انتكاسات عسكرية لانقلابيي اليمن تحول دون تقدمهم جنوبًا

إحباط عمليات للميليشيات في كهبوب وكرش يبقيها بعيدًا عن باب المندب والعند

مقاتل موال للشرعية يستعد لإطلاق مقذوف في إحدى جبهات القتال بمنطقة كرش بين محافظتي لحج وتعز أمس («الشرق الأوسط»)
مقاتل موال للشرعية يستعد لإطلاق مقذوف في إحدى جبهات القتال بمنطقة كرش بين محافظتي لحج وتعز أمس («الشرق الأوسط»)
TT

انتكاسات عسكرية لانقلابيي اليمن تحول دون تقدمهم جنوبًا

مقاتل موال للشرعية يستعد لإطلاق مقذوف في إحدى جبهات القتال بمنطقة كرش بين محافظتي لحج وتعز أمس («الشرق الأوسط»)
مقاتل موال للشرعية يستعد لإطلاق مقذوف في إحدى جبهات القتال بمنطقة كرش بين محافظتي لحج وتعز أمس («الشرق الأوسط»)

تستميت ميليشيات الحوثيين وقوات المخلوع علي عبد الله صالح في الوصول إلى مناطق كهبوب الاستراتيجية المطلة على جزيرة ميمون وممر الملاحة الدولية «باب المندب» وكذا مناطق جبال كرش المطلة على قاعدة العند الجوية وسط لحج أكبر القواعد العسكرية في اليمن، التي تتخذها قوات التحالف في اليمن مقرا لعملياتها العسكرية في الحرب الدائرة منذ أكثر من عام، رغم الخسائر الكبيرة التي تتلقاها الميليشيات عقب كل محاولة لها لتنفيذ عمليات التفاف أو إحراز أي تقدم.
وتظل الميليشيات منذ أكثر من عام تحشد تعزيزاتها لتحقيق أي انتصارات، وفشلت في إحرازها رغم تعدد الجبهات التي تسعى من خلالها للتقدم ناحية المدن الجنوبية سواء عبر مديريات بيحان شرق محافظة شبوة، أو عبر مكيراس الاستراتيجية شمال محافظة أبين المحاذية لمحافظة البيضاء الخاضعة لسيطرة الانقلابيين، أو عبر جبهات كرش وكهبوب وباب المندب بمحافظة لحج خط الدفاع الأول عن العاصمة عدن، فجميع محاولاتها تلك منيت بالفشل أمام صمود قوات الشرعية، الأمر الذي يدفعها لارتكاب مزيد من الانتهاكات بحق السكان من خلال استمرار قصفها العشوائي للمناطق والقرى بمختلف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
وعقب الخسائر الكبيرة التي تلقتها في جبهات كرش، حاولت الميليشيات مجددًا اختراق الجيش والمقاومة في جبهات كهبوب الاستراتيجية المطلة على باب المندب لتخفيف الضغط على قواتها في جبهات كرش وبيحان والبيضاء، في ظل حالة من التخبط بصفوف الانقلابيين وفرار عدد كبير من مقاتليهم من المعارك بجبهات لحج وكذا من مديريات بيحان الرابطة بين محافظة شبوة ومحافظتي مأرب والبيضاء.
وشهدت جبهات كهبوب الاستراتيجية غرب مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج أمس مواجهات عنيفة إثر محاولة التفاف فاشلة للميليشيات الانقلابية، لتخفيف الضغط على مقاتليها بجبهات كرش والمناطق المطلة على الشريجة وجبال القبيطة، وتصدت قوات الجيش والمقاومة للهجوم الذي أسفر عن سقوط 8 بين قتلى وجرحى من عناصر الميليشيات، مما دفع الميليشيات للفرار من وسط المواجهات العنيفة.
وقالت مصادر محلية مطلعة في مقاومة الصبيحة بمنطقة كهبوب لـ«الشرق الأوسط» إن قوات الجيش الوطني والمقاومة من أبناء الصبيحة أحبطوا أمس هجوما مباغتا للميليشيات في محاولة منها لاستعادة مواقع على بعد 3 كيلومترات من كهبوب كانت قد خسرتها الميليشيات الشهر الماضي، وتكبدت الميليشيات في معاركها مع قوات الشرعية بمناطق كهبوب والصبيحة خسائر فادحة، مؤكدة أن المقاومة والجيش يفرضون كامل السيطرة على كهبوب وأنه من المستحيل للميليشيات تحقيق أي تقدم لها ناحية تلك المناطق العسكرية المهمة، على حد قولها.
وبالعودة إلى جبهات المعارك شمال غربي مديرية كرش الرابطة بين محافظتي تعز ولحج، تواصل قوات الجيش الوطني والمقاومة تحقيق انتصاراتها في المناطق القريبة من الشريجة وجبال القبيطة، وذلك بعد يومين من إعلان قوات الشرعية سيطرتها الكاملة على مناطق كرش الحدودية، وفقًا لتصريحات اللواء فضل حسن العمري قائد محور العند قائد جبهات كرش لـ«الشرق الأوسط».
بدوره، أكد الناطق باسم جبهات كرش قائد نصر الردفاني قيام الميليشيات الانقلابية بشن قصف عشوائي عنيف بقذائف الـ«هاون» والـ«هاوزر» على القرى والمناطق المطلة على المواقع والجبال التي سيطرت عليها قوات الجيش والمقاومة خلال اليومين الماضيين، في محاولة منها لاستعادة المواقع المفقودة من يد قوات الشرعية، لافتًا إلا «فشل تلك المحاولات الإجرامية أمام صمود واستبسال المقاومين» على حد قوله، مشيرًا إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى بصفوف الميليشيات، و«خسارة المقاومة لـ(الشهيد) أصيل شائف، و3 جرحى آخرين، بينهم العقيد ناصر من سلاح الدبابات، وحالته مستقرة»، كما يقول.
وتمكنت المقاومة والجيش الوطني من تحرير مواقع جديدة هي قرن العلب، وحيد المناقيف، وتبة الدبابة، والكدحة، والصفراء، وقمة الصرور، بدعم وإسناد جوي ومدفعي من التحالف العربي شمال غربي المديرية، فيما توالت الانتصارات عقب هجوم مباغت وكاسح للمقاومة والجيش على مواقع الميليشيات الانقلابية، كما تمكنت القوات الموالية للشرعية أيضًا من السيطرة على جبل السخابرة الواقع على الجهة الغربية من الجبهة والمطل على سوق الشريجة بعد معارك عنيفة سقط على أثرها عدد من القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات، بالإضافة إلى أسر أحد القناصة الحوثيين.
وأرجع قائد محور العند اللواء فضل حسن العمري استماتة الميليشيات في الوصول إلى مناطق كرش التي تربط بين محافظتي تعز ولحج، إلى أن منطقة كرش منطقة استراتيجية مهمة وتعد البوابة الرئيسية لقاعدة العند الجوية وسط لحج، وأيضًا هي بوابة الدخول إلى عدن وخط الدفاع الأول عن العاصمة المؤقتة، مشيرًا إلى أن الانتصارات تتوالى في لحج، وأن المعارك مع الميليشيات تتركز في شمال غربي المديرية والمناطق المطلة على الشريجة وجبال القبيطة، على حد قوله.
ولفت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن استمرار ميليشيات الحوثيين وصالح في حشد تعزيزاتها العسكرية والوصول إلى كرش رغم الخسائر الكبيرة التي تتلقاها على أيدي قوات الجيش الوطني والمقاومة، يأتي للأهمية الاستراتيجية لمنطقة كرش التي تربط لحج وتعز، وتخوفها من توغل القوات الحكومية في مناطق تعز بعد سيطرتها الكاملة على كامل مناطق وأراضي محافظة لحج وتقدمها ناحية الشريجة والقبيطة.
وفي مديريات بيحان بمحافظة شبوة شرق البلاد، تتواصل المواجهات بشكل متقطع بعد الخسائر الكبيرة التي تلقتها الميليشيات وعودة طيران التحالف لاستهداف أي تعزيزات عسكرية بين الحين والآخر، في ظل هدوء حذر تشهده المناطق الاستراتيجية المؤدية إلى أكبر منابع النفط باليمن، والتي تربط محافظة شبوة بمحافظتي مأرب والبيضاء الخاضعة لسيطرة الميليشيات منذ ما يقارب العامين.
على صعيد ذي صلة، تجددت أمس المواجهات في جبهات مدن الزاهر وقيفة رداع بمحافظة البيضاء جنوب شرقي صنعاء، وسط معارك كر فر بين ميليشيات الحوثيين وصالح من جهة، والمقاومة ورجال القبائل من جهة، عقب تصدي المقاومة لمحاولة توغل فاشلة للميليشيات ناحية مناطق آل حميقان التي تخضع لسيطرة القبائل الموالية للرئيس هادي، في الوقت الذي لجأت فيه المقاومة إلى حرب العصابات والكمائن لاستنزاف الميليشيات نتيجة للفارق الكبير في العتاد العسكري والقوات البشرية بينها وبين الميليشيات، كتكتيك ناجح ومثمر للتصدي لعنجهية الانقلابيين.
وأوضح القيادي محمد عبد القوي الحميقاني لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الميليشيات الانقلابية تتمركز بعتادها العسكري وقواتها البشرية الضخمة في منطقة الجماجم وحيود ضحوة وحيد امسلم، بعد فشلها في اختراق مقاومة آل حميقان، مشيرًا إلى أن الحوثيين يواصلون لأشهر فرض حصارهم الخانق، في ظل وجود أكثر من 60 منزلا دمرت جراء القصف العشوائي للميليشيات على المناطق والقرى السكنية. وكان طيران التحالف العربي قد نفذ أول من أمس 11 غارة على معسكر القصير مقر «اللواء 139» ومباني المعهد المهني بقيفة رداع البيضاء، وقبلها بساعات استهدفت 4 غارات معسكر القيصر الذي تسيطر عليه الميليشيات الانقلابية منذ ما يقارب العامين.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.