحة الإرهاب في تركيا، وأقولها بصراحة: الموقف الأوروبي هذا بمثابة إعلان عن عدم الالتزام بوعوده تجاه تركيا».
وفيما يخص مكافحة تركيا للمنظمات الإرهابية، داخل وخارج البلاد، أكد إردوغان استمرار هذه المكافحة، مبينًا أنّ منظمة حزب العمال الكردستاني، وامتدادها في سوريا المتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي، وبالاشتراك مع «داعش»، يحاربون التدخل التركي في سوريا، ويقفون في وجه عملية درع الفرات التي بدأت قبل أكثر من شهر.
ولفت إردوغان إلى أن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات التركية في الداخل والخارج، تلقى ترحيبًا من قِبل سكان تلك المناطق، مشيرًا في هذا الصدد إلى أنّ تركيا عازمة على تطهير جميع المناطق الجنوبية والشرقية من تركيا، والمناطق السورية المتاخمة للحدود التركية، من التنظيمات الإرهابية.
وأكد إردوغان أنّ تركيا لم تكن لتستطيع مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لولا التطور الحاصل فيها على جميع الأصعدة، ولا سيما الاقتصادية، مشددًا في هذا الخصوص على متابعة النهضة والتطور، عبر الإسراع في وضع دستور جديد للبلاد، بدلا عن الدستور القائم.
وفي هذا الصدد، تعهد إردوغان بدعم جميع الجهود التي يبذلها البرلمان التركي لإصدار دستور جديد، لافتًا إلى أنه يقوم بواجباته الدستورية على أكمل وجه، بصفته رئيسًا للجمهورية التركية، ومبينًا أنه سيواصل الدفاع عن البلاد في المحافل الدولية. وفيما يخص الأزمة السورية، قال إردوغان: «الموقف التركي تجاه الأزمة السورية كان، ولا يزال، ثابتا. فالأزمة السورية يجب أن تُحل وفقًا لإرادة الشعب السوري، والعقل لا يمكن أن يتقبّل عدم قدرة المجتمع الدولي على القضاء على تنظيم داعش الذي يبلغ عدد عناصره بضعة آلاف، فهناك دول ترسل المتطرفين من بلدانهم إلى سوريا والعراق، وتركيا عازمة على القيام بواجباتها الإنسانية تجاه اللاجئين السوريين والعراقيين».
وقال إردوغان إن الدول الأوروبية لم تستطع تجاوز امتحان الإنسانية، عندما قررت إغلاق حدودها بوجه اللاجئين السوريين. وعن عملية درع الفرات، أكد إردوغان أنّ هذه العملية تهدف إلى تأسيس منطقة آمنة، تبلغ مساحتها 5 آلاف كيلومتر مربع، مبينًا أنّ العملية ستستمر إلى أن يتم تحقيق هذا الهدف، ومنع إنشاء حزام إرهابي في المناطق السورية المتاخمة للحدود التركية، ولفت إلى أن هذه العملية أحبطت مزاعم بعض الدول التي تدعي أن حزب الاتحاد الديمقراطي السوري هو الوحيد القادر على حرب تنظيم داعش الإرهابي.
وشدد إردوغان على ضرورة أن تكون بلاده موجودة في عمليتي تحرير الرقة والموصل من تنظيم داعش الإرهابي، وأنّ تركيا لا تستطيع أن تظلّ مكتوفة الأيدي حيال ما يجري في المنطقة، وأنّ أمن حدود البلاد والمواطنين الأتراك يُلزم الدولة التركية بالتدخل في شؤون المنطقة. وتطرق إردوغان إلى العلاقات الدولية لتركيا، مشيرًا إلى أن بلاده تتبع سياسة خارجية متعددة مع الدول الفاعلة في المنطقة والعالم، لافتًا في هذا الصدد إلى أن أنقرة قامت بتطبيع علاقاتها مع كل من روسيا وإسرائيل، وأنّ هاتين الخطوتين ستعودان بالنفع على شعوب هذه الدول، وعلى شعوب المنطقة برمتها.
وعن علاقات تركيا مع إيران، قال إردوغان إنّ الجانبين يبذلان جهودًا مضاعفة من أجل إزالة اختلاف وجهات النظر حول القضية السورية، بالإضافة إلى المساعي المبذولة لتعزيز العلاقات بين البلدين على جميع الأصعدة، وإن تركيا طورت علاقاتها مع إيران، على الرغم من تباين موقفيهما من الوضع في سوريا. وفيما يتعلق بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، أشار إردوغان إلى وجود جهات لم تتمكن من التنديد بمحاولة الانقلاب الفاشلة، قائلاً في هذا الخصوص: «هناك بعض الجهات التي تحاول إيهام الرأي العام التركي والعالمي بأنّ محاولة الانقلاب لم تكن سوى لعبة، وإنني أقول إنّ كل من لا يندد بهذه المحاولة بشكل صريح، فهو شريك فيها».
وبخصوص الوضع الاقتصادي في البلاد، قال إردوغان إنّ الذين عجزوا عن إعاقة تطور تركيا سياسيًا، لجأوا إلى عرقلة تطورها عبر الاقتصاد، وإطلاق أكاذيب حول دخول تركيا في أزمة اقتصادية، لافتًا إلى أنّ محاولات ضرب الاقتصاد التركي تكررت عقب كل أزمة تحصل في تركيا.
وانتقد إردوغان، في هذا السياق، قيام وكالة موديز للتصنيف الائتماني بتخفيض درجة تركيا، قائلاً إنّ هذه الوكالة تتخذ قراراتها وفق المواقف السياسية، وإنّ قرارها الأخير لم ينعكس سلبًا على إقبال المستثمرين إلى تركيا.
وفي سياق مواز، أعلنت رئاسة هيئة أركان الجيش التركي، أمس (السبت)، مقتل 6 من مسلحي العمال الكردستاني، جنوب شرقي البلاد، وقالت في بيان لها إن 3 من هذه العناصر قتلوا خلال عمليات للجيش التركي في قضاء تشوكورجا، بمحافظة هكاء، فيما قتل 3 آخرون في جبل «إزبا»، بالمحافظة نفسها، خلال استهدافهم بطائرات من دون طيار تركية.
وأضاف البيان أن قوات الأمن والجيش صادرت كميات من الأسلحة والمتفجرات والذخائر والمؤن الغذائية من أوكار المنظمة، وفككت عبوات ناسفة في ولايات مختلفة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...