الطيران الروسي يستكمل تدمير حلب وقوات النظام تتقدم على محورين

خبراء عسكريون: التهديد الأميركي جدي وسيترجم بتسليم المعارضة السورية أسلحة متطورة

سوريون يمرون فوق ركام بناية تعرضت لقصف جوي في حلب (رويترز)
سوريون يمرون فوق ركام بناية تعرضت لقصف جوي في حلب (رويترز)
TT

الطيران الروسي يستكمل تدمير حلب وقوات النظام تتقدم على محورين

سوريون يمرون فوق ركام بناية تعرضت لقصف جوي في حلب (رويترز)
سوريون يمرون فوق ركام بناية تعرضت لقصف جوي في حلب (رويترز)

بقيت الأحياء الشرقية في مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية هدفًا مباشرا لغارات الطائرات الروسية والنظامية. ولقد استفادت قوات النظام وحلفاؤها من الغطاء الجوي الروسي، ونفّذت هجومًا على محاور عدّة، حققت خلاله تقدمًا ملحوظًا في شمال المدينة ووسطها على حساب الفصائل المعارضة، لكن خبراء توقعوا تبدلاً في المشهد السوري، ولا سيما في حلب، بعد التهديد الأميركي بوقف التعاون مع روسيا، وطلب الرئيس باراك أوباما من القيادات العسكرية والأمنية «بحث كل الخيارات الممكن اللجوء إليها»، ورأى هؤلاء في الموقوف الأميركي الجديد «مؤشرًا على ضوء أخضر من واشنطن، بتزويد المعارضة بأسلحة نوعية ومتطورة، أبرزها صواريخ مضادة للطائرات، لمواجهة الوضع القائم».
على الصعيد الميداني، أعلنت وكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب»، أن «قوات النظام السوري وحلفاؤها تمكنوا الجمعة (أمس)، بدعم من الطائرات الروسية، من التقدم على محورين في شمال المدينة ووسطها، بعد ثمانية أيام على بدء هجوم واسع من أربعة محاور، هدفه السيطرة على الأحياء الشرقية الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة». وأعلنت الوكالة أنه «رغم اشتداد المعارك، فإن الأحياء الشرقية شهدت الليلة الماضية تراجعًا في القصف الجوي». وقال مصدر عسكري تابع للنظام للوكالة الفرنسية، إن جيش النظام وداعميه «تمكنوا من السيطرة على عدد أبنية في حي سليمان الحلبي، ويواصل تقدمه باتجاه محطة ضخ المياه المعروفة التي تحمل اسم الحي وتغذي معظم أحياء المدينة».
هذا التقدّم لم ينفه مصدر عسكري في المعارضة السورية، لكنه أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «النقاط التي يصل إليها النظام لا يستطيع أن يثبت فيها؛ إذ سرعان ما ينسحب منها تحت كثافة نيران الثوار». وأشار إلى أن «الهجوم البري لنظام الأسد وحلفائه لم يحقق أي نتائج، باستثناء إعادة السيطرة على مخيم جندرات الذي لن يدوم طويلاً». وقال المصدر العسكري، الذي رفض ذكر اسمه، إن «من يقلب موازين القوى هو سلاح الطيران الذي يفتك بالمدنيين، ويدمر المباني السكنية والمشافي على رؤوس من فيها». وأضاف: «لو كان لدينا بضع صواريخ مضادة للطائرات، لما تجرأت طائرة معادية على التحليق فوق حلب». وقلل المصدر من أهمية التهديد الأميركي، وقال «لا نراهن لا على الأميركيين؛ لأنهم شركاء مع الروس والنظام في سفك الدماء التي تسيل في سوريا».
وحول المعارك أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن «سيطرة قوات النظام على منطقة مشفى الكِندي في شمال مدينة حلب، الذي كان تحت سيطرة الفصائل المقاتلة منذ نهاية عام 2013». وهذا التقدم هو الثاني بعدما استعادت قوات النظام المدعومة بالميليشيات الخميس السيطرة على مخيم حندرات، الواقع شمال غربي حلب، الذي يشهد منذ أسابيع معارك عنيفة. وقال مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن، إن «سيطرة قوات النظام على هذه المنطقة، تتيح لها التقدم أكثر إلى أحياء المعارضة، وتحديدا إلى الهلك والحيدرية من جهة الشمال»، مشيرًا إلى أن «معارك عنيفة دارت بين الطرفين في حي سليمان الحلبي، حيث تمكنت قوات النظام من تحقيق تقدم بسيط»، مؤكدًا أن قوات الأسد «تتبع سياسة القضم، في محاولة للسيطرة على الأحياء الشرقية». وللعلم، وتتقاسم قوات النظام والفصائل المعارضة السيطرة على حي سليمان الحلبي منذ عام 2012، وتسيطر الأخيرة على محطة المياه. وعمدت الفصائل الأسبوع الماضي إلى وقف العمل فيها؛ ما حرم سكان الأحياء الغربية من المياه، احتجاجا على أضرار نتيجة القصف لحقت بمحطة باب النيرب التي تغذي الأحياء الشرقية، قبل أن يعاد تشغيلهما.
إلى ذلك، أعلن الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني العميد إلياس حنا، أن «التهديد الأميركي بوقف التعاون مع الروس، ليس إلا وسيلة ضغط لجرّ موسكو إلى طاولة المفاوضات، لكنه لن يغيّر الواقع على الأرض». وقال حنّا لـ«الشرق الأوسط» إنه من الواضح اليوم أن الجانب الروسي «مرتاح في سوريا، لكن ذلك لا يعني أنه قادر على الانتصار؛ لأنه يستحيل على أي فريق، أن يحقق نصرًا كاملاً في كل سوريا»، داعيًا إلى «توجيه الأنظار إلى جبهة الجنوب في درعا والقنيطرة، وإلى ترقّب ما قد تقدم عليه إسرائيل».
ولئن كان للتراجع الأميركي تأثير سلبي جدًا، ذكّر حنّا بأنه «لم يسبق لرئيس أميركي في أيامه الأخيرة، أن استطاع فرض واقع معين على رئيس جديد لا يرغب فيه»، معتبرًا أن المنطقة بما فيها سوريا «في مرحلة ضبابية؛ ولذلك لن يتخذ أوباما قرارًا كبيرًا»، لكنه نبّه إلى أن «اللاعبين في سوريا باتوا كثرًا، وقد نشهد تبدلاً في سياسيات بعض الدول تجاه الحرب السورية».
أما الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس فرحات، فكانت له مقاربة مختلفة؛ إذ رأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «القرار الأميركي بوقف التعاون مع روسيا في سوريا، يعني أن الحرب ستكون طويلة ومكلفة جدًا». ورأى أن «طلب الرئيس باراك أوباما من القيادات الأمنية والعسكرية بحث الخيارات غير الدبلوماسية في سوريا، ينطوي على تهديد جدي، بأن واشنطن بدأت تغيّر سياسيتها». وإذ استبعد فرحات أي تدخل أميركي مباشر في هذه الحرب، رأى أن كلام أوباما «يعني أن الإدارة الأميركية اتخذت قرارًا بتسليح المعارضة السورية بأسلحة نوعية ومتطورة، منها مضادات للطائرات، وصواريخ أرض - أرض، ودبابات حديثة». وتابع، أن «عشرات الدبابات الحديثة الروسية الصنع نقلت من ليبيا إلى تركيا، ومن المحتمل إدخالها قريبًا إلى سوريا وتسليمها للمعارضة»، لافتًا في المقابل إلى أن «روسيا بدورها نقلت طائرات حديثة إلى قاعدة حميميم الجوية».
ووفق حصيلة وزعها «المرصد» أمس (الجمعة)، فإن الغارات الروسية «تسببت منذ انطلاقتها في سوريا قبل سنة في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، بمقتل 9364 شخصًا، بينهم 3804 مدنيين، منهم 906 أطفال دون الـ18 عامًا، وبإصابة عشرين ألف مدني على الأقل بجروح، إضافة إلى 2746 عنصرًا من تنظيم داعش، و2814 مقاتلاً من فصائل المعارضة المسلحة و(جبهة فتح الشام) والحزب الإسلامي التركستاني، ومقاتلين من جنسيات عربية وأجنبية». وأوضح عبد الرحمن، أن «الحصيلة هي نتيجة الغارات الروسية التي تمكننا من التأكد منها»، لافتا إلى أن «العدد قد يكون أكبر لوجود قتلى لم نتمكن من تحديد هوية الطائرات التي استهدفتهم».
وعمّا إذا كان الحظر الجوي أحد الخيارات الأميركية، استبعد العميد فرحات إمكانية «فرض الولايات المتحدة حظرًا جويًا فوق سوريا؛ لأن ذلك يعني مواجهة مباشرة مع روسيا»، لكنه لفت إلى أن «ما يعرف بالمنطقة الأمنية باتت قائمة في المناطق التي أصبحت تحت سيطرة القوات التركية بدءًا من جرابلس». ولم يجد فرحات أي عائق أمام إيصال الأسلحة النوعية إلى المعارضة، وقال «منذ سنة والروس يسيطرون جويًا في سوريا، ورغم ذلك لا تزال الأسلحة تصل إلى المعارضة». أما فيما يتعلّق بـ«الوضع الراهن» القائم حاليًا في حلب، فرأى أن «إمكانية السيطرة على حلب صعبة للغاية ومكلفة، والخسائر ستكون كبيرة جدًا». وحذّر من أن «المرحلة المقبلة لن تبقى السخونة فيها مقتصرة على حلب؛ فكل الجبهات السورية ستشتعل، وحلب ستكون مشهدًا في اللوحة السورية الكبيرة». وتوقف فرحات عند «أبعاد تشكيل جيش إدلب الحرّ، واستعراضه العسكري بأسلحة متطورة وصواريخ غراد؛ ما يعني أن الحرب مقبلة على تطورات دراماتيكية».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.