دولاميراندول يعيد الإنسان إلى موطنه الأصلي ككائن له كل القدرة على الحرية والفعل والإبداع

مؤسس النزعة الإنسانية الأول وباعث إنسان عصر النهضة الجديد

جون بيك دولاميراندول
جون بيك دولاميراندول
TT

دولاميراندول يعيد الإنسان إلى موطنه الأصلي ككائن له كل القدرة على الحرية والفعل والإبداع

جون بيك دولاميراندول
جون بيك دولاميراندول

جمد التفكير الفلسفي بعد اليونان أجيالا طوالا، حيث كانت الكلمة العليا للدين الذي بسط سلطته على القلوب والعقول. فلما أقبل عصر النهضة في أوروبا كان العقل قد بدأ يستيقظ عن طريق بعث الآداب والعلوم اليونانية والرومانية والإسلامية. ومن خلال المنجزات العلمية الكبيرة التي عرفها ذلك العصر، اكتملت أسباب اليقظة والجرأة، واستغرق العقل في حب الاستطلاع الحر، وازدادت الرغبة في العلم وحب الجمال، ونبذ العقائد المتعسفة. فشكلت إيطاليا وفلورنسا، مدينة آل ميديتشي، منطلق هذه الحركة، قبل أن تنضم إليها مدن أخرى في فرنسا، وإنجلترا، لتؤسس ما سوف يعرف بالنزعة الإنسية. والنزعة الإنسية، هي تلك المرحلة من تاريخ الإنسانية، حيث سيتركز التفكير على إعادة الاعتبار للإنسان، وإرجاعه إلى موطنه الأصلي مركزا للكون، وكائنا له كل القدرة على الحرية والفعل والإبداع والخلق، بعدما ضاع داخل البناء التراتبي الكوسمولوجي لدى اليونان، أو لصالح قوى لاهوتية أعتى منه، اعتبرت الإنسان مجرد حلقة ضعيفة، تثبت في نظام الكون الكبير، المرمم والبديع الصنع، ومن ثم فكل محاولة لتجاوز هذا الموضع، تعتبر تحديا للكون والإلهة، ما يوجب الحد والعقاب.
عندما يتم استحضار هذه الحقبة من التاريخ الإنساني، فغالبا ما يتم الحديث عن ليوناردو دافنشي، وجيوردانو برونو، ودانتي أليغيري، وإتيان لابويسي وغيرهم. إلا أنني في هذا المقال قد آثرت الحديث عن واحد من أهم رواد هذه النزعة، وهو الأديب والفيلسوف الإيطالي واللاهوتي جون بيك دولاميراندول، مؤسس النزعة الإنسية، الذي ظل اسمه مغيبا، وواضع لبناتها الأساسية التي سيتم البناء عليها، نحو الإعلاء من قيمة الإنسان وحريته وكرامته.
ولد بيك دولاميراندول سنة 1463 بمدينة مودينا الإيطالية، من أسرة ميسورة الحال. نشأ وتعرف على أهم المذاهب الفلسفية واللاهوتية التي تميز بها عصره: الأفلاطونية المحدثة، والسقراطية، والفلسفة السيكولائية (المدرسيّة)، والأديان، بما فيها اليهودية والإسلام. أما حياته، فقد تميزت بنوع من القصر والزخم، والتنقل الكثير. فقد تعرض للسجن، وعانى من الضيق، خصوصا من طرف السلطة الدينية، ممثلة في المؤسسة البابوية، التي كانت تتحكم بكل شيء آنذاك، حتى توفي في سنة 1494، وهو في عز الشباب، وهناك احتمال أن يكون مات مسموما، بسبب آرائه المثيرة للجدل.
تكمن أهمية جون بيك دولاميراندول، في مقال قصير نسبيا من ثلاثين صفحة بعنوان «مقال في الكرامة الإنسانية»، كان قد كتبه سنة 1486 وهو في سن الرابعة والعشرين، وترجمته أخيرا إلى اللغة العربية، آمنة عبد الحميد جبلاوي، وصدر عن مؤسسة الديوان للنشر.
في مقاله ذلك، المستمد من أسطورة أفلاطونية رائعة، هي أسطورة برومثيوس، يحاول جون بيك دولاميراندول، التأصيل للوجود الإنساني، بكل ما يتميز به هذا الإنسان من خصائص ومقومات الكرامة والحرية، في وقت كانت فيه النظرة السائدة إلى الإنسان غير دقيقة. لم يقبل جون بيك دولاميراندول، الفكرة القائلة بأن عظمة الإنسان تكمن في كونه حلقة وسطى بين المخلوقات، أي أنه أعلى من البهائم مرتبة وأدنى من الملائكة. فهذا التحديد في نظر بيك دولاميراندول لا يشرف الإنسان ولا يمنحه أي قيمة تذكر. وإذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، لكانت الملائكة هي الأحق بالإعجاب، وذلك أمر بسيط، فهي أعلاه شأنا ورفعة.
يصوغ دولاميراندول تأمله حول الإنسان، فيحكي لنا قصة خلقه، ويعتبر بأن الله قد خلق العالم ونظمه وزينه، وخلق كل الكائنات ومنحها ماهية محددة ونهائية، ووجودا لا يتغير. إلا أنه في المقابل، تمنى أن يكون هناك كائن قادر على التأمل والتفكر في هذا البناء البديع الصنع، فلم يكن إلا الإنسان وحده القادر على الاضطلاع بهذه المهمة، على اعتبار أن كل الكائنات الأخرى عاجزة عن ذلك، لأنها مخلوقات مبرمجة مسبقا، ومحددة بالكامل، من خلال ماهية معينة ليس بإمكانها أن تحيد عنها. فقضى الله ألا يمنح الإنسان أي طبيعة نهائية، أو هبة محددة. لذلك وضعه في مركز العالم، وفي موقع يكون، من خلاله، قادرا على أن يحتل أي منزلة أو موقع يختاره انطلاقا من إرادته الحرة. فلم يكن الإنسان، لا من موقع الأرض ولا من موقع السماء، كي يتمكن بشرفه وحرية اختياره، من إعادة تشكيل ذاته كما يشاء، فكأنه يخلق نفسه، يبني ذاته أو يهدمها، ويدنو لمرتبة البهائم أو يسمو ليقارب الآلهة. فقوة الإنسان تكمن في كونه لا يتوفر على أي طبيعة نهائية، وبالتالي فهو تبعا لذلك حر، وحريته هذه، هي كرامته التي يسمو بها أعلى من الملائكة التي لا يمكن أن تكون إلا ملائكة.
يسترجع الفيلسوف الفرنسي، لوك فيري هذا المقال في كتابه: «قصة الفلسفة.. أجمل قصة في تاريخ الفلسفة»، الصادر عن دار التنوير للنشر 2015، من ترجمة محمود بن جماعة، محللا أبعادها الفلسفية العميقة، ومعتبرا أن دولاميراندول هو مؤسس النزعة الإنسانية الأول، وباعث إنسان عصر النهضة الجديد، الذي من خلاله سوف يولد الإنسان الحر، الذي سيستمر في البناء والتشييد، مؤمنا بذاته وقدراته على الفعل والصنع، وذلك لمجموعة من الاعتبارات، التي يمكن أن نسوقها فيما يلي:
أولا: أكد جون بيك دولاميراندول، على غياب طبيعة إنسانية، بمعنى أنه لا وجود لأي نظام طبيعي يكون الإنسان ملزما بالامتثال له. وهي فكرة سنجدها بعد ذلك عن روسو وكانط وسارتر، ما يعني أن بوسع الإنسان التخلص من كل محدد مسبق لأنه حر. ولأنه حر، فله حقوق لا بد من حمايتها، وله تاريخ هو ما حققته حريته من إنجازات في كل ميادين الحياة، مثل الفنون والعلوم والعادات.
ثانيا: جون بيك دولاميراندول، هو من سيصوغ، لأول مرة، بصراحة، الفكرة الحديثة عن الحرية. بمعنى القدرة على التخلص من القواعد، سواء كانت قواعد المجتمع أو الطبيعة. وهي الفكرة التي ستشق من بعده الفلسفة الحديثة، وحتى المعاصرة، باعتبارها المبدأ الأساسي، الذي لم تنفك الإنسانية تعتمد عليه منذ ذلك الحين.
ثالثا: أسس بيك دولاميراندول فكرة كرامة الإنسان، انطلاقا من إرادته الحرة. وهي الفكرة التي تضع الإنسان خارج الطبيعة. فكون الإنسان في المرتبة الوسطى، يجعله مثيرا للإعجاب، ويعطيه سمة مميزة هي الحرية، لا الحيوانات ولا حتى الملائكة، قادرة على التفاخر بها. فالملائكة ليست حرة، وهي لا تستطيع أن تفعل إلا الخير.
وكون الإنسان في المرتبة الوسطى يجعل منه كائنا تاريخيا قادرا على التخلص من الطبيعة، ليصنع بذاته وبحريته مصيره الخاص، ويشكل تاريخه. فالإنسان لا شيء. ومن هذا اللاشيء، يستطيع أن يصبح كل شيء، ويستطيع أن يبني شتى ضروب التاريخ والمصير المختلفة.
يضيف لوك فيري، أن هذه الإنسية، التي وضع لبناتها جيوفاني بيك دولاميراندول، ستعرف تاريخا طويلا مند عصر النهضة، وصولا إلى عصر الأنوار، مرورا بديكارت. وسيرسي كانط بعد ذلك، أسسها الأكثر صلابة. وأخيرا، سيجد هيغل وماركس قاعدة أكثر اتساعا، بأن ضما إليها تفكيرا عميقا في قوانين التاريخ الجمعي، حيث أسست إنسانية الإنسان، وكرامته الخاصة، وعظمته، وقدرته على بناء تاريخ من التجديد والتقدم.
عندما ننظر إلى الفكر الأوروبي الحديث، فإننا غالبا ما نصنفه إلى مراحل فكرية أو تاريخية معينة. فنقول عصر النهضة، وعصر الأنوار، والحداثة وما بعد الحداثة. ما قبل كانط وما بعده، أو ما قبل نيتشه وما بعده. وكأن الفكر عبارة عن جزر منفصلة، بينها من أسباب الاختلاف أكثر مما بينها من دواعي الائتلاف. إلا أن الجوهري في الفكر الأوروبي الحديث، بمختلف مراحله، هو التأسيس لإنسانية الإنسان ككائن يتمركز حوله العالم. صحيح بأن هذا الإنسان قد تعرض لضربات قاسمة من طرف فلسفات الشك التي حاولت النيل منه، إلا أنه يبقى مع ذلك قادرا على النهوض من جديد، والبحث عن المعنى والحياة الطيبة، حيث يثبت وجوده وإنسانيته.

* أستاذ فلسفة



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».