دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

التوتر بين الدولتين النوويتين قد يضع حدًا لرابطتها التعاونية

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد
TT

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

دول جنوب آسيا حائرة بين إرضاء دلهي وإسلام آباد

في حملة دبلوماسية عدوانية ومتزامنة ضد باكستان، انسحب نصف أعضاء دول جنوب آسيا للتعاون الإقليمي من القمة الـ19 للرابطة، المقرر انعقادها في إسلام أباد، كاتبين بذلك نعيا شبه رسمي للتكتل الذي يبلغ من العمر الآن 31 عاما، الذي تكوّن أول الأمر في عام 1985 بهدف تعزيز التعاون بين دول جنوب آسيا. وكانت رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي قد استلهمت فكرتها من التعاون القائم بين مختلف الدول الأوروبية.
وأعلنت كل من أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش، مقاطعتها حضور القمة تضامنا مع الهند. والدول الأخرى، بخلاف الدولة المضيفة باكستان، التي أبقت قرارها سرا بشأن حضور القمة هي: المالديف، ونيبال، وسريلانكا. وحيث إن نيبال هي رئيسة الدورة الحالية من القمة فلا يمكنها الإعلان عن موقف غير محايد.
وأبلغت البلدان الأربعة الأمانة العامة لرابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، أن قادة البلدان لن يكونوا قادرين على حضور القمة لأسباب بدت متشابهة، الإرهاب العابر للحدود والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في الرابطة من قبل «إحدى الدول»، في إشارة واضحة إلى باكستان.
وكانت نيودلهي في الآونة الأخيرة تتخذ سلسلة من الخطوات الرامية لعزل باكستان دبلوماسيا في أعقاب الهجوم الذي ضرب قاعدة للجيش الهندي في مدينة يوري بشمال إقليم كشمير المتنازع عليه.
وفي الأسابيع الأخيرة، أعلن رئيس الوزراء الهندي مودي دعمه العلني للمتمردين الانفصاليين في إقليم بلوشستان الباكستاني، الذي يشهد اضطرابات منذ فترة طويلة، وهي الخطوة التي أثارت غضب إسلام أباد كثيرا. والبطاقات الأخرى المطروحة على الطاولة الآن تتضمن مراجعة، وربما إلغاء معاهدة النهر العابر للحدود التي وقعت منذ عقود، وإلغاء وضعية «الدولة الأولى بالرعاية» الممنوحة إلى باكستان من قبل الهند، واستبعاد باكستان من قمة البريكس المقرر انعقادها في الهند خلال الشهر المقبل.
وفي الأثناء ذاتها، أفادت التقارير الواردة من باكستان بأن إسلام أباد لا تعبأ بالانسحاب من قمة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، وستستمر باكستان في عقد القمة في ميعادها المحدد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويعد الإعلان الباكستاني صفعة في وجه ميثاق الرابطة الذي ينص على أنه لو انسحب رئيس حكومة واحدة من حضور القمة فإن ميعادها يؤجل أو يلغى تماما. وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية، نفيس زكريا، إن بلاده ستستضيف القمة الـ19 للرابطة في نوفمبر المقبل، كما أفادت بذلك إذاعة باكستان الرسمية.
رغم ذلك، لم تحدد أي من الدول الأربع التي أعلنت مقاطعتها للقمة اسم باكستان في بياناتها الرسمية، في إشارة واضحة لتوجيه أصابع الاتهام نحو الدولة الداعمة للإرهاب في المنطقة.
وكان بيان أفغانستان، التي طالما اتهمت باكستان بدعم تمرد حركة طالبان داخليا، هو الأقوى بين بيانات البلدان الأخرى. وأفاد بيان وزارة الخارجية يقول: «نظرا لارتفاع مستوى العنف، والمعارك الناجمة عن حالة الإرهاب المفروضة على الواقع الأفغاني، فإن الرئيس الأفغاني، وفي ضوء مسؤولياته كقائد أعلى للقوات المسلحة في البلاد، لن يكون قادرا على حضور قمة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي المقبلة».
وقالت الهند إن هناك «دولة واحدة» قد خلقت بيئة غير مواتية لإنجاح انعقاد القمة المقبلة.
واستخداما للغة مشابهة، أبلغت دكا نيبال، وهي الدولة التي تترأس الدورة الحالية للقمة، أن «التدخلات الباكستانية في شؤون بنغلاديش الداخلية ليست مواتية حتى تسمح بحضور قمة الرابطة المقبلة». وكانت بنغلاديش في الشهور الأخيرة قد انخرطت في حرب كلامية مع باكستان تتعلق بمحاكمة جرائم الحرب، التي أسفرت عن إعدام عدد من الشخصيات السياسية البارزة والمتهمة بارتكاب تلك الجرائم خلال حرب عام 1971 بين البلدين.
ظلت بوتان، حتى الآن، من أوثق حلفاء الهند في جنوب آسيا، وكان من المتوقع لها دائما الوقوف إلى جانب نيودلهي في أي مواجهة تتخذها الأخيرة بشأن باكستان. وأصدرت تيمفو، عاصمة مملكة بوتان، بيانا قالت فيه إنها تشعر بقلق عميق إثر التصعيد الأخير لأعمال الإرهاب في المنطقة، الذي أضر كثيرا بالبيئة المواتية واللازمة لانعقاد ونجاح القمة في إسلام أباد في نوفمبر المقبل.
تعد المقاطعة من وسائل الإحراج العلني لباكستان، وتضيف إلى شعور العزلة الدبلوماسية، والذي تأمل الهند في زيادته والتعويل عليه. والإعلان عن الدعم من قبل أفغانستان، وبوتان، وبنغلاديش يضيف إلى مشروعية الإعلان الهندي بالانسحاب من القمة، ويضعف من موقف باكستان في المجتمع الدولي.
