تحسبًا لـ«خيارات» أوباما.. روسيا تحذر من «تحولات مزلزلة» إذا استهدف الأسد

كيري يشي بإحباطه لاستبعاد الخيار العسكري لإنجاح الدبلوماسية.. وتيارات متصارعة في الإدارة الأميركية

عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
TT

تحسبًا لـ«خيارات» أوباما.. روسيا تحذر من «تحولات مزلزلة» إذا استهدف الأسد

عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)
عائلة سورية تزيل الأنقاض من مدخل منزلها الذي تهدم في جرابلس (غيتي)

في حين ينتظر الرئيس الأميركي باراك أوباما من وكالات الأمن القومي الأميركي الخروج بـ«خيارات» للتعامل مع الوضع الإنساني المتدهور في سوريا على خلفية التصعيد من جانب النظام السوري مدعوما بروسيا، حذرت الأخيرة، أمس، من تداعيات «مزلزلة» لأي استهداف مباشر لنظام بشار الأسد أو قواته. وفي هذه الأثناء عبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن إحباطه؛ لأن جهوده الدبلوماسية لإنهاء النزاع في سوريا لم يتم دعمها بعمل عسكري تشنه الولايات المتحدة، في انتقاد ضمني للرئيس أوباما، حسب تسجيل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يعود تاريخه إلى الأسبوع الماضي.
وقالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، في حديث تلفزيوني، إنها لا تستطيع «التكهن بما سيحدث» إذا تدخل الأميركيون. لكنها أضافت: «في حال بدأ عدوان أميركي مباشر على دمشق والجيش السوري، فإن هذا سيحدث تحولات مزلزلة، ليس في سوريا فحسب بل في كل المنطقة». وحذرت زاخاروفا من تداعيات أي تدخل عسكري أميركي مباشر في سوريا واستهداف الولايات المتحدة قوات النظام السوري. وإذ أشارت زاخاروفا في حديث تلفزيوني، أمس، إلى أنها لا تستطيع «التكهن بما سيحدث إذا تدخل الأميركيون، وأن مهمتها عرض الأسباب التي توضح أهمية البقاء ضمن الاتفاق (الأميركي - الروسي)»، فإنها رغم ذلك تكهنت بأنه «في حال بدأ عدوان أميركي مباشر على دمشق والجيش السوري، فإن هذا سيحدث تحولات مزلزلة، وليس في سوريا فحسب بل في كل المنطقة». واستطردت المتحدثة: «تغيير النظام لن يحدث فراغ سلطة فحسب، بل فراغا سياسيا سرعان ما سيملأه (المعارضون المعتدلون)، لكنهم في الواقع ليسوا معتدلين، بل هم إرهابيون من كل الأنواع، وسيكون من المستحيل التصدي لهم»، حسب قولها. ومن ثم حذرت من أن مثل ذلك التدخل الأميركي «قد يعقد الأمور (في سوريا) ويدفعها لتجري وفق السيناريو العراقي».
من جهة أخرى، اتهمت المتحدثة باسم الخارجية الروسية من وصفته بـ«اللوبي» في الولايات المتحدة بأنه «يعكر صفو الأجواء ولا يسمح بالتوصل لاتفاقات»، معربة عن اعتقادها بأن ذلك اللوبي - الذي لم تسمه بالاسم - «لا يرى حاجة للدبلوماسية، ولا للأمم المتحدة ولا يعبأ بالاتفاقات ولا بالقانون الدولي»، وأنهم ينطلقون في قراراتهم من منطق امتلاكهم القوة ومكانة الدولة الأقوى «التي يمكن لقوانينها أن تقف فوق كل القوانين، وأن يتم دعمها بالقوة العسكرية لحل القضايا». ونبهت إلى أن «مثل هذا المنطق ينتهي بحروب واسعة، وانتشار الفوضى وهدر الدماء».
ويبدو واضحا، حسب مراقبين، أن روسيا لا تستبعد احتمال التدخل الأميركي المباشر في سوريا، وهو ما دفعها بل جعلها تتعمد، وفق المراقبين، تسريب معلومات حول تعزيز قواتها الجوية في سوريا، في إشارة تحذيرية للولايات المتحدة من مغبة التصادم ولو بالخطأ بين قوات البلدين في سوريا. وتتبع روسيا بهذا الشكل العقلية السوفياتية ذاتها التي كانت تحذر من احتمال نشوب نزاع بين البلدين بسبب خطأ ناجم عن كثافة التواجد العسكري لقواتهما في المنطقة ذاتها.
في غضون ذلك، لا يمكن استبعاد لجوء روسيا إلى خيارات عسكرية أخرى للتعويض عن فشل محاولاتها بإطلاق تعاون مع الولايات المتحدة في سوريا، وبغية إيجاد مركز قوة يخفف من تأثير واشنطن على الوضع هناك. وفي هذا السياق قال مصدر مطلع في العاصمة الروسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك خيارات عدة متاحة أمام روسيا، وهي وإن كانت لا تشكل بأي حال من الأحوال بديلا مناسبا عن التعاون مع الولايات المتحدة، فإنها قد تساهم في تفادي السيناريو الأسوأ». ثم أوضح أن «موسكو تدرس كل الخيارات الإضافية بما في ذلك توسيع التعاون مع تركيا، الذي وضع رئيس أركان القوات الروسية أسسه مع نظيره التركي خلال زيارته مؤخرًا إلى أنقرة».
وأعرب المصدر عن اعتقاده بأن كل العوامل الضرورية لإطلاق تعاون أوسع بين البلدين متوفرة؛ «إذ أثبتت تركيا وقوات المعارضة التي تدعمها قدرة مميزة على التصدي للمجموعات الإرهابية»، فضلا عن ذلك، فإن «تلك القوات تخوض معارك في ريف محافظة حلب، أي ليس بعيدا عن المنطقة التي شكل الوضع فيها سببا رئيسيا للخلافات الأميركية - الروسية». وأشار المصدر من موسكو كذلك إلى «حقيقة مهمة، هي أن قوات المعارضة السورية التي تقاتل بدعم من القوات التركية أصبحت (كافرة) بموجب فتوى من إرهابيي (النصرة)»، وعليه، لا يستبعد المصدر أن تلعب تلك القوات «دورا مفصليا» في الفرز ما بين قوات المعارضة والمجموعات الإرهابية. أما العامل الإيجابي الأهم الذي يدفع إلى الاعتقاد بتوسيع التعاون بين موسكو وأنقرة فهو، حسب المصدر من موسكو، «إظهار القيادتين الروسية والتركية جدية وصدقا في الرغبة بإطلاق تعاون نوعي بينهما في شتى المجالات، بما في ذلك الشأن السوري».
هذا، وتناولت وسائل إعلام روسية، بينها وكالة «ريا نوفوستي» الحكومية، الخيارات المتاحة الآن أمام روسيا، وانطلاقا من عرضها وجهات نظر خبراء، بينهم مسؤولون عسكريون أتراك سابقون روجت الوكالة فكرة تشكيل تحالف «روسي - تركي - إيراني» في سوريا، بما في ذلك إطلاق تعاون بين أنقرة والنظام السوري. ولدعم تلك الفكرة نقلت «ريا نوفوستي» عن الجنرال إسماعيل حقي، المدير السابق للاستخبارات التركية، - المعروف بتأييده بشار الأسد - قوله إنه «على تركيا الآن أن تتعاون مع النظام السوري. وفي حال وحدت تركيا وسوريا وروسيا وإيران قواهم فسيتمكنون من إبعاد الولايات المتحدة». إلى ذلك، عبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن إحباطه لأن جهوده الدبلوماسية لإنهاء النزاع في سوريا لم يتم دعمها بعمل عسكري تشنه الولايات المتحدة، في انتقاد ضمني للرئيس أوباما. وحسب تسجيل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يعود تاريخه إلى الأسبوع الماضي، قال كيري أمام منظمة مؤلفة من مدنيين سوريين إن دعوته إلى التحرك عسكريا ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد لم تلق آذانا صاغية. وأوضح كيري: «دافعت عن استخدام القوة (...) لكن الأمور تطورت بشكل مختلف».
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن كيري قال، خلال اجتماع مع عدد صغير من المدنيين السوريين وشخصيات أخرى، إنه فقد الحجة داخل إدارة الرئيس باراك أوباما لدعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء إراقة الدماء في سوريا؛ بسبب التهديد باستخدام القوة العسكرية. وأضافت الصحيفة أنها حصلت على تسجيل صوتي للاجتماع الذي استمر 40 دقيقة في مقر البعثة الهولندية بالأمم المتحدة في 22 سبتمبر (أيلول). وقالت إنه كان من بين المشاركين الذين بلغ عددهم نحو 20 شخصا ممثلين لأربع جماعات سورية توفر خدمات التعليم والإنقاذ والإسعافات الطبية في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة، ومعهم دبلوماسيون من ثلاث أو أربع دول.
وعُقد الاجتماع بعد أيام من انهيار هدنة كان كيري قد تفاوض عليها مع روسيا، وتعرض مناطق تسيطر عليها قوات المعارضة بمدينة حلب السورية لغارات جوية عنيفة في الوقت الذي رفضت فيه موسكو وحكومة الرئيس بشار الأسد نداء أميركيا لوقف الغارات. وقالت الصحيفة إن كيري شكا مرارا من أن جهوده الدبلوماسية لا تحظى بدعم بسبب تهديد خطير باستخدام القوة العسكرية. وقال كيري في تسجيل صوتي، بُث على موقع الصحيفة على الإنترنت: «أعتقد أنكم تنظرون إلى ثلاثة أشخاص أو أربعة أشخاص في الإدارة يدافعون كلهم عن استخدام القوة وقد فقدت الحجة.. إننا نحاول انتهاج الدبلوماسية وأعرف أنه أمر محبط. لن تجدوا أحدا أكثر شعورا بالإحباط منا».
وقال مصدر، في وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن الوزارة تشهد «تيارات متعارضة تشبه تلك التي في سوريا، مع الفرق في المحتوى»، مضيفا أن «الغموض» في الخارجية الأميركية يشبه «غموض الوضع في سوريا». وأشار المصدر إلى أن دبلوماسيين في الخارجية ظلوا يعيشون في إطار هذا الغموض، وهذه التيارات المتعارضة، منذ كانت هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية حتى قبل 4 سنوات، وأن التوتر كان سبب مغادرة عدد من كبار الدبلوماسيين وزارة الخارجية أو الإدارة، وتفصيلهم مناصب السفراء، وتابع أن سبب التوتر كان، منذ البداية، رفض الرئيس باراك أوباما رأي كلينتون بالتدخل العسكري الأميركي المبكر ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مؤكدا أن أوباما لا يزال يرفض هذا الرأي - أي التدخل - الذي يميل نحوه وزير الخارجية جون كيري.
وأضاف المصدر أن «مشكلة المشكلات هي أن أوباما رفض التدخل عندما كان التدخل سهلا، فكيف يمكن أن يقبله وقد تعقد الوضع كثيرا؟!»، وأن الرأي العام الأميركي «ربما كان سيقبل التدخل» في عهد هيلاري كلينتون، لكن ليس في عهد كيري، واستطرد قائلاً إن كيري «يتمزق من الداخل.. ليس فقط لأن الروس صاروا يسيطرون على الوضع في سوريا، ولكن أيضا لأن الروس كانوا غائبين عن الساحة عندما كان التدخل العسكري الأميركي سهلا».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.