يقول أوداي بهاسكار، المحلل الأمني ومدير جمعية الدراسات السياسية في مقابلة مع وكالة «IANS» الإخبارية الهندية الخاصة: إن الهند حققت نجاحا في عزل باكستان على السياق الإقليمي. ولكنه أضاف يقول: إنه سيكون أمرا مضللا أن حالة الدعم الجزئي ضد باكستان داخل رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي قد تعني عزل إسلام آباد على المستوى العالمي: «فلا تزال القوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا والصين ملتزمة، أو هي على استعداد للبقاء على اتصالاتها المباشرة مع روالبندي».
على مر السنين، ظهرت الرابطة ضعيفة من دون إحراز أي تقدم كبير يُذكر في تعزيز التجارة والتنمية الاقتصادية في المنطقة. وأحد الأسباب وراء ذلك هو أن أكبر أعضاء الرابطة، الهند وباكستان، تفصلهما الصراعات الدائمة. وأعلن قادة الدول عن حالة من الإحباط، في أعقاب مؤتمر القمة الأخير في عام 2014 والمستضاف في كاتماندو، بسبب الوتيرة شديدة البطء في التقدم نحو التكامل الإقليمي.
من الناحية الاقتصادية، فإن تلك المنطقة هي من المناطق الأقل تكاملا واندماجا حول العالم، مع مستويات متدنية للغاية من التجارة والاستثمار البيني. حيث تمثل التجارة البينية أقل من 5 في المائة من التجارة الرسمية الإجمالية، وهي أقل مما كان عليه الأمر قبل 50 عاما، في حين أن الاستثمارات الأجنبية البينية، من واقع نسبتها إلى إجمالي أرقام الاستثمارات المسجلة، فإنها نسبة ضعيفة للغاية، كما أفاد معهد «بروكينغز الهند» في إيجاز منشور عام 2015.
والهند تبحث في الوقت الراهن عن بديل إقليمي في جنوب آسيا باستبعاد باكستان. وفي واقع الأمر، كان الدبلوماسيون الهنود يدعمون وبشكل ملحوظ إقامة كيانات إقليمية أخرى مثالا بـ«مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات»، التي تربط كلا من بنغلاديش، والهند، وميانمار، وسريلانكا، وتايلاند، ونيبال، وبوتان. وظهرت مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات بأنها التجمع الإقليمي الأكثر رعاية، وقررت الهند بالعمل على دعمها عن طريق المحادثات الثنائية أو الثلاثية مع أفغانستان.
وعلى نحو مماثل، فإن بنغلاديش، وبوتان، والهند، ونيبال، تكون فيما بينها مجموعة أخرى شبه إقليمية لدول جنوب آسيا. وتركز هذه المجموعة جهودها في إطار التعاون الرباعي في مجالات إدارة الموارد المائية، وربط مصادر الطاقة، والنقل، والبنية التحتية. وكانت مبادرة من المبادرات الناجحة للغاية.
ونوقش خلال هذا العام مقترح وجود تأشيرة دخول موحدة لبلدان مبادرة خليج البنغال. وتستمر المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين هذه البلدان والتي تغطي 1.6 مليار نسمة مع الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ 3 تريليونات دولار.
وانسحبت باكستان من مشروع إطلاق القمر الصناعي لبلدان رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي والمقترح من جانب الهند؛ لتوفير مجموعة من الخدمات لدول الجوار كافة في مجالات الاتصالات وتطبيقات البث وإدارة الكوارث. ولكن نظرا للحماس من جانب دول الرابطة الآخرين، مثل سريلانكا، وبوتان، والمالديف، ونيبال، فمن المقرر أن يتم إطلاق القمر الصناعي بحلول نهاية العام الحالي.
وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، سيتم تشييد 30 مشروعا من مشروعات الطرق بتكلفة تبلغ 8 مليارات دولار، مع توفير المساعدة الفنية من بنك التنمية الآسيوي. وهناك مقترح بتمديد المشروع إلى ثلاثة بلدان أخرى من بلدان مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي متعدد القطاعات، ولا سيما سريلانكا، وميانمار، وتايلاند. ودعت الهند قادة دول مبادرة خليج البنغال للمشاركة في الانسحاب الذي سوف يعقب قمة البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا) الشهر المقبل.
وقالت مصادر حكومية رفيعة المستوى لمراسلة «الشرق الأوسط» في الهند، إن باكستان ستستبعد من التواصل الإقليمي لقمة البريكس. وهناك تقليد متبع في قمة البريكس من حيث التواصل مع المنطقة، حيث تتواجد الدولة المضيفة. وفي البرازيل، دعيت دول أميركا اللاتينية للتواصل في عام 2014، وفي عام 2015 دعت روسيا دول وسط آسيا كافة للتواصل في «أوفا».
وهذه المرة، دعت الهند المضيفة للقمة، إلى فعالية التواصل لدول مبادرة خليج البنغال. والدولتين المتجاورتين غير الأعضاء في المبادرة هي أفغانستان والمالديف. وتقول المصادر إن هناك مقترحا بدعوة الدولتين تحت وضعية «الدعوات الخاصة»، أو «المراقبين». ولن تكون هناك دعوة موجهة إلى باكستان.
وهناك تغيير كبير وواضح في النهج منذ الأيام الأولى لولاية رئيس الوزراء مودي، حيث قام بدعوة قادة رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، بما في ذلك رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، في احتفالية أداء اليمين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended